يعتبر "الموقف" الساحة التي يقف بها المياومون والأجراء، من السباكين وعمال البناء، والحمالين والصباغين، الملاذ الذي تقصده يوميا هذه الفئة من المواطنين،التي تسمى "طالب معاشو"، بمعنى الراغب في الحصول على ما يسد به رمقه ورمق عائلته، أملا في الحصول على فرصة عمل
وتنتشر "المواقف" في مدينة الدارالبيضاء، وتتعدد حسب عدد الأحياء بها. وتحتوي كل منطقة على عدد من "المواقف"، حيث يجلس عدد من هؤلاء الرجال من أول ساعات اليوم الصباحية، أفرادا وجماعات، يضعون لوازم العمل أمامهم، ليتعرف عليهم الأشخاص، الذين هم في حاجة ليد عاملة تقوم بأعمال مؤقتة.
وقال عدد من عمال بعض "المواقف" الواقعة بأحياء درب السلطان، والحي المحمدي، وحي بوركون، ودرب القريعة بالعاصمة الاقتصادية، إنهم تعودوا على طريقة العمل هذه، ولا يمكنهم تغييرها، فنسبة مهمة منهم تعودت أن تشتغل لحسابها وحسب قدراتها ورغباتها ونوعية الطلبات التي يرغب فيها الزبناء، والتي يجب أن تتلاءم مع إمكانياتها المهنية والجسدية.
وذكر محمود (ص.ب.)، (52 سنة) بناء مختصص في الزليج، أنه في بداية حياته المهنية، كان يشتغل مع مقاولين كبار، وأمضى معظم أيام حياته في المساهمة في تشييد العديد من عمارات وبنايات المدينة، بل إنه أحيانا كثيرة ينتقل إلى مدن أخرى مجاورة حسب ظروف العمل، إلا أنه بعد سنوات عدة من التعب والجهد والتفاني في العمل، وجد نفسه لا يجني المال الكثير والاستجابة لمتطلبات أسرته المتكونة من زوجته وأبنائه الأربعة، إضافة إلى أنه، رغم تجربته الكبيرة ومهارته في البناء، خاصة الزليج، لدرجة أن بعض زملائه في العمل أضحوا يلقبونه بـ "الزلايجي الماهر"، لم يتمكن من الحصول على الوثائق الرسمية التي تضمن له معاشا مناسبا عند بلوغه سن التقاعد، ولا يتوفر كذلك على التغطية الصحية، ناهيك عن الأجر الزهيد الذي لم يتغير منذ زمن طويل.
وأضاف محمود في تصريحه لـ "المغربية"، أنه أمام هذا الوضع المزري، ارتأى أن يتخلى عن العمل في المقاولة، التي قضى مع صاحبها أكثر من 20 سنة، واختار الجلوس في "الموقف" طلبا في العمل حسب رغبة الزبناء اليومية، مشيرا إلى أنه منذ اختياره طريقة العمل هذه وجلوسه في "الموقف" لم تخب آماله ولم يجد نفسه عاطلا عن العمل لمدة طويلة، بل إن هناك فترات يتمكن فيها من تغطية كل حاجياته الأسرية من أكل وملبس ومسكن، وأكثر من ذلك، فإنه استطاع أن يوفر بعض المال أمكنه من اقتناء شقة في السكن الاقتصادي.
وعبر محمود في التصريح نفسه أنه مرتاح كثيرا لطريقة عمله الحالية، وأنه لم يعد يعاني كثرة ضغوط رؤسائه في العمل، إذ كان لا يتمكن من أخذ ولو قسط قصير من الراحة، ولو توقفت أنفاسه وكاد ينهار من شدة التعب، موضحا أن قضاء الوقت في انتظار الزبناء وتبادل الحديث مع باقي العمال المياومين من زملائه في المكان يمكنه قتل الملل والتخفيف من عبء تعقيدات الحياة اليومية، بالإضافة إلى المرح والتسلية.
في جولة لـ "المغربية" عبر بعض "المواقف" المذكورة، حيث يجلس عدد من الرجال، تتراوح أعمار معظمهم ما بين 40 و56 سنة أو أكثر، إذ من بينهم متقاعدون فضلوا، بعد حصولهم على التقاعد من عملهم في شركات خاصة أو مؤسسات عمومية، الاستمرار في العمل، عوض قضاء الوقت في الجلوس في باحات الشوارع ولعب الورق. ومن النادر أن تجد من بينهم شبابا في سن صغيرة، لأن هذه الفئة تفضل العمل في الشركات، خصوصا أن معظمها حصل على شهادات تكوين مهنية، تخول لها العمل بصفة رسمية والحصول على الوثائق الرسمية، والانخراط في الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية، وغيرها من الخدمات التي أضحت ضرورية.
تبدو وجوه أغلب الذين صادفتهم "المغربية" واجمة، يترقب معظمهم مناداة أحد المارة لطلب خدمة وضمان لقمة عيش، كما يظهر على محيا بعضهم شيء من اليأس، نظرا لطول فترة الانتظار وترقب فرصة عمل، وأيضا بسبب عدم الحصول على ما يكسر به الروتين اليومي، خصوصا في فترات عصيبة يقل فيها الطلب على خدمات "المياومين".
