شرعت شركات قروض الاستهلاك والبنوك, في حملات دعائية جديدة, لتشجيع المستهلكين على الإقبال على منتوجاتها, التي تقول في كل مرة إنها محفزة وميسرة وبفوائد أقل.
ورغم أن تنامي القروض الموجهة إلى السكن, خصوصا "فوغاريم" و"فوغاليف", إضافة إلى المنتوجات التي تطرحها البنوك للاستفادة من عروضها في هذا المجال, ورغم أن معدل الفائدة قد يصل في بعض الملفات إلى 14 في المائة, إلا أن توجه نسبة كبيرة من المستهلكين, المنتمين إلى شريحة الموظفين والمستخدمين والعمال والمتقاعدين, إلى الاقتراض من أجل الاستهلاك, تعتبر من الظواهر المتنامية في المجتمع المغربي, كما تفسر الأرقام.
في نهاية 2007, بلغت قيمة القروض الاستهلاكية التي وزعتها الشركات المختصة, وعددها 20 شركة, إلى جانب البنوك, 30.6 مليار درهم, مقابل 5 ملايير فقط سنة 1995, في وقت تراجع الإقبال على القروض من أجل التجهيز المنزلي, الذي كانت في الصدارة خلال التسعينيات, لترك مكانتها لمجالات أخرى من قبيل السكن والسيارات, إضافة إلى القروض المقترنة بالمناسبات, مثل الدخول المدرسي وعيد الأضحى والعطلة الصيفية.
وكانت قروض الاستهلاك التي منحتها الشركات والبنوك شهدت نموا سنويا بلغ في المتوسط حوالي 30 في المائة, في النصف الثاني من التسعينيات، قبل أن يتراجع المعدل في السنوات الأخيرة, بفعل حدوث متغيرات تنظيمية وقانونية, دفعت الشركات إلى نهج سياسة أكثر انتقائية, حسب ما أفاد بنك المغرب, في البحث الذي أجراه في الموضوع.
مع ذلك مازال الإقبال على قروض الاستهلاك مرتفعا, لاسيما بالنسبة إلى الموظفين والمستخدمين, وكذا أصحاب المهن الحرة, خصوصا التجار والحرفيين. وفي هذا السياق تفيد الأرقام المتاحة أن القروض الممنوحة إلى الأشخاص, الذين تقل مداخيلهم عن 3 آلاف درهم, تمثل نسبة 40 في المائة, و35 في المائة بالنسبة إلى الذين لا تتجاوز مداخيلهم 4 آلاف درهم, والنسبة الباقية تمثل أصحاب المداخيل المرتفعة مداخيلهم, وهؤلاء يقترضون في الغالب لشراء سيارة, على خلفية ما يوصف بـ "الحوافز" المقترحة.
ويلاحظ أن القروض الاستهلاكية تجد إقبالا أكثر في شريحة الأشخاص المتراوحة أعمارهم بين 40 و49 سنة, إذ تصل النسبة إلى 40 في المائة, في حين ينخفض المعدل إلى 19 في المائة في شريحة الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 50 سنة,
وحسب البحث يشكل الموظفون والأجراء نسبة 93 في المائة من مجموع المقترضين للاستهلاك, والنسبة الباقية تمثل أصحاب المهن الحرة والمتقاعدين.
ولا تخلو ظاهرة اللجوء إلى الاقتراض من أجل الاستهلاك, من مخاطر, تصل في حالات عدة إلى ما يعرف بـ "خطر الإفراط في الاقتراض", الذي يؤدي بصاحبه إلى إضعاف المداخيل والاعتماد المستمر على الديون من أجل الديون", وبالتالي احتمال السقوط في دائرة الفقر, تحت تأثير الافتقار إلى الممتلكات. وكثيرا ما نبهت جمعيات حماية المستهلك إلى هذه الظاهرة, محذرة من أنها أحد الأسباب التي تلح على تنظيم قطاع قروض الاستهلاك, وفق ما يحمي المستهلك, ويجعله في مأمن من أي خطر.
