نائبة الكاتب العام للحزب الوطني الديمقراطي لـ المغربية

ميلودة حازب: حركة لكل الديمقراطيين أثرت بشكل واضح على المشهد السياسي

الجمعة 11 يوليوز 2008 - 21:59
ميلودة حازب

قالت ميلودة حازب، نائبة الكاتب العام للحزب الوطني الديمقراطي، إن ظهور حركة لكل الديمقراطيين كان له تأثير واضح على المشهد السياسي.لأنها خلقت دينامية جديدة أفادت الأحزاب السياسية في مراجعة حساباتها، وإعادة النظر في مفاهيم ظلت صورية في كثير من الأحيان"، بل و

وكشفت حازب في الحوار الذي خصت به "المغربية"، عن المواضيع المتعلقة بالقطبية السياسية في المغرب، انطلاقا من التحالفات الحزبية التي ظهرت على الساحة، بعد انتخابات 7 شتنبر، ومن ظهور حركة لكل الديمقراطيين، التي تراهن على النخب لإعادة المصداقية إلى المشهد السياسي، وموقف الحزب الوطني الديمقراطي من هذه التحالفات، وعلاقته مع فريق الأصالة والمعاصرة.

كيف تقيمون العمل السياسي بعد نتائج الانتخابات التشريعية لشتنبر الماضي؟

شهد المجتمع المغربي خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة، متفاوتة في آثارها الآنية وانعكاساتها المستقبلية. وتقرير "الخمسينية حول التنمية البشرية" رصد جزءا كبيرا منها، وظهرت محاولات لتشكيل الأدوات، وفتح قنوات لتفعيل توصياته وتوقعاته في أفق 2025.

ومن بين ما توصل إليه التقرير ملاحظة جوهرية، مفادها، أن النخب المثقفة في المغرب تتطلع إلى قيم الحداثة والتنوير الفكري والانفتاح على الحضارة الكونية، بينما الفئات الشعبية والمتوسطة تتشبث بالتقاليد والحفاظ على مبادئ الأصالة، وخصوصيات الحضارة التاريخية للأمة.

ووعيا بهذا النسق السوسيو ثقافي، تتحمل الطبقة السياسية، وصناع الرأي العام (الإعلام-المدرسة - المؤسسات)، مسؤولية تاريخية للتوفيق بين هذين المطلبين.

وتكتسي هذه المسألة الاجتماعية جوانب بنيوية وتنظيمية ووظيفية ونفسية، نخص بالذكر منها، الشق السياسي والمؤسسي، الذي يتعلق بتطوير البنيات القانونية والحقوقية، بارتباط مع ترسيخ الثقافة الديمقراطية، ومبدأ الحريات العامة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي هذا المضمار، حقق المغرب مكتسبات لا يستهان بها، لكن المسار ما يزال طويلا.

في ما يخص المؤثرات النفسية والتنظيمية والوظيفية على المجتمع (المدني والسياسي)، فإن محطة الانتخابات العامة الأخيرة كانت بمثابة جس للنبض، بل دق ناقوس الخطر حول هذه المسألة، إذ لوحظ إفراز خارطة سياسية تطبعها التعددية الحزبية المفرطة، وضعف المشاركة الشعبية، أو ما اصطلح عليه "بالعزوف"، وهو ليس كذلك، لأن الرفض الحقيقي يتمثل في الإمساك عن التسجيـل في اللوائح الانتخابية، أما عدم المشاركة في التصويت فهو تعبير واضح عن عدم الرضى أو عدم الثقة في قابلية البرامج المقترحة للتطبيق، وهو موقف سياسي يجب أخذه بعين الاعتبار. وبالتالي، فإن القراءة المتأنية لهذه النتائج توحي بأن الرأي العام يتطلع إلى ممارسته للشأن السياسي والانتخابي بصيغ وآليات جديدة، تتطلب تجميع القوى السياسية في أقطاب قوية ومنسجمة، مبنية على اختلاف واضح في المرجعيات والأهداف، على شاكلة التحالفات والاتحادات الحزبية، في حين تعاني مجموع الأحزاب السياسية عوائق ذاتية وموضوعية تقف حجر عثرة أمام قيام تجمعات، وكتل حزبية وفقا لما ينص عليه قانون الأحزاب الأخير.

