ما إن تدق السادسة صباحا، حتى تبدأ مجموعة من نساء شفشاون عملهن في جمع النفايات بأحياء وأزقة المدينة في أكياس بلاستيكية كبيرة يحملنها على عربات مجرورة.
بعد أن كن يحملنها من قبل على أكتافهن يجلن بها كل المدينة مدة تزيد عن خمس ساعات أحيانا.
وذكرت مجموعة من هؤلاء الشاونيات، اللواتي دفعتهن الحاجة والفقر وقلة فرص العمل بالمدينة إلى الاشتغال في جمع نفايات المدينة، في تصريحات إلى وكالة الأنباء الإسبانية "إيفي"، أن إقدام النساء على ممارسة المهنة يعود إلى رفض الرجال امتهانها، لأن غالبيتهم يعتبرونها مسا لكرامتهم ورجولتهم.
ويشهد عدد من سكان المدينة، أنه منذ أن جرى تكليف النساء بمهمة جمع النفايات، تغير مظهر المدينة أكثر، وازداد رونقا ونظافة، خاصة بعد أن حصلن على عربات الكيس الكبير الذي يضعن فيه الأزبال.
وأفادت شهادات بعض سكان المدينة للوكالة نفسها، أن أول صوت يخترق صمت فجر أحياء المدينة القديمة بشفشاون، القابعة بين جبال الريف، يكون ذلك الصادر عن عربات الشاونيات المجرورة خلال جولتهن للقيام بمهمة جمع النفايات وتنظيف الأزقة، قبل أن تشتد حرارة الشمس، وقبل أن يكثر الرواج بعد خروج السكان إلى الشوارع.
وفي تصريح لصحيفة "إلبيريوديكو" الإلكترونية الإسبانية، ذكر علي الريسوني، المؤرخ والباحث المغربي، المختص في التراث الأندلسي "رجال شفشاون لا يجرؤون على الاشتغال في جمع النفايات"، ولذلك تطوعت مجموعة من الشاونيات لممارسة المهنة بهدف إعالة أسرهن، ومساعدة الزوج في الاستجابة لمتطلبات الحياة اليومية.
وذكرت اليومية، أن السعدية حسين تعتبر من "قيدومات" النساء اللواتي اشتغلن في جمع نفايات مدينة شفشاون، فهي تشتغل في المجال منذ أكثر من عشرين سنة، وتحديدا منذ كانت تبلغ 30 سنة، ومازالت مستمرة في العمل نفسه بعد تجاوزها الخمسين سنة، إلا أنها منذ ما يقرب الخمس سنوات لم تعد تستطيع حمل كيس الأزبال على كثفها لإفراغه في السلة الكبيرة.
وأضافت اليومية، حسب تصريحات السعدية حسن، أنه قبل خمس سنوات، لم تكن تتوفر أي واحدة من العاملات في جمع نفايات المدينة على عربة تحمل وتجر فيها الكيس البلاستيكي الكبير بعد أن يمتلئ عن آخره بالأزبال، إلى أن تطوعت جمعيات إسبانية، بدعم من حكومة الأندلس المستقلة، التي منحت مجموعة من العربات المجرورة لبلدية الشاون، وزعتها بدورها على العاملات في جمع النفايات، ما سهل عليهن مهمة نقلها إلى حيث مكان الحاويات الكبيرة، التي تفرغ بعد ذلك في شاحنة جمع الأزبال عند مرورها في ساعات محددة من كل يوم، وإفراغها في ما بعد في مطرح النفايات الموجود بضواحي المدينة.
وقالت السعدية، حسب المصدر ذاته، إن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل إنه جرى أيضا منحهن بذلة خاصة، تميزهن عن باقي النساء، وهي عبارة عن قميص دون أكمام لونه أخضر فاقع، ترتديه كل العاملات في جمع النفايات، منهن متحجبات يرتدينه مع الجلباب، إضافة إلى حداء بلاستيكي"البوط".
رغم اقتناعها بأنها تمارس مهنة شريفة تغنيها عن الحاجة وإلى مد يدها للغير، فإن السعدية لم تتردد في الحديث إلى المصدر سالف الذكر، عن المشاكل اليومية التي تعانيها النساء العاملات في مجال جمع نفايات المدينة.
وتحكي السعدية بنبرة جزينة، تترجم مدى العناء والتعب اللذين يصيبانها جراء المهمة الصعبة التي عليها إنجازها، أن هناك العديد من الشاونيات العاملات معها اضطررن للعمل بعد أن تخلى عنهن الزوج وترك لهن أطفالا في حاجة إلى من يعيلهم ويطعمهم ويرعاهم. كما ذكرت أن من بينهن أرامل لا معيل لهم ولا مصدر مادي يغنيهم عن الحاجة إلى الخروج للبحث عن عمل لكسب بعض النقود وشراء ما يلزم من حاجيات يومية.
وشرح ذلك، المؤرخ الريسوني، بالقول " ليس أمام هؤلاء النساء خيارات أخرى، والحل الوحيد الذي يتوفرن عليه يبقى امتهان جمع النفايات، مع أنهن كما الرجال يعتبرنها مهنة غير مرضية، إلا أنهن يرونها أحسن من التسول أو السقوط في متاهات الدعارة والفساد".
