أول ما تلاحظه وأنت تزور مقاهي القمار بالدار البيضاء، الحالة المزرية لمرتاديها رجال كثر تخالطهم بعض النسوة.
يرتدون ملابس بالية وتكاد الصناديل الجلدية والبلاستيكية لا تحمي أقدامهم من لسعة البرد وقساوة الأرض، وحد بينهم الرهان وحب الثراء السريع حتى أنساهم ما دونه.
الكل ممسك بقائمة بيضاء مخططة بالأسود، وكأنها شهادة حياة أو أكثر من ذلك، يتشاورون حول الأرقام والخيل والعربات والكلاب، لكنهم يحرصون بعناية أن لا يرمق الواحد منهم الآخر عند ملء الخانات، فلن يكون المكسب مهما إذا شاركك فيه أكثر من فائز أو اثنين. ورغم أن هناك مستشارين محترفين يجالسون مدمني اللعب في أي مقهى، ويقدمون تقريبا نفس النصيحة لكل واحد منهم حسب قوة الحصان وخبرة فارسه أو كلبه، إلا أن اللعب لا يحلو دون شيء من المخاطرة التي أثبتت غير ما مرة أنها كانت أكثر جدوى من الحسابات المعقلنة...
لكن تشبث هؤلاء البؤساء إلى آخر رمق في حياتهم باللعب، ليس دافعه الإدمان فقط، وإنما الرغبة في تحقيق ما توصل إليه عديدون، غير اللعب مجرى حياتهم، ومنحهم نفسا جديدا في الصمود ومقاومة احتقار الآخرين. فكما نقول باللفظ الدارج "ذبحة أولا ربحة"، فإذا كانت غالبية المراهنين تتعرض للذبحة، فإن البعض الآخر تمكن من تحقيق "الربحة" فترك اللعب بعد اغتنائه أو ظل متشبثا بما منحه بعض الحظ في حياة كان عنوانها البؤس والحرمان...
عبد الرزاق واحد من المراهنين المدمنين. يعتبره سكان الحي أذكى مراهن، فبعد ربحه لمبلغ يتجاوز40 مليون سنتيم، وهو مبلغ غير مجرى حياته تماما، فبعد أن كان يعيش حالة الفقر المزرية، إذ كان عمله كبائع للسجائر بالتقسيط لا يفي بحاجيات أسرته المتكونة من خمسة أفراد وأم عجوز .. ساعده المبلغ الذي حصل عليه على اقتناء شقة في الحي نفسه، وشراء محل تجاري صغير، حوله إلى "تيليبوتيك".
كان سكان الحي لا يعيرونه اهتماما قبل ربحه الرهان، خصوصا وأن وضعيته المالية لم تكن لتسمح له، أن يقتطع جزءا من دخله البسيط ليحوله إلى هذه اللعبة التي يقف منها المجتمع موقفا سلبيا. وكان أصدقاؤه ينظرون إليه بنوع من الأسى معتقدين أن حالة الإدمان هذه لن تفارقه أبدا.
يقول عبد الرزاق:" كان الرهان بالنسبة لي عملية تجارية، كنت وكأني أوظف أموالا في مشروع ما. كان لدي إحساس أنني يوما ما سأجني أرباحي من هذا المشروع.. إن عملي هذا يشبه عمل أشخاص يؤسسون شركة بأموالهم الخاصة، وهم لا يضمنون إطلاقا سير هذه الشركة ولا حتى الربح ويضعون في حسبانهم الخسارة.. بالنسبة لي ليس هناك فرق.. الخسارة كانت واردة.. والربح أيضا كان واردا.
وبعد ربحي لهذا المبلغ فاجأت الجميع بإمكانية الربح كما فاجأتهم بانقطاعي الكلي عن الرهان.. بالنسبة لي الإدمان يمكن تجاوزه إذا توفرت أبسط الشروط وتحسنت الظروف المعيشية"...