تحدثتم عن وجود عوائق، ما هي الأسباب الحقيقية وراءها، ثم كيف السبيل لتجاوزها؟

هذه العوائق هي بالأساس نتيجة لغياب الديمقراطية الداخلية، ومحدودية تجديد النخب والقيادات الحزبية، وعدم توفر الأحزاب على موارد مستقلة، وكفاءات إدارية وعلمية قادرة على بلورة تصورات هادفة، وبرامج تنموية، فضلا عن ظاهرة الانشقاقات وتناسل الأحزاب، إضافة إلى ظاهرة ترحال النواب والمستشارين بعد انتخابهم، بمجرد ظهور بوادر أو إمكانات حقيقية للاستوزار أو لتحمل مسؤولية ما، وعدم الوضوح في الإيديولوجيـات المرجعية وفي البرامـج السياسيـة والانتخابيـة، مما لا يسهل التمييـز بينها من لدن المواطن، وأخيـرا يلاحظ قوة ارتبـاط العمـل الحزبي بالظروف الانتخابيـة وغيـاب الاستمرارية في التواصل مع المواطنين خارج هذه المحطات.

رغم هذه الإكراهات والعوائق، فإن المشهد السياسي يعرف اليوم عدة محاولات لخلق إطارات للتحالف والتكتل السياسي، نذكر على سبيل المثال، اتحاد اليسار الموحد، وإدماج فصائل الحركة في حزب الحركة الشعبية، وإدماج الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الاتحاد الاشتراكي، وتحالف مكونات فريق الأصالة والمعاصرة.

علما أن التجارب السابقة كان يعاب عليها عدم التركيز على المرجعيات، والمنطلقات الفكرية، خصوصا إذا تأملنا قيام "الكتلة الديمقراطية "، التي تجمع بين أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، بينما المفروض أن يتزعم حزب الاستقلال قطبا محافظا ذا مرجعية إسلامية، وأن يتزعم الاتحاد الاشتراكي قطبا يساريا.
وكان من نتائج هذا التنافر فشل حكومة التناوب والصعوبات التنظيمية التي يعانيها حزب الاتحاد الاشتراكي.

الاستثناء الوحيد الوارد في هذه التجارب، يتمثل في قيام كتلة "الوفاق الوطني"، الذي كان يضم في عضويته كلا من أحزاب الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والوطني الديمقراطي، والذي كان يستند إلى منطلقات سياسية وفكرية وسوسيولوجية مشتركة، وأهداف وبرامج متشابهة (النهوض بالعالم القروي، والعدالة الاجتماعية، والثوابت الوطنية)، ومع ذلك فإن النتائج لم تترجم على أرض الواقع.

إن تحصين المشهد السياسي من مخاطر البلقنة ومظاهر التعددية الحزبية المفرطة (وهي من معيقات الفعالية والعمل الإيجابي) يقتضي تشكيل أقطاب كبرى تتسم بالانسجام، ووحدة التصورات والأهداف التنموية، وهي مقومات تدخل في نطاق توفير القدرة على تأهيل الممارسة السياسية، وتأطير المواطنين، واستقطاب النخب، والكفاءات، والتصدي لظاهرة الفراغ السياسي، ومواجهة العزوف والتطرف الديني..

علما أن القطبية السياسية في المغرب لا تخضع إلى التوزيع النمطي الغربي، يسار، يمين، وسط، بل هو توزيع ثلاثي الأقطاب، ولكن بمفاهيم مخالفة، تأتي على الشكل التالي، قطب المحافظين (الاستقلال والحركات الإسلامية)، وقطب الاشتراكيين (أحزاب اليسار)، وقطب الليبراليين الديمقراطيين (أحزاب الوسط واليمين الوسطي).

إن الشتات الذي يميز الحياة الحزبية اليوم ليس قدرا محتوما، ويمكن تجاوزه بإرادة سياسية قوية، وتنظيم محكم يراعي إعادة تركيب المنظومة الحزبية في اتجاه تشكيل اتحادات وتكتلات سياسية، على أساس القطبية الطبيعية وليدة التحولات الجارية على صعيد المجتمع والدولة.

