أفاد عدد من المواطنين أن هناك بعض الصائمين يحولون رمضان إلى شهر الأكل والتبذير، إذ ينوعون ويعددون في الأكل عند الإفطار، فيرمون ما تضمه بعض الأطباق بعد الأكل في سلة الأزبال.
رغم أن ذلك كلفهم مصاريف مرتفعة، غطوها باللجوء إلى القروض، يعتمدون عليها في مشترياتهم المتعددة يوميا، للمواد التي تعرض في المخابز والشارع.
وتساهم عملية الشراء اليومية في خلق رواج تجاري، ينطلق، صباح كل يوم، ليرتفع في الثالثة بعد الظهر، بعد مغادرة العاملات والعمال لمقرات عملهم، ليشتروا كل ما يشتهونه، غير أن شهية بعض الصائمين تفتح أبوابها على مصراعيها، لترفع من الميزانية اليومية المخصصة لمصروف البيت، وتكثر من المواد الاستهلاكية التي تستقبلها المعدة، لتترتب عنها مشاكل صحية، خصوصا التخمة، وعسر الهضم، والزيادة في الوزن.
وكانت مائدة الإفطار عند المغاربة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، عبارة عن حساء بالحليب أو "حريرة"، وتمر، وحليب وقهوة، أو شاي، وخبز، ومسمن وبغرير، وزبدة وعسل، في جل المناطق. وكانت المواد المعروضة للأكل قليلة، سهلة الهضم، لا ترفع من مصاريف البيت، كما أنها لا تثقل المعدة، ولا ترهق الصحة. غير أنه منذ بداية الثمانينيات من القرن نفسه، بدأ تطور حياة بعض الأسر المغربية، مع ما رافقه من إنتشار وجبات داخل البيوت، كان وجودها يقتصر على بعض المناطق، ومخصصة لوجبات العشاء، لتصبح من بين المواد الأساسية التي تتوفر عليها مائدة الإفطار، مثل الطنجية، والطاجين، والحوت المقلي، والنقانق، واللحم المشوي أو المقلي، إلى جانب البيتزا، والكرتان بفواكه البحر، أو بالخضر، والبيض، والزيتون بجميع أنواعه، والدجاج المشوي، وجميع أنواع عصير الفواكه، لتظل "الحريرة" أو الحساء، والشباكية الوجبة الإضافية، يرفضها بعض الصائمين، بسبب كثرة المواد التي استقبلها الجسم.
وتتعدى كثرة الصحون الطاقة الاستيعابية للمائدة، ليجري الاستعانة بموائد صغيرة بالمنزل، كما يصاب الصائب بالحيرة عند اختيار ما يستهل بها إفطاره، إذ أن هناك من ينسى أهمية التمر والحليب أو الماء، في بداية الأكل، ليتوجه نظره إلى اللحم أو "الكفتة" أو النقانق والخبز، ولا يحس بالضرر الذي يسببه للجهاز الهضمي بإغفاله تناول السوائل.
ويؤكد المتخصصون أن الإسراف في تناول الطعام يربك الجهاز الهضمي، ويحد من عمل دورة الهضم، ويعيق عمل الكبد في التخلص من السموم، إذ أن هناك من يجهل أن الصيام فرصة للتخلص من تلك السموم، وأن الكميات الهائلة من الطعام عند الإفطار والسحور تؤثر على صحة الصائم، بالإضافة إلى أنها تثقل كاهل الموظف البسيط، الذي يلجأ إلى القروض لتغطية مصاريف رمضان.
وتبين من خلال تصريحات عدد من المواطنين، حول الأكل عند الإفطار، أن هناك عدة مواد يجري شراؤها وتحضيرها، غير أنها لا تؤكل بسبب كثرة المواد المحضرة لوجبة الفطور، ويجري تأجيلها ليوم آخر، فتحفظ في الثلاجة، لعرضها على المائدة في اليوم الموالي، غير أن إهمالها ونسيانها يحولها إلى الرمي مع الأزبال، ويعتبر هذا السلوك نوعا من التبذير، يتقاسمه عدد من المغاربة، خلال هذا الشهر.
