قاطنو أحياء صفيحية ينتظرون فرصة الاستفادة من سكن لائق

الأربعاء 16 يوليوز 2008 - 13:50
معاناة سكان المدن الصفيحية عديدة وعويصة

ذكر عدد من سكان أحياء صفيحية في حديث لـ "المغربية"، في كل من كاريان سيدي الخدير بالحي الحسني، ودوار حسيبو في عين السبع، وكاريان باشكوا بالوازيز، وكاريان أهل الغلام بحي أناسي.

ودوار خربوش بحي بولو، قرب مرجان (طريق مكة)، أن إقامتهم في منزل صفيحي ليس حلا اختياريا، بل إنه إجباري، نظرا لعدم القدرة على اقتناء سكن لائق، رغم ما تقدمه الشركات العقارية والأبناك من تسهيلات في الأداء، وأيضا على مستوى الأسعار، موضحين أنهم ينتظرون أول فرصة للخروج من هذه الأحياء والانتقال للعيش في سكن لائق، لكن حسب معايير تراعى فيها إمكانياتهم المادية.

وعبر معظم القاطنين بهذه الأحياء، من شباب وأطفال وشيوخ، عن إحساسهم بالخزي والعار للإقامة في مسكن لا تتوفر فيه أدنى شروط العيش، لأن الضرر يستمر على مدار السنة، والمعاناة دائمة مع الحر والخوف من الاحتراق خلال فصل الصيف، وضرورة تحمل قسوة البرد وتساقط قطرات الأمطار من أسقف الغرف القصديرية خلال فصل الخريف والشتاء.

وأضافوا أنه عكس ما يروج بين الناس، ليس كل سكان الأحياء القصديرية يعتبرون أنفسهم محظوظين لأنهم لا يؤدون إيجار مقابل إقامتهم، بل إن معظمهم ينتظر الفرصة السانحة للخروج من هذا المستنقع، والتمتع بالسكن في شقة تتوفر فيها كل شروط الحياة الكريمة.

ويتفق معظم المحللين الاجتماعيين على أن الإقامة في الأحياء الصفيحية، تعتبر دليلا علميا على مستوى الفقر، الذي تعانيه فئة عريضة من المجتمع، فيما يراها باحثون في الاقتصاد الاجتماعي مؤشرا واضحا ونتيجة مباشرة للأزمة الحادة والخانقة التي يعرفها سوق العقار، وأيضا صورة للنمو الديموغرافي المتزايد باستمرار، وترجمة للتنامي الهائل لعدد السكان.

وفي جولة "المغربية" عبر التجمعات السكنية الصفيحية في مختلف مناطق الدارالبيضاء، اتضح أنها تنمو بوتيرة سريعة، كالفطر المأكول، في مناطق معزولة عن محيط المدينة، وأنها رغم ما يبذله قاطنوها من جهود في مجال النظافة، تبقى غارقة في الأوساخ، التي تتسبب في انتشار الوباء، وطافحة بفقراء يعيشون بغرف مغلقة مبنية من الصفيح، بل منها من اعتمد على أجزاء من "الكرطون"، حصل عليه من العلب الفارغة أو القماش الخشن، وفي أحسن الأحوال من الألواح الحديدية القديمة، التي تآكلت من شدة صدئها، أو من الخشب القديم، يقضون فيها يوما تحت الظل وآخر تحت الشمس والمطر.

واتضح أن المنازل التي يقطنها المئات من المواطنين تتشكل على أحزمة، كانت في السابق تحيط بالمدينة، إلا أنها اليوم، نتيجة انتشار العمران، واكتساح المباني لكل المناطق من المدنية، حتى النائية منها، أصبحت هذه الأحياء القصديرية، تستقر وسط الأحياء الجديدة، ومعظمها تنتشر بشكل عشوائي وتفتقر غالبا إلى مقومات الحياة، ناهيك عن الخدمات الأساسية.

يرى محللون اجتماعيون، أنه لا تتوفر حاليا إحصاءات دقيقة بشأن عدد سكان مدن الصفيح، فيما تشير بعض التقديرات إلى أن سكانها يتزايدون يوما عن يوم، رغم المبادرات التي تبذلها الجهات المعنية، خاصة وزارة السكنى، بهدف القضاء على هذه الأحياء الصفيحية، وإيجاد آليات فاعلة لإعادة توطين هذه التجمعات في مناطق تتوفر فيها الخدمات، نتيجة اتساعها باستمرار وازدياد عددها، لدرجة تتحول معها أحيانا إلى مدن من البيوت والتجمعات الصغيرة، جرت محاولة إخفائها عن طريق إحاطتها بأسوار إسمنتية.

وتضم مدن الصفيح حاليا تجمعات للسكان الفقراء تحت خط الفقر أو مئات الأسر من أبناء المدينة، الذين لا تتوفر لديهم الشروط المادية لاقتناء أو كراء شقة، أو من المغتربين المهاجرين، قدموا من بعض القرى أو المدن، هربا من الجوع والفقر، لأن المناطق التي كانوا يستقرون بها لا تتوفر فيها موارد العيش، إذ صار فيها كسب لقمة اليوم صعبا بسبب توالي سنوات الجفاف وندرة المياه، التي تزداد حدة مع قلة أو انعدام فرص الشغل.

قال علي (ب) صاحب محل لإصلاح الأواني المنزلية، يقطن بأحد الأكواخ القصديرية بدوار حسيبو بعين السبع لـ "المغربية"، إن معظم السكان يقطنون بالدوار لأزيد من خمسين سنة، في غرف غالبا ما تكون ضيقة للغاية ولا تتجاوز غرفتين، يعيش فيها كل أفراد الأسرة، من دون حمام منزلي، وفي أحسن الأحوال تتوفر لبعض العائلات ثلاث غرف وحمام، إلا أنه يرتبط بمواسير إلى الخارج أو إلى حفر مجاورة، نظرا لانعدام مجاري الواد الحار.