من جهتها، ذكرت الوكالة الإسبانية "إيفي"، أن معظم هؤلاء النساء يتحدرن من ضواحي مدينة شفشاون، وتحديدا من قرى ومداشر المنطقة، هاجر معظمهن هروبا من الجوع والفقر، بحثا عن مصدر قوت يومي، فوجدن في جمع النفايات مصدرا للعيش يواجهن به صعوبات الحياة اليومية.
وأضاف المصدر أن المهنة تدر على كل المشتغلات بها أجرا لا يتجاوز 80 أورو شهريا، علما أنهن يشتغلن خمس ساعات يوميا، سبعة أيام في الأسبوع.
وقالت هشامة بدورها، متزوجة وأم لطفلين، في تصريحات ليومية "إلبيريوديكو"، إنها تشتغل في المجال منذ عشرين سنة، تستيقظ في حدود الرابعة والنصف من صباح كل يوم، مشيرة إلى أن مهمتها الأولى والأخيرة تكمن في تنظيف أزقة المدينة، خاصة أن السياح القادمين إلى شفشاون يخرجون منذ أولى ساعات الصباح، لأن الجو يكون في غاية الجمال، والمحلات التجارية تفتح أبوابها باكرا، للاستجابة إلى متطلبات السياح الراغبين في شراء تذكارات من صناعة المدينة التقليدية، لذلك، أضافت هشامة، يجب أن تكون المدينة في أبهى صورها وأحسن رونقها.
بدورها، وجهت هشامة شكرها وامتنانها إلى جمعيات المجتمع المدني، الإسبانية وأيضا المغربية، التي ساعدت الشاونيات المشتغلات في مجال جمع النفايات، إذ خففت عنهن العبء ومنحتهن آليات نقل أكياس الأزبال من مكان لآخر دون عناء أو جهد كبير، إذ أنهن من قبل كن يقمن بجولة في أزقة ودروب المدينة ويطرقن كل باب على حدة لجمع أكياس الأزبال في سلة يحملنها على أكتافهن.
وأكدت هشامة لليومية نفسها، أن الأمور اليوم غير ما كانت عليه بالأمس، لأن عربات نقل كيس النفايات التي تتوفر عليها كل واحدة وفرت عليهن الكثير من الشقاء والمعاناة.
ويرى عبد المغيث حسوني، عضو من جمعية التنمية المحلية بشفشاون، أن وضعية النساء العاملات في مجال النظافة وجمع النفايات تغيرت إلى أحسن، منذ حصولهن على عربات نقل الكيس المملوء بالأزبال.
وعادت السعدية لتكرر قولها، وهي تشير بيديها التي علقت بها الأوساخ، لأنها نسيت القفازات بالمنزل، إن العمل الذي تنجزه مثل غيرها من رفيقاتها الأخريات يتطلب جهدا يوميا وشجاعة كبيرة، موضحة أنه إضافة إلى المساعدات المادية التي تلقينها من طرف الجمعيات الإسبانية والمحلية، هناك الدور الكبير الذي لعبته الحملات التحسيسية التي تنظمها الجمعيات المحلية، والتي نبهت المواطنين من سكان المدينة إلى ضرورة الاهتمام بمنظر المدينة ونظافتها، وما لذلك من أهمية بالنسبة للتنمية السياحية وتشجيع السياح سواء المغاربة أو الأجانب إلى زيارة المدينة، نظرا لنظافتها ورونقها.
وأضافت السعدية أنها ورفيقاتها في العمل استغنين عن طرق أبواب المنازل لجمع أكياس الأزبال، لأن سكان المدينة يقومون بالمهمة ويحملونها يوميا إلى حيث الحاويات، مشيرة إلى أنهن يكتفين بجمع بعض الأزبال المنتشرة في بعض الأزقة والأحياء.
وعاد عبد المغيث حسوني ليؤكد كلام السعدية بالقول، إن الحملات، التي تنظمها جمعيات المجتمع المدني حول التحسيس بأهمية الحفاظ على المجال البيئي للمدينة نظيفا، أعطى ثماره في التقليص من رمي الأزبال في كل مكان، وبالتالي في نظافة المدينة، معبرا عن أمله في أن تسير المدن المغربية الأخرى على خطى شفشاون والحرص على النظافة، على اعتبار أنها من أهم وجوه الحضارة والتمدن.
وذكرت السعدية أن توقيت العمل يناسبها جدا، لأنها بعد انتهاء الفترة الصباحية في حدود التاسعة، حين تنتهي كل العاملات من جر الحاويات إلى خارج المدينة، وتأتي بعد ذلك الشاحنة لحملها إلى مطرح الأزبال بضواحي المدينة، تذهب لقضاء بعض حاجياتها المنزلية وإعداد ما يلزمها من غذاء لها ولأبنائها. وأضافت قائلة "بما أن العمل الذي أقوم به يساعدني على مواجهة مصاعب الحياة اليومية، فلا مجال للإحراج من ممارسته، الإحراج يجب تركه جانبا، المهم هو العمل الشريف لتفادي الوقوع في ممارسة مهن غير أخلاقية".