عكس عبد الرزاق، فحميد لا يعاني من الفقر إطلاقا فهو يملك محلا لبيع أجزاء السيارات ومشاريع أخرى.. يقول عن اللعبة:" إنها بالنسبة لي تسلية نفسية لا أستغني عنها.. إن جانب الترقب في هذه اللعبة(انتظار النتيجة)، هو ما يجعلني متعلقا بها إلا أنني أقوم بتقنين رهاناتي على أن لا أتجاوز مبلغا محددا في الأسبوع.. إلا أن الجانب النفسي هو الذي يجعلني مرتبطا بهذه اللعبة.. فالجلوس في المقهى بطقوسها.. وقراءة الجرائد المتعلقة بالرهانات.. وتبادل المعلومات مع المراهنين داخل المقهى وقراءة "البروكرام".. وحالات التوثر النفسي والانفراج، كل هذه أمور تضيف معنى جديدا لحياتي.. بالطبع أنا أنتظر يوما ما أن أربح.. لكني لا أربط مصيري بهذا الربح.. المتعة النفسية أولا والمكسب ثانيا"...
كعادته كل جمعة يتوجه عبد الكريم إلى مقهى الحي حيث يجد بعض أصدقاء اللعب الذين يتعاونون معه على ملء القسائم، التي سيشارك بواسطتها في الرهان على بعض سباقات يوم السبت. فمنذ أزيد من 20 سنة وهذا الكهل المقبل على الستين من عمره مواظب على متابعة سباقات الخيل، والمشاركة في رهاناتها حتى ولو كلفه الأمر آخر درهم في جيبه، رغم أنها لم تنصفه بعد بفوز عظيم يعوضه خساراته المتتالية منذ زمن.
يدخل هذا المراهن المتمرس قائمة اللاعبين المدمنين على سباقات الحظ، فلا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يتوقف عن إهدار ماله ومدخرات زوجته وأولاده، في اللعب الذي امتزج بدمه وأصبح أساس حياته وكينونته. فقد فشلت جميع محاولاته ومحاولات عائلته، في جعله يكف عن اللعب وينهي مشاكله المادية الكثيرة التي تكاد تكلفه استقراره الأسرية، الذي أصبحت تتقاذفه حوافر "جوني وإلكا" في سباقات الإبودروم.
وعند محاولتنا الحديث معه ظل عبد الكريم مترددا كثيرا قبل أن يقبل محادثتنا حول لهفته الكبيرة للعب وإيمانه العميق بقدرته على خلق المفاجأة والفوز وإن جاء متأخرا، فلطالما عانى في حياته من عدم تقبل محيطه لهوايته المكلفة هذه، ورفض أقرب المقربين إليه شغفه بالمراهنة. يقول:" يمر الناس من أمام المقهى أو من أمام بعض مكاتب المراهنة وينظرون إلينا باشمئزاز وشفقة، وكأنهم يرمقون المرشحين المقبلين للعذاب الإلهي بنار جهنم، فمازال جل المغاربة يعتبرون اللعب ذنبا عظيما يعاقب عليه الله.
كان عبد الكريم يكلمنا بنبرة غاضبة، رغم أن سؤالنا لم يكن يتضمن أي نوع من الاستفزاز، فمجرد شرح أسباب حبه للرهان وتبديده معظم مذخراته، يوتر أعصابه المشدودة من كثرة المشاكل الأسرية التي تتسبب فيها زياراته المتكررة لمراكز المراهنة. يقول:" أصبحت زوجتي وأولادي يحذرون على أكياس نقودهم ومجوهراتهم كلما دخلت البيت، بل إنهم يقفلون على بعض الآلات الإلكترونية بالأدراج عندما يذهبون في زيارات عائلية. يحدث هذا رغم أنني عندما أحتاج لأي مبلغ مالي أطلبه منهم صراحة، لكنهم يعتبرونني مقامرا لا أستحق الائتمان أو الثقة.
أما إخوتي أصبح العديد منهم يقفل بابه في وجهي كلما فكرت في زيارتهم، أو يخبرون حارس العمارة بادعاء عدم وجودهم كلما حضرت، وكأنني مرض معد ينصح باجتنابه"...