وتتمثل هذه التحولات في انتقالات عدة يمر بها المجتمع المغربي حاليا، وجرى رصدها من طرف المسؤولين والخبراء، نذكر منها على الخصوص، الانتقال الديمقراطي (إصلاحات سياسية وحقوقية ومؤسساتية)، والانتقال الديمغرافي (فرصة أكبر لمشاركة أكبر للعنصر البشري في مجهود التنمية)، والانتقال المدني والثقافي (التحول من مجتمع تقليدي محافظ إلى مجتمع مدني حداثي)، والانتقال من المركزية إلى الجهوية (خيار النهج اللامركزي والتدبير للمجال الترابي الجماعي).

و إزاء هذه التحولات يتعين على الفاعلين اعتماد "عهد من أجل التغيير"، وهو شعار المرحلة التاريخية التي يجتازها مجتمعنا بتوافق مكوناته الأساسية (الأحزاب، والمؤسسات، والمجتمع المدني..)، يتفرع إلى ميثاق لإصلاح التعليم، وميثاق دعم الأخلاقيات ومحاربة ظاهرة الرشوة، وميثاق من أجل انتخابات نزيهة، وميثاق لمواصلة إنجاز الأوراش الكبرى وخلق مناصب الشغل، وميثاق من أجل دعم الجهوية واللامركزية.

كيف تقرأون استعدادات التشكيلات الحزبية لمحطة الانتخابات المحلية المزمع تنظيمها سنة 2009؟

مـن المؤكد، أن محطة 2009 ستكون محكا حقيقيا للطبقة السياسية، ومساهمة المجتمع المدني في بلورة هذا التوجه، عن طريق اختيار النخب القادرة على تدبير الشأن المحلي وفق المعطيات والأهداف المرسومة.

لكن يبقى التساؤل مشروعا حول استعداد وقابلية التشكيلات الحزبية الحالية لتطوير ذاتها وأدائها بمناسبة الممارسة الانتخابية المحلية، والابتعاد عن إعادة إنتاج النماذج والتجارب السابقة، ويبقى الرهـان معقودا على إمكانيـة الخروج من ثقافة سياسية عتيقة إلى ثقافة سياسية مغايرة، تتصف بالدينامية والتطور والعقلانية، ووضع معايير دقيقة لانتقاء الأعضاء من النخب الحزبية والبرلمانية والحقوقية والإدارية، التي تضمن تحقيق المساعي المطلوبة، وهي مقاييس وخصائص تأخذ بعين الاعتبار التشبث أساسا بخدمة الوطـن، بغض النظر عن الانتماءات الحزبية والفكرية، ثم الانخراط الإرادي المتشبع بمزايا المنهج الديمقراطي مدعوما بمقومات الكفاءة والنزاهة والخبرة والتجربة مع التوفر على رصيد إشعاعي وطني وتواصلي لتحقيق سياسة القرب.

ويتشكل خزان العهد الجديد من مجموعة من الأطر والنخب والقياديين على مستوى المجتمع السياسي والاقتصادي والمدني، الذين يؤكدون التزامهم بخدمة المشروع المجتمعي، الذي وقع حوله توافق الفاعلين.

إن المغرب يسير بخطى متسارعـة وبتطور على مستوى الحكامة والعقلنة والشفافية في مجال التسيير والتنفيذ، بحيث لم يعد الانتماء إلى إطار الدولة أو المؤسسات مبررا للتشكيك في مصداقية المواقف ونزاهة النوايا والمقاصد.

وبنـاء على نتائج هذه التحـولات الجارية، فإنه لامناص من تجديد النخب، وإعـادة تركيب المشهد السياسي والمدني على مستوى الهيكلة والفكر والممارسة.

وفي ما يتعلق بإعادة الهيكلة والتنظيم لم تبق في مغرب اليوم أي قابلية لانحصار النخب والقيادات عند دائرة جغرافية محددة (محور فاس/ الرباط على سبيل المثال) أو هيمنة فئة سوسيو اقتصادية معينة على المشهد السياسي والحياة العامة، بل يجب الوعي بضرورة تفعيل المفهوم الجديد للسلطة في تناسق تام مع مفهوم الجهوية والارتكاز على النخب المحلية لتنفيذ السياسات الجهوية ومتابعة إنجاز المشاريع المحلية.

