مغارة للاعائشة بسيدي عبد الرحمان ملجأ الباحثات عن النصف الآخر

الثلاثاء 19 غشت 2008 - 20:50

في الطريق إلى سيدي عبد الرحمن تصادف رجالا ونساء يركضون لتخفيض الوزن أو الحفاظ على رشاقتهم.

فتيات وفتيان ينعمون بزرقة البحر ونسيمه، على طول الكورنيش، يرتدون آخر صيحات الموضة، ومنهم من أخذ مكانه على أرصفة المقاهي، وقبل الوصول على بعد عشرات الأمتار، تودع عالم البنايات الفخمة والمقاهي و فنادق خمس نجوم والمطاعم، المشيدة على الطريقة الغربية، لتستقبل تدريجيا عالم البداوة، قبل أن تصل إلى الضريح الذي تلاطمه المياه.

صادفت زيارتنا لهذا الضريح، الذي يحكي الناس حوله قصصا كثيرة، خاصة كرم هذا الولي الصالح سيدي عبد الرحمن الجمار أو مول المزمار، على المتبركين والمهمومين, فترة الجزر، ما سهل وصولنا إلى الضريح دون حاجة لركوب وسيلة نقل تقليدية، "شومبرير"، ابتدعها شباب من المنطقة، ينقلون عبرها زوار الضريح، أثناء فترة المد، مقابل خمسة دراهم للفرد.

يتعالى ضريح سيدي عبد الرحمن مول المزمار فوق كتلة صخرية ضخمة، على شكل جزيرة، وقف الضريح عليها صامدا أمام أمواج شاطئ عين الذئاب صيفا وشتاء، منذ القرن السادس الهجري.

إلى جانب الضريح على الجزيرة نفسها، شيدت بيوت بيضاء صغيرة الحجم، اتخذتها عرافات "شوافات" مقرا لهن لاستمالة الزوار الراغبين في التبرك فقط من بركات الولي الصالح، قبل أن يستقطبنهم ويصبح اسم بعضهن أشهر من اسم الولي الصالح، فالحاجة "الحمدوشية"، عجوز غطت التجاعيد وجهها الأسمر, بارعة في ميدان قراءة الحظ والطالع، وكأنها حازت على شهادة عليا في قراءة الكف, زبائنها من النساء يجئن من كل صوب وحدب، كل واحدة محملة بهموم أو تتطلع لمستقبل أو راغبة في فك سحر، "كل واحدة حسب رغبتها أو أمنيتها" تقول إحدى الزبونات، التي اعتادت قراءة حظها عند الحاجة "الحمدوشية"، "تبارك الله عليها كتقول هذاك الشي لي كاين، غير ديري النية أوتشوفي", بينما انهمكت نساء أخريات في تسجيل عناوينهن "للحاجة"، والتوسل لزيارتهن في سكناهن وهذا بالطبع مقابل مقدار مالي محترم. أما البيوت الأخرى وهي أصغر حجما من بيوت "الشوافات" فتستعمل لبيع "التفوسيخة" و"اللدون"، وأشياء مخصصة لممارسة طقوس الشعوذة والسحر، كحرفة إضافية لمزيد من الربح.

سكون رهيب وقبة مهملة تلاطمها الأمواج

ظلمة حالكة, قطرات الشموع في كل مكان, أرضية متسخة, سكون رهيب يسود الفضاء, حيث لا تسمع إلا صوت الأمواج التي تتلاطم على الصخور الحاملة للضريح، الذي يستشعرك دخوله للوهلة الأولى رهبة خاصة, نساء أنيقات، وفتيات في عمر الزهور, والأغرب من هذا حضور الرجال، إذ يقول البشير، حفيظ الضريح، "لا تقتصر الزيارة على النساء فقط، بل أصبح الرجال أيضا يقومون بزيارة الضريح بشكل متتالي".

عند القبة الخضراء، حيث دفن جثمان "عبد الرحمن الجمار"، لأكثر من ثمانية قرون, تجلس امرأتان، تبدو على مظهرهما علامات الفقر والبؤس، إحداهما تقوم بوضع القليل من الحناء في أيدي كل زائر يدخل الضريح، مقابل درهم فقط, والأخرى تعيد بيع الشموع، التي يعاد فيها البيع لأكثر من مرة.

مغارة للاعائشة ملاذ لنساء فاتهن ركب قطار الزواج

وما أن تصل إلى أعلى قمة بالضريح تجد مغارة تدعى مغارة للاعائشة، عبارة عن حفرة صغيرة الحجم، لا يتجاوز طولها مترا ونصفا, تلجأ إليها الفتيات اللواتي فاتهن قطار الزواج، ظنا منهن أنهن "متخطيات سحرا، أو معمول لهن عمل", يلجأن إلى هذه المغارة لعلها تبطل مفعول السحر الذي لحقهن, وتحل "العكس" الذي أصابهن, أو بالأحرى ترزقهن أزواجا صالحين.

وقربان المعارة بخس الثمن، إذ طلب الزوج الصالح، يساوي قربانا من الحليب، وماء الزهر، و الثمر، والقيام ببعض الطقوس المتوارثة، مشط الشعر عند حافة المغارة, تقول "س. م." سيدة في الأربعين من عمرها, ذات مستوى ثقافي لا بأس به, إننا "نقطن بمدينة وجدة، ونتحمل عبء السفر، من أجل زيارة الولي الصالح والتبرك بسيدي عبد الرحمن"، مؤكدة أن "زيارته لها آثار إيجابية، بدليل زوجة أخيها التي تشتغل في ميدان التدريس سبق أن ذاقت مرارة العقم، لأكثر من تسع سنوات" موضحة أنها "بعد زيارتها الضريح بأسابيع قليلة تعافت" أو "حل حزامها"، على حد تعبيرها، "ورزقها الله بابن سمته سيدي عبد الرحمن".

وفي الوقت الذي يلجاْ فيه العديد من المغاربة من مختلف الطبقات الاجتماعية، والفئات العمرية، للتبرك بأضرحة الأولياء والتقرب منهم حتى تغسل قلوبهم من الهموم وتحل عقدهم النفسية والاجتماعية والعاطفية والجنسية أيضا، وسيدي عبد الرحمن مول المزمار واحد منهم، يرى آخرون أن زيارة الأضرحة مجرد خرافة تقول فتيحة، موظفة بإحدى المؤسسات العمومية "أنا ضد هذه الأفكار الهدامة، خاصة أنها مع الأسف سلبت عقول بعض المثقفين، لأن التقرب لله وحده ولا دخل للأولياء الصالحين".

هذا هو ضريح سيدي عبد الرحمن الجمار أو مول المزمار، الذي ترقد قبته الخضراء في أعلى نقطة بالجزيرة، التي تحتضنها أمواج عين الدئاب، والتي وجدها الحالمون فضاء خاصا للتأمل، والتمعن في الصخور، التي تشكل لوحة فنية فاتنة، لا يعرف قيمتها إلا المولعون بالطبيعة، في حين وجدها آخرون دواء لدائهم ومكانا للتخلص من همومهم ومشاكلهم.




تابعونا على فيسبوك