هذا ما أكده عمر البلومبي (رصاص)، (56 سنة)، "طالب معاشو"، تعود الجلوس بموقف قرب حي القريعة، منذ أكثر من 15 سنة، إذ قال إن أحوال حياتهم في "الموقف" رهينة حسب المواسم والفصول، مشيرا إلى أن أفضل فترات العمل تكون خلال فصل الصيف، حيث يكثر الطلب ويتوافد الزبناء على المكان طلبا في خدمات المياومين، ممن يترددون على موقف حي القريعة، مضيفا أنه في فترة الصيف يقدم عدد كبير من الناس على ترميم وإصلاح منازلهم وشققهم، فيأتون لطلب مساعدة رجال "الموقف".
وأضاف عمر أنه يفضل قضاءها في العمل، وعدم مرافقة أسرته في سفرها لقضاء أيام من العطلة بين الأهل والأحباب في مدينة الجديدة، لأن ما يكسبه خلالها يمكنه من تغطية بعض مصاريف باقي أيام السنة، التي يقل فيها الطلب لخدمات مياومي الموقف.
وذكر أنه يفضل مكان "الموقف"، الذي يقضي فيه يومه في انتظار زبون مفترض لأنه يعج بالحركة والنشاط ويكثر فيه الطلب، فحي القريعة معروف في الدار البيضاء بكثرة حركته ولجوء عامة سكان المدينة إليه لاقتناء مستلزمات البناء والسباكة والنجارة، بالإضافة إلى أنه يمنحه امتيازات أخرى تتمثل في قربه من مقر سكناه، فالموقف يقع على بعد خطوات من منزله.
وذكر أحد المياومين في موقف "بوركون" أن معظم المترددين على المكان من العمال يحصلون على فرصة عمل تمكنهم من كسب قوتهم اليومي، دون عناء أو تعب كثير، ودون أن تمارس عليهم ضغوطات من أي نوع، إلا فئة من الشباب الذين لا يتوفرون على حرفة، وليس لديهم تكوين مهني، لأنهم يتعبون في كسب يومهم، إذ يعملون في حمل أكياس الإسمنت، أو هدم جزء من بناية تحتاج إلى إصلاح، أو نقل أثاث منزل أسرة ترغب في الرحيل من مكان إلى آخر، يصعدون الطوابق العليا من عمارة أو مبنى، يحملون على أكتافهم أثقالا تزن أحيانا أكثر من مائة كيلوغراما.
أفاد علي (36 سنة)، أحد الحمالة من مياومي "موقف بوركون"، أنه تعود الجلوس في هذا المكان، خصوصا بالقرب من بائع مواد البناء، لأن الزبناء غالبا ما يحتاجون إلى من يحمل عنهم السلع، بل إنه كثيرا ما يصطحب الزبون إلى حيث يقطن لمساعدته في حمل الأكياس إلى شقته.
وأضاف علي قائلا "ظروف الحياة صعبة، وفرص العمل قليلة، إن لم نقل منعدمة، لذلك اضطررت لمزاولة هذا النوع من العمل لكسب قوت يومي والاستجابة لمتطلبات أسرتي الصغيرة المتكونة من زوجة وطفلتين، زينب وبشرى، 8 و5 سنوات"، مشيرا إلى أنه أمام الغلاء وارتفاع أسعار أهم مواد الاستهلاك، يبدو البحث عن قوت اليوم، مثل النبش في الصخر، لذلك نرى أنفسنا مضطرين لتحمل كثرة الانتظار والعيش المؤقت، واستشعار الإحساس بالخوف من المستقبل، ومحاولة التغلب على ظروف العيش القاسية عن طريق التحلي بالشجاعة والعزيمة والصبر على الشدائد.
من جهته، أكد حميد (بناء) (45 سنة)، أن العمل لا يتوفر بصفة مستمرة ودائمة، بل تحل فترات طويلة لا يشتغل فيها، ويبقى ينتظر الزبون الملائم والحصول على فرصة عمل مدة من الزمن، خصوصا في فصل الشتاء، موضحا أن الأحوال تتحسن خصوصا خلال فصلي الربيع والصيف، حين يكثر طلب الزبناء وتتوالى فرص العمل.
وقال إن طبيعة عمله التي تشمل جميع مجالات البناء، فهو يعمل في الحفر والهدم، وإصلاح قنوات الصرف الصحي. وباختصار، فهو يعمل كل ما يجده، تمكنه من الاستفادة المادية لأنه لا يحتاج إلى مساعد له يقاسمه ما يكسبه من مال، موضحا أنه يتقاضى عن عمله اليومي ما بين 100 و150 درهما، ويمكن أن يزيد عن ذلك حسب طبيعة العمل المطلوب منه إنجازه.
وأشار إلى أن طبيعة المهنة التي يزاولها، تفرض عدم النظام في "الموقف"، الذي يتردد عليه، بل إنه يؤكد أن الأمر يمكن تعميمه على كل "المواقف" الموجودة بالمدينة، نظرا لوجود عدد هائل من البنائين، إذ ما إن يظهر زبون حتى يجتمعون حوله، والأقوى يفوز بالفرصة ويمضي مع الزبون من أجل العمل.
وقال إنه رغم الظروف القاسية، إلا أن متطلبات الحياة اليومية، تفرض عليه القدوم يوميا إلى "الموقف"، مثله في ذلك مثل كل المياومين، الذين يأملون في الحصول على زبون، وبالتالي على بعض المال للتمكن من العيش الكريم.