رجال ونساء في طنجة يعيشون على وهم العلاج بمياه العين

الأربعاء 09 يوليوز 2008 - 19:49

يقود الوهم مواطنين من مختلف الأعمار، يوميا، إلى الوقوف في طوابير طويلة أمام منبع مائي، يعتقد الجميع أنه ملاذه الأخير للتخلص من عدة أمراض استعصى على الطب الحديث علاجها، فأغدقت عليهم الطبيعة بنعمة الشفاء.

الكثير من هؤلاء المواطنين يصرون على التشبث بفعالية مياه "العين" في الاستشفاء من آلام المعدة، والأمعاء، والكلي، بينما لا يخفي البعض امتعاضه من طرق العلاج الطبية، التي يراها هدرا للأموال، وضربا من العبث.

يسود الاعتقاد لدى فئة عريضة من الرجال والنساء، من أحياء طنجة ومداشرها، أن "ماء الجبل"، كما يسمونه، يستطيع إظهار ملامح الشفاء للمريض منذ الأسبوع الأول، الذي يداوم فيه على شربه، فلا يتوانى عدد من الأفراد في الاستدلال بحالات أقربائهم وذويهم، ممن تخلصوا بفعل بركة زلال المنبع من أمراض ألمت بهم، ووقف الطب الحديث عاجزا أمامها، بعدما التهمت منهم مصاريف العلاج بالمصحات الخاصة والعيادات الطبية، أموالا طائلة.

وطالما اقتصرت فئة المترددين على هذا المنبع المائي من الرجال والنساء على الذين يشكلون عائلات معوزة، تعاني قصر ذات اليد إلا أن الأمر لم يعد يقتصر على هذه الشريحة، وإنما مس فئة أخرى من أصحاب السيارات الفارهة، تساهم، هي الأخرى، في حجم الازدحام، كدليل على تنامي أعداد الوافدين على العين المائية، لينهلوا منها "بركة" التداوي، أو على الأقل لدحض الشكوك.

عبد السلام، مسن في عقده السادس، لم يكن سوى واحد من بين العشرات ممن يحجون يوميا إلى المزار الوهم، دفعته ادعاءات وإشاعات، انتشرت كالنار في الهشيم، حول قدرة المنبع على تخليصه من أوجاع البطن، إذ نصحه مقربون بالمداومة على شرب الماء، بعدما أنهكته الأدوية الطبية، وهو بالكاد يقف وسط جموع غفيرة، متكئا على عصا، ينتظر دوره لجلب نصيبه من المياه، وقد ظهرت عليه بوادر الإرهاق والملل.

عبثا يحاول المرء أن يصرف تفكير هؤلاء عن اعتقادهم الراسخ، فتجدهم متوحدين حول أمل العلاج المجاني، كما هو حال زهرة البقالي، وهي امرأة في مقتبل العمر، عندما تقول "هاذا ماء الجبل، مزيان للمعدة، وبالتجريب".

تفتقت عبقرية البعض منهم عن فكرة مربحة، حينما عمدوا إلى نقل مياه المنبع في قارورات خاصة بشركات المياه المعدنية، على متن عربات مجرورة بدراجات نارية، عارضين إياها للبيع في بعض أسواق المدينة، والمواقع الاستراتيجية، غير أن إقبال المواطنين عليها يبقى ضعيفا، أمام ندرة الظاهرة، إذ لا يستبعد أن يكون مصدر تلك المياه الآبار، أو صنابير الأحياء.

مصدر طبي أكد أن ماء المنبع لم يخضع لتحليلات طبية تفيد فعاليته أو تدحضها، مرجحا الاحتمال الثاني، خاصة وأن ظاهرة الاستنجاد بمياه الأرض، التي تظهر على حين غرة، تعرفها مناطق عدة، وسرعان ما يتلاشى لدى الوافدين عليها ذلك الوهم.

أما الدكتورة فندي، الصيدلية، فعزت أسباب الظاهرة إلى عاملي الفقر والجهل، إذ تعجز فئة واسعة من الناس، ذات الدخل المحدود، على مجاراة تكاليف العلاج، فتضطر إلى مداهنة النفس بالأمل أو الوهم، كما أن غياب وازع الوعي يلعب دورا كبيرا، عندما تقع نسبة كبيرة من المواطنين ضحية إشاعات تنتشر، فتخلف ضحايا يعيشون على الأوهام.

لم يتخوف الأشخاص الذين التقيناهم، من بين الراغبين في الحصول على كميات من المياه، من احتمال وجود جراثيم بها، رغم أن المنبع المائي لا يخضع لشروط المعالجة والتحليل، ولا تسهر على مراقبته وحدة متخصصة، بقدر ما كانوا يناصرون بعضهم البعض في الدفاع عن فعاليته في العلاج.




تابعونا على فيسبوك