دعا مشاركون في ندوة وطنية حول قانون قروض الاستهلاك, انعقدت أخيرا في الرباط, إلى تسليط الضوء على أسباب التوجه العام للمجتمع المغربي نحو قروض الاستهلاك, وبحث قواعد خاصة تنظم وتقنن هذا المجال, بشكل يوفر حماية خاصة للمستهلك.
وأوضح المشاركون, في هذه الندوة التي نظمها المركز المغربي للدراسات القانونية في موضوع "قانون قروض الاستهلاك: أي آفاق", أن هذه الظاهرة, التي أصبحت تعيشها الأسر المغربية, من خلال اللجوء إلى الاقتراض لتلبية حاجياتها, تزايدت بشكل لافت في السنوات الأخيرة, إذ ارتفعت القيمة الإجمالية لقروض الاستهلاك من 5 مليار درهم سنة 1995 إلى 30 مليار درهم سنة 2007.
وتوقفوا عند الأسباب الرئيسية التي تكمن وراء هذا التوجه, وتتمثل, على الخصوص, في التحول الديموغرافي الذي عرفه المغرب خلال الـ 20 سنة الماضية, وما ترتب عنه من تغيير على مستوى البنيات الاجتماعية والمعيشية.
وفي هذا السياق, أشار المشاركون, استنادا إلى إحصائيات صادرة عن الجمعية المهنية لشركات التمويل, إلى أن الأسر المغربية أصبحت تقبل بشكل متزايد على قروض الاستهلاك لتوفير كل الإمكانيات التي من شأنها توفير ظروف عيش مريحة.
وكان هذا التوجه المتزايد نحو قروض الاستهلاك, حسب المشاركين, سببا رئيسيا في ظهور ما يسمى بـ "المديونية المفرطة" للمقترض, التي تؤدي من الناحية القانونية إلى العجز عن التسديد, أي "حالة إعسار", مشيرين إلى خطورة هذا الوضع على الفرد والأسرة, سواء من الناحية القانونية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
فمن الناحية القانونية, تؤدي حالة الإعسار الناتجة عن المديونية المفرطة إلى إمكانية حجز ممتلكات الشخص وبيعها لتسديد الديون ومنعه من التصرف فيها, أما من الناحية الاقتصادية يصبح الشخص غير متوفر على أصول, ما يفقده كل ثقة, من شأنها أن تمنحه ائتمانا آخر في المستقبل.
من جانب آخر, أشار بعض المتدخلين إلى أن المرجع الأساسي والقانوني في هذا المجال يبقى هو قانون الالتزامات والعقود, خاصة الباب المتعلق بعقد القرض (الفصول من870 إلى 878 ), معتبرين أن هذه النصوص لا توفر الحماية الضرورية للمستهلك المقترض في علاقته بمؤسسات القروض, باعتبار أن عروض هذه الأخيرة تبدو في ظاهرها مشجعة, لكنها في الواقع تنطوي على عواقب مجهولة تضر بقدرة المستهلك المعيشية.
في هذا الإطار, دعت المداخلات إلى إعادة النظر في العلاقة غير المتكافئة التي تجمع بين المتعاقدين, التي غالبا ما يكون فيها المقترض بمثابة "الحلقة الأضعف", التي تفتقر إلى الخبرة القانونية والمعرفية.
وللحيلولة دون الوصول إلى مرحلة المديونية المفرطة والسقوط بالتالي في حالة الإعسار, تقدم المشاركون, عقب مناقشة مكثفة لمشروع قانون حماية المستهلك, بمجموعة من الاقتراحات تصب جميعها في سلسلة من التدابير الحمائية المعمول بها في بعض القوانين المقارنة بخصوص الوقاية والمعالجة لوضعية الإعسار أو المديونية المفرطة للأفراد.