أكد محلل اقتصادي، أن احتواء ظاهرة القطاع غير المهيكل، يتطلب من الجهات الوصية مجهودات كبيرة، نظرا لاتساع رقعة هذا القطاع وللإمكانيات المادية اللازمة.
مشيرا إلى أن السلطات العمومية المغربية ومثل غيرها في العديد من البلدان خصوصا منها السائرة في طريق النمو، تقف حائرة أمام ظاهرة الانتشار الواسع للأنشطة الاقتصادية غير المهيكلة.
وأضاف، أنه إذا كان واضحا أن هذا الجزء "الخفي" أو "الموازي" من الاقتصاد لا يساهم في تزويد خزينة الدولة بنصيبه من الضرائب، وبالتالي من الموارد المالية اللازمة لتسيير دواليب الدولة وأنه يمارس منافسة لا مشروعة للأنشطة المهيكلة واستغلالا مفرطا لقوة العمل، وأنه في بعض الحالات يترامى على الملك العمومي، فإنه في الوقت نفسه يوفر العمل ولقمة العيش لفئات عريضة من المجتمع، ويساهم بشكل فعال في تنشيط الدينامكية الاقتصادية العامة لهذه البلدان.
وأمام هذا التناقض بين السلبيات والايجابيات المترتبة عن انتشار هذا القطاع، في ظل عجز الهياكل الاقتصادية المنظمة، عن تحقيق نمو كاف يوفر الشغل والدخل الملائمين لحاجيات السكان، بدا التعامل مع هذا القطاع يتميز بوضوح الرؤيا في ظل استراتيجية واضحة المعالم لمعالجة الإشكالات المرتبطة بهذه الأنشطة.
وارتباطا بهذا الموضوع، يبدو أن برنامج عمل الحكومة في مجال تنمية وعصرنة قطاع التجارة والتوزيع, المنبثق عن الدراسة الإستراتيجية " رواج رؤية2020 " التي جرى تقديم نتائجها منذ سنة، من شأنه دعم التوجهات الحالية، وبالتالي إخراج هذه الإشكالية من عنق الزجاجة.
ويعتبر برنامج العمل المخصص لبرنامج " رواج"، كما وصفه عباس الفاسي، الوزير الأول، تجسيدا على أرض الواقع, للأوراش المهمة التي ستشتغل عليها الحكومة , خلال الخمس السنوات المقبلة , في مجال التجارة والتوزيع والتي تعتبر مشاريع طموحة وإرادية ذات أهداف مرقمة تتوخى النهوض بهذا القطاع الحيوي.
وتفيد المعطيات المتوفرة، أنه جرى وضع مخططات ترتكز بالأساس على مقاربة شمولية, تمكن من إيجاد حلول عملية لأهم معضلات القطاع, من أجل الرفع من تنافسيته خدمة للمستهلك واستجابة لمتطلباته. إذ جرى تحديد هذه المخططات, بالاعتماد على المؤهلات التي توفرها السياسات القطاعية الأخرى، مثل المخطط الأزرق للسياحة, ورؤية 2015 للصناعة التقليدية, والمخطط الأخضر للفلاحة, وبرنامج الإقلاع الصناعي, إضافة إلى ما يوفره المغرب من إمكانيات تجعل منه وجهة تجارية بامتياز.
وكان عباس الفاسي أشار في لقاء حول هذا الموضوع، إلى أن الحكومة تطمح من خلال برنامج "رواج" إلى تطوير وعصرنة ودعم قطاع التجارة والتوزيع, الذي يساهم بـ 11 بالمائة في الناتج الداخلي الخام ويشغل أكثر من مليون و200 ألف شخص, وذلك بهدف مضاعفة الناتج الداخلي الخام الحالي ثلاث مرات, والرفع من مساهمة القيمة المضافة للقطاع من 68.5 مليار درهم برسم سنة 2007 إلى 98 مليار درهم في أفق سنة 2012, وإحداث أكثر من 200 ألف منصب شغل جديد.
وركز الوزير الأول على اهتمام الحكومة بالفاعلين والمتدخلين في القطاع، وإعطاء الأولوية لتجارة القرب لتحسين تنافستيها وإعادة بنياتها وعصرنة طرق تسييرها وتحسين الوضعية الاجتماعية للمتدخلين في القطاع، عبر عروض للتغطية الصحية والولوج إلى السكن والقروض البنكية .
