التقصي والحقيقة

الخميس 10 يوليوز 2008 - 08:51

في عدد سابق، تساءلنا كم من دولة عبر العالم بادرت إلى إنشاء لجنة برلمانية لتقصي الحقائق، عقب وقوع مظاهرة، أو أحداث طبعها تجاوز في تدخل القوة العمومية.

المغرب، من بين دول قلة، كانت لديه الجرأة والشجاعة لفتح كتاب التجاوزات، ومساءلة الأسباب المباشرة وغير المباشرة لبروز بعض الانتهاكات، من دون عقدة في قراءة هذه الصفحات، واتخاذ ما يلزم من إجراءات تترتب عما وصل إليه التحقيق من خلاصات، بأفق ينظر باستمرار إلى المستقبل، من أجل تفادي تكرار ما جرى، الذي يجب القطع معه في مغربنا، الذي نريده أرقى وأجمل.

لهذا الغرض تشكلت لجنة بمجلس النواب لتقصي الحقائق في أحداث سيدي إيفني، ورغم أن قانونها التنظيمي، في فقرته الثالثة من المادة الثامنة، يفيد "البت في أمر إيفاد عضو واحد أو أكثر من بين أعضاء اللجنة، يساعدهم مقررها أو مقرروها، قصد تلقي شهادة الأشخاص الطبيعيين، الذين يتعذر عليهم التنقل للإدلاء بشهادتهم أمام اللجنة"، فإن اللجنة اختارت التنقل إلى عين المكان بمجموع أعضائها، وتلقوا جميعا شهادات السكان، وشكاوى الضحايا، واستمعوا إلى المسؤولين المباشرين وغير المباشرين، بمن فيهم وزير الداخلية، الذي جرى الاستماع إليه في مقر البرلمان، وأنجزوا أزيد من 100 محضر، تغطي 176 جلسة استماع.

إلى هذا الحد، تمضي الأمور بشكل طبيعي، باستثناء وحيد يكتسي خطورة قصوى، يتمثل في محاولات متكررة، من هنا وهناك، للتشويش على اللجنة، والتشكيك في عملها. واللافت أن بعض أعضاء اللجنة كشفوا أن هناك ضغوطات قوية تمارس من قبل بعض محترفي العمل الحقوقي، الذين يتجاوزون وضعية الحياد والنزاهة في مباشرة نشاطهم، وفق ما هو متعارف عليه في مختلف أرجاء العالم، إلى متدخلين مباشرين، يستعملون جميع الأساليب لفرض توجههم الوحيد، بحساباتهم، التي ما عادت تخفى على أحد، لجعل "الجميع" يعلن "حقيقتهم" هم، لأنهم "وحدهم" من يمتلك "الحقيقة"، ومن يعلن اختلافه يتعرض لنوع من "الإرهاب الفكري".

هذا المنحى يتفاقم أكثر بتدخلات بعض محترفي السياسة، الذين وجدوها فرصة سانحة للركوب عليها، سعيا وراء اكتساب مواقع جديدة، ولا يهم أن يكون ذلك على حساب مصلحة البلاد، ولو جرى تلويث سمعتها في الوحل، المهم هو تسجيل نقط لفائدة سباقهم المحموم نحو محطة الاستحقاقات المقبلة. وهكذا بدأ الرأي العام يسمع، من هؤلاء ومن أولئك، توصيفات غريبة تستبق عمل لجنة التقصي، فتصدر أحكام الإدانة، وتطلب من الجميع الإذعان لما قضت به، فهذا عضو قيادي في حزب ممثل في اللجنة، يطالب الحكومة بالاستقالة، وهذا عضو باللجنة ذاتها، رفقة قيادي آخر، تنشر جريدتهما أنهما بكيا لدى الاستماع إلى شهادتي فتاتين من إيفني، وهذا آخر يصف المدينة بسجن "أبو غريب المغرب"، وذاك يفيد بعودة البلاد إلى "سنوات الرصاص".

إن نوايا وأهداف كل من هؤلاء وأولئك بعيدة عن المبدأ النبيل في وظيفة اللجنة، المتمثلة في تقصي الحقائق، وعندما بدأت تنكشف نواياهم، شرعوا يحاولون التغطية على سلوكاتهم بالادعاء أن الدولة تمارس ضغوطا على اللجنة للتأثير في توجهات تقريرها المرتقب. والحال أن هذا هو التوجه المخالف لمقتضيات القانون، وهو الذي من شأنه أن يؤثر على عمل اللجنة ومصداقيتها ونتائجها، في نهاية الأمر، فتضيع الحقيقة على مذبح الحسابات الذاتية الصغيرة، وغير المسؤولة.

إن اللجنة سيدة نفسها، وهي محكومة في عملها بهاجس واحد، هو جمع ما يكفي من المعلومات، التي ستمكن من صياغة تقرير يتضمن خلاصات صريحة، وصادقة، حول حقيقة أحداث سيدي إيفني، وحول مسبباتها، والنتائج التي ترتبت عنها. وإن كل تشويش على عمل لجنة التقصي، بحسابات سياسيوية، أو بمزايدات غير مسؤولة، سوف يضر، بالتأكيد، بوظيفة اللجنة، وبمصداقية المؤسسة التشريعية كلها، فضلا عن كون كل سلوك غير مسؤول في التعامل مع أحداث سيدي إيفني يضر، أيضا، بمصلحة وحقوق المتضررين المفترضين في الأحداث، الذين يجري الحديث باسمهم.

نعم للمحاسبة على أساس تحديد المسؤوليات، وهذا لن يأتى إلا بالوقوف على الحقيقة. أما مرض التشكيك المنهجي، فليس من شأنه إلا أن يغذي اليأس وفقدان الثقة، في كل شيء، فتنتعش عوامل المقاطعة، وتتناسل قيم الانغلاق والتطرف، على حساب مشروع الإصلاح وبناء دولة القانون والمؤسسات. وتلك هي الخطورة القصوى للاعبين بالنار، المكشوفين والمتحركين من وراء الستار.




تابعونا على فيسبوك