وأضاف علي أنه، بعد طول انتظار الرحيل من الدوار والانتقال إلى مساكن لائقة، مثل التي تشيد في المدينة، اتخذ معظم السكان مبادرة إعادة بناء بيوتهم بالإسمنت والطوب، ما أحدث تغييرا إيجابيا بعض الشيء في حياة قاطنيها، إلا أنه ما زال يطلق عليها اسم "الحي العشوائي" أو "الكاريان" أو "الحي الصفيحي"، فيما يسميها السكان "الحارات الفقيرة" أو "المهمشة".

وتابع القول، وهو يصلح طنجرة الضعط "الكوكوط"، "نحن سكان هذه المناطق القصديرية المهمشة، نعيش حياة فقر وعزلة بائسة في غياب الحد الأدنى من الخدمات، وتفشي الجريمة والفقر والبطالة، علاوة على أن الكثير من الخدمات لا تطال هذه المناطق، ونادرا ما تنظم حملات تحسيسية لتوعية قاطني الدوار بأهمية النظافة".

وأفادت دراسات اجتماعية مستندة إلى بحوث عمل، أن مدن الصفيح تمثل اليوم ملاذا غير آمن للسكان الأكثر فقرا في المجتمع، وهي في تزايد من عام لآخر بسبب اتساع رقعة الفقر في المجتمع، إضافة إلى تحايل بعض السكان، ضمتهم برامج الاستفادة من سكن لائق أو قطعة أرضية، بهدف نقلهم من هذه الأحياء، بحيث ينقلون ملكية المنزل الصفيحي إلى أحد أفراد أسرتهم (الابن أو الابنة أو الأخ أو الأخت)، ليستفيدوا بدورهم.

وأشارت الدراسات نفسها إلى أن معظم قاطني المدن الصفيحية لا يتوفرون على عمل قار، إذ أنهم من العاملين في مهن بسيطة بصورة موسمية، أومن العاملين في مهن هامشية، كالنظافة، ومسح الأحذية، وجمع العلب المعدنية والبلاستيكية، أو من المتسولين، الذين يعيشون ظروفا اجتماعية شديدة الفاقة، ويعانون مشاكل صحية وتعليمية خانقة.
وذكرت المصادر ذاتها، أن ظروف عيش سكان الأحياء الصفيحية، تعتبر أهم الأسباب التي دفعت بهم إلى الانعزال عن المجتمع تماما، والإحساس بالإقصاء والتهميش، خاصة فئة الشباب منهم، وبالتالي الانغماس في متاهة الانحراف، والإجرام، والسرقة، وممارسة كل أشكال العنف.

وأكدت عبوش (58 سنة)، من قاطني دوار خربوش، أن غالبية السكان هنا يعانون الفقر معظمهم عادوا من بعض القرى بعد توالي سنوات الجفاف، وسكنوا بالمنطقة حين كانت شبه خالية، وعبارة عن أراضي فلاحية، توجد بها بعض الدواوير، وبما أنه لم تتوفر لديهم الإمكانيات المادية لاقتناء منزل أو حتى غرفة، سكنوا بالمنطقة، وبدأ عددهم يتزايد بعد التحاق بعض أفراد عائلاتهم أو معارفهم من القرى نفسها، التي قدموا منها.

وتابعت قولها إنه في البداية، كان عدد السكان قليلا جدا، ولم يكن في استطاعة أحدهم بناء سكن لائق، مضيفة أنهم كانوا يعتمدون على "الكارطون" والقماش والبلاستيك، وبعدها بسنوات استعملوا الزنك والخشب، واليوم تنافس كل سكان دوار خربوش وأعادوا بناء أكواخهم من الإسمنت والطوب.

في حديثهم عن أسباب تنامي هذه المدن والتجمعات، يتحدث الاختصاصيون عن الزيادة المطردة في عدد السكان بمعدل نمو متزايد، رغم برامج التسكين الرسمية والمخططات العمرانية للمدن، بسبب لهيب أسعار الأراضي وارتفاع إيجارات المساكن وعدم تناسب السكن مع حجم الأسرة التي تقطن عادة في الأحياء الصفيحية، والتي تميل إلى زيادة عدد أفرادها من خلال زيادة إنجاب الأبناء، بالإضافة إلى انتشار الأمية بها، وتدني وغياب خدمات التعليم، الذي يترافق مع ارتفاع عدد المواليد والزواج المبكر، وميل الأسرة إلى زيادة عدد أبنائها ليكونوا لهم سندا اقتصاديا في المستقبل.

وأبرزت المصادر نفسها، أنه يضاف إلى ذلك توسع رقعة البطالة والفقر، نتيجة انضمام آخرين إلى هذه التجمعات، خصوصا مع انخفاض مستوى دخل الفرد، ومحدودية فرص العمل، وارتفاع إيجارات المساكن، وزيادة كلفة خدمات الكهرباء والمياه والنظافة، مشيرة إلى أنه، في الآونة الأخيرة باشرت الجهات المسؤولة جهودا حثيثة من أجل حل مشكلات هذه التجمعات انطلاقا من كونها عشوائية، وتعكس صورة سلبية، خصوصا في مدن مثل الدار البيضاء، واتجهت الجهود إلى بناء مساكن جديدة لسكان مدن الصفيح في مناطق مخططة، لكن رغم ذلك، تبقى هذه المشاريع لا تلبي الحاجيات المتزايدة وتسير ببطء شديد.




تابعونا على فيسبوك