كما تتطرق المنظومة الإصلاحية للقطاع، إلى الجهود الرامية لتحسين شروط الممارسة التجارية، المتجلية في إصلاحات النظام الضريبي وتحسين المناخ الجنائي، من خلال تعديل القانون المنظم للجبايات المحلية وإصدار القانون المنظم للمحاسبة الجد مبسطة، وتسهيل المساطر الإدارية ودعم التكوين بواسطة برامج ملائمة في تقنيات التدبير والتجارة.
ولابد من التذكير في هذا السياق، بالاتفاقية الموقعة في11 يونيو الماضي، المتعلقة بإحداث صندوق لدعم عصرنة وتطوير قطاع التجارة والتوزيع، الذي عبأت له الحكومة الإمكانيات المادية الضرورية التي تصل إلى 900 مليون درهم للفترة 2008 – 2012، خصص منها مبلغ100 مليون درهم في إطار القانون المالي 2008.
والهدف من إحداث هذا الصندوق هو تمويل ودعم تجارة القرب، وتنظيم الفضاءات التجارية, وعصرنة الأسواق العمومية، وتهييء أماكن تثبيت الباعة المتجولين، والمساهمة في إنجاز مخططات جهوية لتطوير القطاع، وحث التجار على تبني أساليب حديثة للتسيير والانضمام إلى الشبكات التجارية, إضافة إلى دعم تنمية المقاولات التجارية الوطنية الرائدة، بتمكينها من توسيع شبكات توزيعها على المستوى الوطني والدولي، علما أنها تتوفر على مؤهلات للنمو وعلى منظومة تجارية مغربية وخبرة في مجال التوزيع.
ووقعت اتفاقيتان برئاسة الوزير الأول عباس الفاسي, يونيو الماضي بالدار البيضاء, على هامش أشغال الدورة السابعة للمنتدى الوطني للتجارة والتوزيع التي انعقدت تحت شعار " المغرب فضاء للتسوق , عرض متميز ومتجدد"، تهم الأولى التعمير التجاري، وتهدف إلى وضع الأسس التنظيمية والتقنية، المتعلقة بتخطيط وإنجاز البنيات التحتية المخصصة للانشطة الصناعية والتجارية، وكذا عمليات إعادة تأهيل المناطق الصناعية والتجارية.
والاتفاقية الثانية تخص إعداد مخطط مديري لأسواق الجملة للخضر والفواكه، وهي تروم إعداد مخطط توجيهي لإعادة توزيع وتأهيل أسواق الجملة للخضر والفواكه، بما يمكن من تطوير خدمات ذات قيمة مضافة بالنسبة للتجار والتقليص من عدد الوسطاء، لما له من أثر إيجابي على أسعار البيع بالنسبة للمستهلك.
وناقشت المناظرة الأولى لغرف التجارة والصناعة والخدمات في ماي الماضي, زيادة على مسائل تهم القطاعات الثلاثة, الوضع الذي آل إليه قطاع التجارة الداخلية, على ضوء شروع السلطات في المدن الكبرى, مثل الدار البيضاء, على الخصوص, في وضع ترتيبات تهدف, حسب السلطات, إلى تأهيل التجارة غير المنظمة, وتمكين ما يعرف بـ "تجار الرصيف" من سبل "لممارسة أنشطتهم التجارية في ظروف مريحة".
وكانت وزارة التجارة والصناعة وضعت قبل 4 سنوات, في إطار شراكة مع السلطات المحلية والجمعيات المهنية, مخططا كان يستهدف أكثر من 20 ألف تاجر غير منظمين, في 26 ألف عمالة وإقليم, من خلال برنامج يسمى "برنامج تثبيت التجار المتجولين"، لكن تجربة ثلاث سنوات, وما رافقها من مشاكل ترتبط باللوائح وتدني الرواج التجاري, أدت إلى تراجع الإقبال على التجربة, لتعوضها مقاربة جديدة أطلق عليها اسم "رواج: رؤية 2020".
