أكد خالد، وعمر، والصديق، ثلاثة شباب من مدينة مراكش، قدموا لقضاء بعض أيام العطلة الصيفية في مدينة الدارالبيضاء، هربا من حر عاصمة النخيل.
مستغلين فرصة استضافتهم من لدن بعض معارفهم القاطنين بالعاصمة الاقتصادية، أن الواقع اليومي لحياتهم، ولفئة عريضة من أبناء المدينة الحمراء، يتسم بالمشاكل والمعاناة، خصوصا مع تفشي البطالة، وارتفاع عدد الفقراء، بالإضافة إلى انعدام فرص الشغل القارة، التي تمنح الإمكانيات المادية لضمان استقرار عائلي مستدام، وبالتالي التصدي لغلاء المعيشة وارتفاع أسعار أهم مواد الاستهلاك الأساسية.
وأشار هؤلاء الشباب، في حديث لـ "المغربية"، التي التقت بهم في أحد المقاهي وسط الدارالبيضاء، أنه، عكس ما يروج عن المدينة وانتعاشتها الاقتصادية والاجتماعية، هناك متناقضات شتى وواضحة، تتجلى في الفرق بين تأزم الوضع في أحياء شعبية يعاني سكانها الفقر والحاجة، ويمارسون مختلف المهن، بما فيها التعاطي للدعارة لكسب المال، وبين رغد العيش وسخاء الحياة في "الرياضات"، والفيلات، والشقق الفاخرة في الأحياء الراقية.
قال عمر (32 سنة)، أحد هؤلاء الفتية، إن زائر مدينة مراكش، سواء كان مغربيا أو أجنبيا، لا يمكنه معرفة واقع المدينة الحقيقي منذ الوهلة الأولى، لأنه لا يتعمق فيه، ولا يتعرف على المناطق التي تعكس صورة واضحة وشفافة عن الحياة الصعبة لفئة عريضة من أبناء المدينة، بالإضافة إلى أن ما يسمعه عنها من أوصاف، قد تكون إيجابية، إلا أنه، لو تمكن هذا الزائر من الوقوف على حياة بعض سكان الأحياء الهامشية، يغير نظرته للمدينة، لأنهم يعيشون ظروفا صعبة جدا، جراء الحاجة والإقصاء والتهميش، وانعدام شروط الحياة الكريمة، التي تزداد تفاقما نظرا لقلة الموارد، وانعدام الإمكانيات المادية، التي من شأنها أن تساعد هؤلاء السكان على الاستجابة للمتطلبات اليومية من مأكل وملبس ومسكن لائق ونظيف.
وقبل أن ينهي كلامه، قاطعه صديقه خالد (ب.ع)، حيث تدخل قائلا إن الحياة العامة في الأحياء الهامشية، تبعث على الإحساس بالحزن والأسى، ويستنتج أن الصدى الكبير الذي يصل إلى الناس عن المدينة، لا يترجم التطور الحقيقي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، خصوصا في الأحياء الهامشية الفقيرة، التي تنعدم فيها شروط الحياة من مظاهر التمدن والحداثة، وتكاد تغيب فيها البنيات التحتية الضرورية.
وذكر الصديق (30 سنة) خريج كلية الحقوق، أنه رحب بفكرة القدوم إلى الدارالبيضاء، رفقة أصدقائه خالد وعمر، عندما قضى فيها جزءا من عطلته في الراحة والاستجمام، فإنه الآن يفكر في البحث عن فرصة عمل تنقذه من البطالة التي يعانيها وأسرته، بأحد أحياء ضواحي عاصمة النخيل.
وهكذا يتبين أنه رغم ما يروج من كلام عن ازدهار مراكش، خاصة في المجال السياحي والعمراني، فإن هناك فئة عريضة من الشباب تعاني أزمة تفشي ظاهرة البطالة وقلة فرص الشغل المناسبة. كما أظهرت دراسة حول قضايا الشغل بجهة مراكش تانسيفت الحوز، أنجزتها الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، أن القطاعات الواعدة والمستقطبة للموارد البشرية، تتمثل في قطاعات السياحة، والبناء، والأشغال العمومية، مشيرة إلى أن قطاع البناء في المنطقة في حاجة إلى ما يزيد عن 50 ألف منصب شغل خلال الخمس سنوات المقبلة.
ومكنت الدراسة من إرساء تشخيصات مقلقة لتلبية حاجيات سوق الشغل، كما توقعت هذه الدراسة، التي قدمت نتائجها، أخيرا، بحضور مختلف المؤسسات والهيئات، بمن فيهم المسؤولين الحكوميين والمؤسساتيين، بالإضافة إلى مهنيين ومستثمرين، أن القطاعات المذكورة تحتاج إلى ما يناهز 21121 منصب شغل في أفق سنة 2009، منها 14379، في القطاع السياحي، و6742 في البناء والأشغال العمومية.
من جهتها، عبرت جهات مسؤولة عن قطاعات السياحة والتشغيل والتعمير والتنمية، عن قلقها من مستقبل سوق الشغل بجهة مراكش، كما ركزت الاهتمام حول ضرورة التفكير في جهوية منظومة التكوين والتأهيل المهني، خصوصا أن الاستباق في رصد الحاجيات من الكفاءات، يمثل الميزان المؤشر للشغل، والمحدد للقطاعات الواعدة.
كما جرى التحذير من التداعيات السياسية والاجتماعية للخصاص، والندرة لليد العاملة في قطاع البناء والأشغال العمومية، مع الإشارة إلى أن ظاهرة ارتفاع الطلب على العقار أضخم مما يتصوره العقل.
من جهته، أشار منير الشرايبي، والي جهة مراكش أن سوق الشغل بالجهة، يفتقر إلى الكفاءات والمهارات المتطورة، وأن الحاجة إلى التكوين والتأهيل تبلغ الدرجة القصوى، موضحا أن ما يزيد عن 50 ألف منصب شغل مطلوب خلال الخمس سنوات المقبلة، بينما لن يتجاوز عدد الخريجين من مراكز التكوين 12 ألف خريجا.
وفي نفس السياق قال كمال حفيظ، المدير العام للوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات "لانابيك"، أن التكوين المرتقب لن يوفر الحاجبات المتوخاة، وأن الجهة ستعيش خصاصا على مستوى الكفاءات الصغرى والمتوسطة من قبيل، الاستقبال، والطبخ، والإيواء، والفندقة، والنجارة، والبناء، والترصيص، وغيرها من المهن، وأن الطلب في تزايد مستمر بالمقارنة مع العرض.
وتحدثت الجهات نفسها عن الجهود المبذولة لتفعيل برنامج التشغيل لفائدة المنقطعين عن الدراسة قبل وصول مستوى البكالوريا، الذين سيستفيدون من برنامج التكوين بالتدرج المهني، والذين يقدر عددهم قرابة 300 ألف سنويا، 200 ألف منهم سنويا، لا يلجون مؤسسات التكوين المهني.
وللإشارة، فإن البرنامج يهم أساسا قطاعات الصناعة التقليدية والفلاحة والبناء، أي القطاعات الأكثر رواجا واستغلالا. كما أن هذا البرنامج، الذي تطمح الجهات الرسمية إلى رفع عدد المستفيدين منه إلى 60 ألف في أفق 2008-2009، إلى إعطاء مؤهلات للشباب المستفيد وتنمية تنافسية المقاولة، إذ يقوم المستفيد بالتناوب بين مؤسسة التكوين المهني والمقاولة، التي تستفيد مقابل إخضاع المستفيد للتدريب، على يد عاملة مجانية.