وأنت تطل عبر موقع غوغل مابس (Google maps)، على ساحة القريعة، تبدو إليك حديقة خضراء، كان الآباء يصطحبون أطفالهم في العطلة الأسبوعية للجري واللعب فيها.
إلا أنه، إذا ذهبت إليها اليوم، فإنك تجدها وصلت إلى حالة مزرية، جراء سوء استعمالها من طرف عدد من المواطنين، الذين لا يحترمون النباتات ولا يحافظون على جمالياتها، لدرجة أصبحت معها الحديقة بدون عشب، وكل جنباتها امتلأت بشتى أنواع الحيوانات، بما فيها القطط، والكلاب، والطيور، والزواحف، والأسماك، التي نظرا لكثرة عددها وتنوعها، أصبح المكان يضاهي حديقة عين السبع للحيوانات.
ويمكن لزائر المكان، أو المار بالقرب منه، أن يلاحظ، أن ما زاد من سوء منظر الحديقة، ليس فقط انتشار الحيوانات وتنوعها في كل مكان، بل هناك وجود سوق عشوائي يمتلئ عن آخره، خاصة صباحي السبت والأحد، من كل أسبوع.
من خلال جولة قامت بها "المغربية"، في السوق المذكور، تبين أنه يتمتع بشهرة كبيرة بين سكان المنطقة، كما أنها سجلت مدى الإقبال الكبير لزوار السوق من زبناء ومواطنين دفعهم فضول التعرف على ما يجري، إلى حضور عروض بيع وشراء فصائل مختلفة من الكلاب، التي احتلت مساحة مهمة من السوق، لدرجة لم يعد فيه مجال للجلوس أو حتى الوقوف، نتيجة اكتساح الحيوانات ومالكيها والزبناء المكان.
ومن خلال جولة "المغربية"، جرى اكتشاف أن أهم المميزات، التي تثير اهتمام الهواة والمتعاطين لتربية وتجارة الكلاب، الاهتمام بنوع معين من هذه الحيوانات الأليفة، خصوصا نوعين متميزين منها، الأول يهم الكلاب صغيرة الحجم، مثل ما يعرف باسم "الكانيش"، الذي يستحوذ غالبا على شغف الأطفال والنساء، الذين يستهويهم شكلها الوسيم، وطبيعتها اللطيفة، أما النوعية الثانية من هذه الحيوانات، أي الكلاب ذات الحجم الكبير، مثل ما يسمى "الدوبرمان" وشيان بيرجي" وشيان بوليس" و"بيتبول"، فهي الأصناف المفضلة لدى الشباب والرجال، وأحيانا بعض النساء، اللواتي يستعملنها لحماية أنفسهن، خصوصا اللواتي يقطن بضواحي المدينة، نظرا لما تتميز به من قوة، وقابلية للترويض، والتدريب. وللإشارة فإن نوعية الكلاب من صنف "البيتبول"، وهو نوع جديد، أخذ استعماله يتنامى بين فئة الشباب، فإنه يتميز بخطورته الشديدة، وباعتدائه العنيف، الذي يؤدي أحيانا إلى الموت، كما أن بعض الناس، خاصة الشباب، أخذوا يقبلون على اقتنائه بكثرة، لاستعماله بغرض استعراض القوة والرهان، وأحيانا للسرقة وقطع الطرق على المواطنين في الأحياء والشوارع الخالية، خصوصا أثناء الليل.
وفي مجال تجارة الكلاب، تبين أن الأثمنة تتراوح بين 500 و 2000 درهم، حسب العرض والطلب، في حين لا يتعدى السعر 100 درهم، بالنسبة للجراء. أما الفصائل النادرة، والعريقة فتصل قيمتها إلى بضعة ملايين من السنتيمات، والتي تتسابق على اقتنائها الفئات الغنية، لكونها أضحت من أحد أبرز مظاهر الثراء والبورجوازية.
وتفيد بعض الأقوال المأثورة، ذكرها أحد الشيوخ لـ "المغربية"، أن كلب صديق خير من صديق كلب"، لأن الإنسان اجتماعي بطبعه، والبحث عن الحصول على كلب، ينبع من حاجة البعض إلى مرافق، ولو أنه حيوان، يكون وفيا، يستأنس به ويقاوم الوحدة.
لكن يرى بعض المواطنين، في حديثهم لـ "المغربية"، أن وجود بعض أنواع الكلاب في الأوساط الشعبية، خاصة التي تنتمي للفصائل الخطيرة، يطرح تساؤلا حول الأمراض التي تنقلها في غياب خضوعها للمراقبة الطبية، والمتابعة من طرف طبيب بيطري، بالإضافة إلى غياب الوعي لدى المربين، الذين لا يتعدون استعمال الماء والصابون في تنظيفها، ويطعمونها من بقايا الأكل، خصوصا أرجل ورؤوس الدجاجٍ.
وعبر أحد الشباب عن استغرابه وجود شباب ينتمون لفئات فقيرة من المجتمع، يملكون كلابا، بل قال إن هناك بعض الشباب العاطل يربي كلبا، يقاسمه الفراش في كوخ الأسرة القصديري. ويرى أنه من غير المنطقي، لأنه لا يجد ما يسد به رمقه، فكيف يستطيع توفير أكل سليم ودفتر صحي لكلبه، في الوقت الذي لا يتوفر على دفتر صحي.
ونفى هذا الشاب معرفته بوجود تربية "البيتبول"، نوع شرس جدا من الكلاب، وأن هناك من يتخذه مصدرا لكسب المال، مشيرا أنه رأى بعض الشباب يتخذون منه رفقة، إلا أنه لا يعتقد أنهم يعلمون أنه صنف محضور في عدد من الدول، بما فيها المتحضرة جدا.
وقال طارق، الذي يمتلك واحدا من هذا الصنف من الكلاب، إنها نوعية تمكن الأمريكيين من إنتاجها في الستينيات من القرن الماضي، عن طريق التهجين، وبعدها أخذ في الانتشار في باقي بقاع العالم.
وأضاف طارق، في حديثه لـ "المغربية"، إنه يعلم مدى خطورة هذا النوع من الكلاب، مشيرا إلى أنه اشتراه، منذ كان جروا صغيرا، ليتمكن من تطوير طباعه العدوانية وترويضه على عدم الاعتداء على الغير دون سبب أو سابق إنذار.
وأبرز أنه يدربه يوميا على الدفاع عنه والمشاركة في مباريات، بتهييجه وإشراكه في مباريات عراك يومية مع كلاب أخرى، واستعمال إطار مطّاطي لتقوية فكيه، مضيفا أنه يشارك طارق في المصارعات، التي تنظم دوريا في ضواحي الدارالبيضاء، والتي يصل الرهان فيها إلى ألف أو ألفي درهم، وأحيانا إلى امتلاك الكلب المنهزم.
وعبر عدد من المواطنين ممن تحدثت إليهم "المغربية"، أن هناك ظاهرة، برزت في الآونة الأخيرة، تهم الحوادث الخطيرة، جراء اعتداءات عنيفة لكلاب من نوعية "بيتبول" على المواطنين، بل إن هناك من المنحرفين من يستعملونها في عمليات السرقة، وقطع الطريق عن المواطنين وإرهابهم بقصد سلب ممتلكاتهم، بل أحيانا إن بعض المجرمين يستخدمون هذه الكلاب في مواجهة رجال الأمن، الذين يضطرون أحيانا إلى المخاطرة واستخدام طرق وتقنيات جديدة لإيقافهم وضبط كلابهم.