معركة بلا هوادة ضد الموت في قاع البحر

السبت 09 غشت 2008 - 10:41

لم يجد عدد من المناضلين، نقابيين وحقوقيين وجمعويين، أداة لمواجهة ظاهرة قوارب الموت التي ابتليت بها بلادنا منذ بداية التسعينات.

أفضل من إنشاء جمعية أرادوها بمثابة قوارب للحياة، تهتم بتوعية وتحسيس شباب يرى في الضفة الأخرى البديل الأفضل للعيش الرغيد.

وهكذا، تأسست جمعية قوارب الحياة للثقافة والتنمية بشمال المغرب "في ظروف أخذت فيها سياسة الهجرة، على المستوى الأوروبي، بعدا آخر يتعلق بفرض التأشيرة على المغرب، بداية التسعينات، بحيث طرحت مشاكل العبور التي كانت تتم سابقا، بحرية، وهي المشاكل التي أفرزت ظاهرة "قوارب الموت" من المغرب إلى اسبانيا عبر مضيق جبل طارق" يقول محمد بالكا، الكاتب العام للجمعية، الذي يعتبر أن هذه المبادرة تأتي في وقت يحتم التفكير، بشكل معمق، في آليات "تفتح آفاق أمام الشباب المغربي للمساهمة في التغيير وتطوير الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتحويل اليأس إلى أمل".