كيف تفسرون إطغاء الهاجس التنظيمي على هذه الاستعدادات، ثم كيف تراهن حركة لكل الديمقراطيين على النخب لإعادة المصداقية للمشهد السياسي؟

لا أحد اليوم يمكنه إنكار حضور هذا الهاجس التنظيمي والوظيفي عند المسؤولين وصناع القرار.

ولفهـم دلالات هذا التوجه لابد من العودة إلى منطق التنمية المتوازنة في ما يخص المجال وإعداد التراب، وما تسوقه من نتائـج وآثـار، من قبيل الحد من الفوارق، وحجم الحظوة لجهة معينة على حساب جهات أخرى لمجـرد قربها من دوائر القرار المركزي.

إن النظرية التنموية الجديدة تستدعي تطبيق مبدأ العدالة والاعتدال والتوازن في توزيع الثروات والإمكانيات الماليـة والبشرية، كما تسمح بظهور إطارات ونخب جهويـة لا تقل حماسـا ووطنيـة وولاء عن النخبة التقليدية، المكونة من الأعيان والرموز المحلية.

في هذه الظروف والمستجدات يمكن تسجيل ظهور حركة لكل الديمقراطيين كفضاء للتفكير والاقتراح من أجل تفعيل هذه المبادئ والأهداف، التي تجسد السياق السياسي والتاريخي الجديد، الذي أفرزته نتائج الانتخابات الأخيرة، وما خلفته من شعور عام بالإحباط والابتعاد الظرفي عن المسألة السياسية، والسعي إلى إيجاد أدوات وقنوات لتفعيل توصيات ومضامين التقارير التاريخية لهيئة الإنصاف والمصالحة، والخمسينية حول التنمية البشرية، ودعم أوراش الإصلاح والبناء والتأهيل التي يرعاها عاهل البلاد شخصيا..

كان لظهور حركة لكل الديمقراطيين تأثير واضح على المشهد السياسي، لأنها خلقت دينامية جديدة أفادت الأحزاب السياسية في مراجعة حساباتها، وإعادة النظر في مفاهيم ظلت صورية في كثير من الأحيان (الديمقراطية الداخلية، الشفافية، التواصل مع المواطنين..إلخ) بل أدت إلى فتح شهية التكتلات والتقاطبات التي يجب أن تكون وسيلة لمحاربة البلقنة، وتحقيق خريطة سياسية وانتخابية متوازنة تفرز حكومة قوية ومعارضة مؤثرة.

وما هو موقف الحزب الوطني الديمقراطي من هذه التحالفات، ثم ما هي علاقته مع فريق الأصالة والمعاصرة؟

بالنسبة إلى الحزب الوطني الديمقراطي يمكن أن نسجل أنه انخرط في دينامية تشكيل اتحادات وتكتلات سياسية وانتخابية، ولو أن نتائج الانتخابات الأخيرة لم تنصفه في ربط ماضيه بحاضره، إلا أنه يسعى إلى استرجاع حضوره على الخريطة السياسية الوطنية بواسطة منظماته الموازية وأدائه داخل المؤسسة البرلمانية من خلال فريق الأصالة والمعاصرة، الذي يضم برلمانيين لا منتمين وآخرين ينتمون إلى ستة أحزاب سياسية، بعد أن اتفقوا على أرضية عمل مبنية على قاسم مشترك يجمعهم، وهو جعل المصلحة العليا فوق كل اعتبار، علما أن هناك إيمانا لدى كل مكونات الفريق بضرورة تجميع القوى السياسية ذات المرجعية المشتركة في اتجاه قيام قطب كبير.

إن الأمل معقود على مواصلة المسيرة، ورص الصفوف، بواسطة العمل الجدي والمسؤول، لرأب الصدع وتقوية روابط التضامن والتكامل والانسجام..لأن هموم الجسم المجتمعي واحدة وتحتاج إلى مساهمة الجميع من أجل تحصين المكتسبات وربح رهانات المستقبل..

إن مبادئ الحرية والديمقراطية وأهداف التقارب والتحالف بين الأحزاب تعتبر أسلحة فعالة في مواجهة حقبة الانكماش والتراجع على مستوى الوعي الجماعي، وهي شكل من أشكال المصالحة مع الذات والتراث.




تابعونا على فيسبوك