وأفاد الزبير، موظف بالبريد، في تصريح لـ"المغربية" أن هناك من يجهل دور الصيام وما يوفره من راحة للجسم، ويحول مائدة الإفطار إلى مناسبة لتناول ألذ ما تحضره الزوجة في البيت، ليلتهم كل ما يعرض عند الإفطار، حتى تقف أنفاسه، ولا يترك مكان في معدته للماء أو المواد السائلة مثل الحليب، ليصب بالتخمة، وخير دليل على أضرار الإسراف في الأكل هو ارتفاع الإصابة بالأمراض الهضمية خلال هذا الشهر، ويمكن لأي فرد التأكد من صحة الأمر بالاتجاه إلى الصيدلية في الليل، ليجد أن أغلبية المواطنين يطلبون أدوية تساعد على الهضم.
وأضاف الزبير أنه يعرف أشخاصا ضيقوا على أنفسهم بالقروض، قبل رمضان، بهدف تلبية حاجيات البيت خلال الشهر، بالإضافة إلى قروضهم السابقة التي ساهمت في اقتتائهم الشقة، والتجهيزات المنزلية.
وأشار إلى أن الرجال يجهلون أن كثرة الوجبات التي يطالبون بتحضيرها تزيد من متاعب الزوجة، خصوصا العاملات والموظفات، اللواتي يتحولن إلى "طباخات" خلال رمضان، يقضون معظم الوقت في المطبخ لإرضاء رغبات الزوج والأبناء، وتتواصل عملية الأكل عندهم عدة مرات بعض الإفطار.
واشتكت الغالية من كثرة طلبات زوجها وأبنائها، خلال رمضان، إذ قالت لـ"المغربية" إن زوجها يتحول إلى "آلة للأكل"، لا يعرف معنى "الشبع" ولا "يقنع بما يحضر في البيت"، وقبل دخوله المنزل، يمر إلى المخبزة ليشتري أنواعا من الفطائر، والعجائن، والحلوى، بالإضافة إلى الخبز، رغم أنها تحضره بنفسها، ثم يتجه إلى الجزار، ليتشتري "الكبد" بهدف تحضير "نوع من الكباب، المحضر بالبصل والقزبر والمقدنوس"، وعند وصول باب المنزل ينادي الأبناء ليساعدوه على حمل الأكياس.
وينتفض الزوج في وجهها، حسب قولها، إذا ما وجهت له انتقادا حول تصرفاته، خصوصا عندما تقدم له نصائح بفوائد الصيام، وأضرار كثرة الأكل، ويقول لها "كانكول رزقي، أنا قادر على كولشي، ماشي مريض، واش نظل صايم ونموت بالجوع، واش الحريرة ماكلة، اللحم والدجاج والحوت كايعوضوا للي يضيعوا الجسم بنهار".
وأضافت أن هناك بعض الوجبات تتحول إلى سلة الأزبال، بسبب عدم تناولها، ويعد ذلك في نظرها إسراف وتبدير، بينما ينعتها الزوج بالبخل، كلما أصرت على عدم رمي الأكل، لأن ذلك يتنافي مع القيم والتقاليد المغربية، ويصر على أن "العين هي التي تأكل، وأن الإحساس بالشبع شعور نفسي، ويحب أن يرى كثرة الأطباق على المائدة".
ومن جهتها قالت مريم، ممرضة، لـ"المغربية" إنها لا تملك وقتا لتحضير ما تحتاجه مائدة الإفطار، فتشتري من السوق كل ما تحتاجه، خصوصا المسمن والحرشة والبغرير والبريوات، كما تقتني الحوت، الذي يفضل أبناءها تناولها عند الإفطار، غير أنها تصادف أحيانا أن الزوج والأبناء اشتهوا أكلا من نوع آخر، إذ يشتري الزوج "النقانق" كما يشتري الأبناء رقائق اللحم "بوفتيك" أو "الكوطليط"، وفواكه البحر، ليتحول المنزل إلى مطعم، كل من أفراده يطلب الطابق الذي يشتهيه، أو يدخل المطبخ ليحضر ما اشتراه.