فعاليات حقوقية وجمعوية ونسائية جعلت شعارها "إن الهجرة ليست هي الوسيلة الأفضل لعيش أحسن، بل النضال من أجل تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي هو البديل للوصول إلى حياة كريمة".
وتتخذ جمعية قوارب الحياة وسيلتين للعمل: الأولى، ثقافية تعتمد على تنظيم عدد من المحاضرات، وتوعية تقوم على الحملات التحسيسية داخل البوادي، والعمل داخل الثانويات، ثم مع الجمعيات ذات الأهداف المشتركة.
وفي هذا السياق، نظمت الجمعية حملة تحسيسية، سنة 2003، في جميع بوادي إقليم العرائش، بتنسيق مع جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان بالأندلس. وهي الحملة التي دامت ثلاثة أشهر، من فاتح يونيو إلى 30 غشت، واستهدفت الشباب بالأساس.
البرنامج كان عبارة عن إقامة خيمات في الأسواق الأسبوعية التي تحتضنها بوادي إقليم العرائش، ثم إعداد استمارة لطرح الأسئلة على الشباب حول دوافع التفكير في الهجرة، ما هي البدائل في نظرهم، وما هي المشاكل المطروحة في البادية المغربية... كما تضمن البرنامج عروض لأشرطة وثائقية تبين الطرق اللاإنسانية والمزرية، التي يعيشها المهاجر المغربي، خاصة في حقول ألميرية ومورسيا وبويلبا.
يقول بالغا عن المشروع: "استهدفت هذه الحملة حوالي 15 دوارا، استجوبنا فيها حوالي 500 مواطن شاب، فكانت النتيجة أن 63 في المائة من المستجوبين، لهم استعداد للقيام بمحاولة للهجرة إلى اسبانيا، مرد ذلك إلى انعدام إمكانيات العيش ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، خاصة أن هناك غياب وسائل التأطير في البادية المغربية. كما وجدنا شباب أبهرتهم تجربة بعض الأقارب الذين هاجروا من قبل، وعادوا ميسوري الحال بسياراتهم الفارهة ، بيد أن الحقيقة ليست كما يتصور هؤلاء الشباب، هناك نظرة مغلوطة، جهدنا خلال هذه الحملة لتصحيحها"
وفي يونيو 2005، نظمت "قوارب الحياة" حملتها الثانية، لمدة شهرين، بتنسيق مع جمعية أطاك المغرب، وجمعية الدفاع عن حقوق الإنسان بالأندلس. "هنا كان التركيز على بوادي إقليم بني ملال، باعتباره ينتمي إلى "مثلث الموت"، الذي تمثله مدن بني ملال، والفقيه بن صالح، وخريبكة التي ذهب عدد من أبنائها ضحية الهجرة غير الشرعية في مضيق جبل طارق" يقول الكاتب العام.
هذا العمل التحسيسي، مهما بدا في نظر أعضاء الجمعية، مهما وله تأثيراته الإيجابية على الشباب، فهو يبقى غير كاف، ويحتاج إلى دعم ببرامج سياسية واقتصادية في العالم القروي تملأ فراغ الشباب، وتخرجه من العزلة وتجنبه الانحراف والإقصاء.
" لقد اكتشفنا أن هذا هو ما يمكن أن يثني الشباب على عزمهم خوض تجربة امتطاء قوارب الموت".
جمعية قوارب الحياة تخوض أيضا مواقف نضالية، حين يشتد تضييق الخناق على المهاجرين، سواء المغاربة أو الأفارقة الذين يجعلون من المغرب جسر عبور. وهكذا، قامت بعدة مبادرات احتجاجية، أمام البرلمان، سنة 2005 ، حين صدت السلطات بالقوة محاولة اقتحام الأفارقة للحدود المغربية الإسبانية. كما تنظم، كشكل آخر للنضال، لقاءات دولية حول الهجرة وحقوق الطفل، خاصة في إطار شبكة جمعيات الشمال بالمغرب مع جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان بالأندلس، مثل اللقاء الذي عقدته بالحسيمة، سنة 2007، حول هجرة الأطفال القاصرين "وهو لقاء جمع بين جمعيات اسبانية ومغربية، وتناول الظاهرة في العمق للخروج بخلاصة مفادها أنه يجب على المغرب رفض لعب دور الدركي، وتبني مقاربة ديمقراطية تنموية حقيقية في دول الجنوب، ودعم مشاريع الديمقراطية الحقيقية في دول افريقيا، لأننا نعتبر أن إفريقيا الغنية بمواردها الطبيعية تحتاج إلى ديمقراطية حقيقية تبعد عنها مطامع نهب خيراتها وتركها عرضة للجوع والصراعات القبلية" يوضح بالكا.
لا تستثني جمعية قوارب الحياة الطفل من اهتماماتها، إن لم نقل إنه يشكل قلقا كبيرا بالنسبة إليها، خصوصا حين يكون الوسط الأسري سببا رئيسيا في جعله يجتاز عرض البحر، رغم المخاطر. ويؤكد بالكا، في هذا السياق، على أن الفقر المدقع الذي تعيشه بعض الأسر، هو الذي يجعل من هذه الأخيرة مشجعا لأطفالها على الهجرة ما يتطلب بالفعل "ضرورة استشارة الطفل القاصر قبل ترحيله لأن إعادته للمغرب، يعني لنفس ظروف الفقر والعوز، هو جناية جديدة عليه".
بالكا ذكر، في هذا السياق، بمشروع إنشاء مجموعة من المراكز، مع مندوبية التعاون الوطني بطنجة، لإيواء القاصرين وإعادة إدماجهم في المجتمع، وهي مراكز بكل من ملوسة والقصر الصغير، والقصر الكبير، والعرائش. "لكن نحن، كمسؤولين في جمعية قوارب الحياة، نقول إنها مشاريع مآلها الفشل، مادامت الأسرة كنواة حقيقية لتربية الطفل لا تلعب دورها وتعتبر بالنسبة للعديد من الحالات الطرف المشجع له".
وتسجل الجمعية بإيجابية شجاعة إحدى المحاكم الإسبانية في برشلونة، التي حكمت في وقت سابق، لصالح توقيف قرار ترحيل قاصرين مغربيين، وذلك لعدم وجود تقرير واضح حول مآلهما لدى عودتهما للمغرب.
ونظمت الجمعية، في الفترة ما بين 17 و27 يوليوز، المخيم الدولي الثاني للهجرة والشباب، وهو عبارة عن برنامج ضم 10 أيام من البرامج والأنشطة والمحاضرات والورشات في مجالات الموسيقى والثقافة، تعرف فيها حوالي 30 من الشباب الإسباني المشارك، على ثقافة المغرب وعلى مؤهلات شبابه ويصحح صورة المغرب لدى الأجنبي.
وتنظم الجمعية، خلال شهر نوفمبر المقبل، اللقاء الثالث للجمعيات النسائية بشمال المغرب والأندلس بالعرائش، والذي سيناقش مجموعة من القضايا الخاصة بالمرأة مثل مقاربة النوع وإشكاليات التنمية، ووضعية المرأة المغربية المهاجرة بإسبانيا، وغيرها ...
موارد الجمعية محدودة، إذ لا تتعدى انخراطات الأعضاء، وتمويل بعض أنشطتها من قبل الجمعيات الإسبانية الشريكة معها في برنامج ما." لأننا نريد الحصول على الدعم من دولتنا في المقام الأول، التي نعتبر دورنا مكملا لمشاريعها، في مجال التحسيس والتوعية، ومادمنا نتبنى برامج تنسجم مع توجهاتنا ومبادئنا داخل هذا البلد".
ومع ذلك، تواصل "قوارب الحياة" مخر عباب ظاهرة الهجرة وسبر أغوار مسبباتها التي جعلت أبناء هذا البلد أكثر القرابين التي تقدم لحيتان البحر، على "باتيرات" ليست من ذهب.

محمد بالكا

محمد بالكا: "63 في المائة من شباب البوادي في شمال المغرب، مستعدون للهجرة إلى إسبانيا، وشباب أبهرتهم تجربة بعض الأقارب الذين هاجروا، وعادوا بسيارات فارهة، بيد أن الحقيقة ليست كما يتصور هؤلاء الشباب وأن هناك نظرة مغلوطة، نجهد لتصحيحها"




تابعونا على فيسبوك