وحسب وزارة التجارة تركز خطة 2020 على الفاعلين التجاريين الأربعة, ممثلين في التوزيع الكبير والمتوسط, والتجارة المستقلة, والتجارة من خلال الشبكات واستغلال العلامات التجارية, إضافة إلى الفضاءات العمومية للتجارة, التي تقع تحت مسؤولية الجماعات, مثل أسواق الجملة ومجازر وأسواق السمك.
وحدد البرنامج المخططات الأفقية والقطاعية, وتهم الأولى تعزيز جاذبية العرض التجاري, وتحسين مناخ عمل الفاعلين التجاريين, في حين تتعلق المخططات القطاعية الخاصة, بتجارة القرب والتوزيع الكبير والمتوسط وأسواق الجملة. وتراهن السلطات على أن يخلق البرنامج 450 ألف منصب شغل, في أفق 2020.
يذكر أن قطاع التجارة الداخلية يستقطب 20 في المائة من السكان النشطين، ويساهم في الناتج الداخلي الخام بأكثر من 13 في المائة, في وقت يوفر قيمة مضافة قدرها 22 مليار درهم. وبلغت الاستثمارات الخارجية في القطاع أكثر من 600 مليون درهم. وتشغل مليونا و247 ألف شخص, من خلال 761 ألف نقطة بيع.
وفي مقابل هذه الأرقام الكمية تظهر أرقام ذات انعكاس سلبي على العاملين في القطاع, وفي هذا الصدد، تسجل تنظيمات المهنيين أن التجار الصغار والمتوسطين, وقطاع التجارة الداخلية عموما, يعانون منافسة غير متكافئة, تحت ضغط مشاكل وإكراهات, من قبيل العبء الضريبي وكثرة الجبايات والرسوم وتكاليف الماء والكهرباء. وتدعو إلى إعادة الاعتبار للتاجر الصغير, وتمكينه من وسائل ممارسة المهنية في ظروف جيدة.
شرعت سلطات الدار البيضاءأخيرا, في محاولة تنفيذ مخطط لتنظيم التجارة, خصوصا في عمالة درب السلطان, حيث أضحت ظاهرة الباعة المتجولين وتجارة الرصيف, على امتداد شارع محمد السادس, تقلق مختلف الأطراف. وشرعت السلطات ذاتها في إخلاء الشارع والمنافذ المتفرعة عنه, من الباعة غير المنظمين, والسماح لهم, مؤقتا, بعرض منتوجاتهم في أوقات معينة, إلى حين إيجاد تسوية نهائية للظاهرة.
وكان عدد الباعة المتجولين في الدار البيضاء الكبرى، بلغ 128 ألفا و572 شخصا. واستنادا إلى دراسة أنجزتها المديرية الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط بالدار البيضاء, أخيرا, يعادل عدد الباعة المتجولين في الجهة 10 في المائة من مجموع السكان النشطين, في حين يوجد 13 ألفا و310 بائعين متجولين في عمالة مقاطعات الفداء مرس السلطان وحدها, أي حوالي نصف عدد الباعة المتجولين في الجهة.
وحسب الدراسة, جرى تحديد 30 نقطة بيع موزعة على مختلف تراب عمالة درب السلطان الفداء, وتبين أن عدد الباعة المتجولين يبلغ ذروته يوم الأحد بأكثر من 11 ألفا و 235 بائعا متجولا. وأشارت إلى أن المعدل اليومي للباعة المتجولين يقدر بـ 7700 بائع.
أما الرأسمال المروج فلا يتجاوز متوسطه 3 آلاف درهم, إذ يقل عن ألف درهم لدى 45 في المائة, وعن 500 درهم لدى 22 في المائة, ويتداول 18 في المائة منهم رأسمالا يفوق أربعة آلاف درهم.
وحصرت انعكاسات ظاهرة البيع غير المنظم بشكل خاص في المنافسة غير الشريفة للقطاع غير المنظم, وحرمان الدولة والجماعات المحلية من مداخيل مهمة, وترويج مواد غذائية فاسدة, ومأكولات غير صحية, وسلع غير مراقبة, إضافة إلى أن المجال يعتبر "ميدانا خصبا للرشوة والزبونية".