ظل إبراهيم حائرا لا يدري أين سيقضي ليلته هذه، بعدما انتهت قائمة أصدقائه الذين حل عليهم ضيفا طيلة الثلاث أسابيع الماضية، بعدما طردته زوجته من البيت وهددته بإبلاغ الشرطة في حال عودته إليه. ورغم وضعه المتأزم هذا إلا أن إبراهيم لم يفقد الأمل بعد في أن يتحسن وضعه، في حال صدق تنبؤه بسباق هذا الأسبوع. يقول:" تشاجرت مع زوجتي بعدما اكتشفت أنني بعت ما كانت تختزنه لابنتنا الكبرى من أجل زواجها، رغم أنها غير مخطوبة بعد ولم يدق بابنا أي عريس بعد. فقامت باختلاق شجار كبير معي وهددتني بأن تتقدم بشكاية سرقة إلى الشرطة، إذا لم أقم بإرجاع الملابس في أقرب الآجال كما طردتني من المنزل الذي دفعت إيجاره لسنوات طويلة"...
معلم اللغة العربية السابق، لم يتعلم شيئا من مغامراته الفاشلة مع حلبات السباق، التي سبق وأن قادته إلى العديد من أقسام الشرطة بسبب الشيكات التي ظل يوزعها يمينا وشمالا على معارفه، كي يقرضوه ما يلزمه من مال لمراهناته. ديون سارعت زوجته غير ما مرة إلى تسديدها عنه، حتى لا يزج بوالد أبنائها في السجن وتسوء سمعة العائلة أكثر مما هي عليه اليوم. يقول إبراهيم:" حاولت غير ما مرة التوقف عن اللعب، لكنني في كل مرة، أكون متيقنا من الفوز وتعويض عائلتي عن جميع المحن المادية التي تسببت لهم بها. أصبح الرهان جزءا من حياتي بل إنه كل حياتي، ولا يمكن أن أتخيل نفسي يوما أمر بجانب المقهى أو أحد مكاتب المراهنة، دون أن أدخل كي أتعرف على لائحة السباقات والخيول المفضلة وعلى النتائج أيضا، حتى وإن كانت مخيبة لأملي، ففي كل مرة أهدر فيها الفوز لأنني لا أركز كما يجب"...
اضطرت أسرة إبراهيم إلى تغيير المنزل مرات عدة، هربا من دفع الكراء المتأخر وأيضا من الجيران الذين لهم جميعا ديون في ذمة إبراهيم، ولم تعد أسرته تقوى على تخليصها. فرغم اشتغال زوجته وابنته البكر وتوصله بمعاش التقاعد النسبي، إلا أن أسرة إبراهيم لا تكاد تجد ما تقتات به بعد دفع ديون رب الأسرة الكثيرة. يقول:" عندما أتوصل بمبلغ مهم أعاهد نفسي أن لا أبدره على الرهان، لكن في كل مرة أجد قدمي تسيران بي إلى مكتب المراهنات، وأدفع كامل المبلغ على الحصان (الفافوري) الذي لا أعلم كيف أنه يفقد ميزته هذه في كل مرة، ويتسبب لي في مشاكل عديدة."
فقد إبراهيم احترام أسرته وأقربائه الذين قطعوا أي علاقة لهم به، فلم يعد أحد يأتمنه على منزله أو حاجاته، خاصة وأن زوجته تحذرهم في كل مرة من أن يقرضوه المال أو أي شيء آخر، لأنها لن تكون مسؤولة إن رفض إعادته إليهم.
إقصاء ونبذ أسري وفقدان للكرامة ولمحبة أقرب المقربين، مصير يشترك فيه مدمنو ألعاب الحظ والمراهنات، الذين تقودهم حماقة وحلم الثراء السهل والسريع، إلى التضحية بكل ما اكتسبوه طيلة حياتهم من مال وعائلة ووضعية اجتماعية.