جمعية العرفان للعمل الثقافي والاجتماعي، هي واحدة من تلك الجمعيات التي تؤمن بالكفاءات التي من شأنها أن تساهم في بناء مجتمع مدني فاعل في التنمية.
مجتمع يعتمد كافة أفراده وأطره للمزيد من العطاء. وهكذا انطلق عملها من مبدأ رئيسي لنجاح مهمتها وتحقيق أهدافها، وهو تعميق الوعي بأهمية العمل الجمعوي التطوعي في التنمية المحلية.
تأسست قبل 16 سنة لتقدم نوعا جديدا من العمل الجمعوي بهدف إضفاء مجهوداتها لمجهودات الفاعلين الآخرين، الذين يعون أن غنى المغرب هو بغنى عنصره البشري.
يقول رئيس الجمعية عبد العزيز قراقي: "التأسيس جاء عقب نقاش كبير طرحه عدد من الغيورين على مجتمعهم والمنشغلين بقضاياه، في أوائل التسعينيات، وهو كيف يمكننا تقديم شيء لهذا المجتمع بعيدا عن ما هو سياسي، شيء يجيب عن بعض الانتظارات والرهانات الاجتماعية التي تؤرق المواطن البسيط".
تأسست جمعية العرفان سنة 1992 بهدف المساهمة في التكوين والتنشيط الثقافي والعمل الاجتماعي.
كانت البداية ببرنامج لمحو الأمية. والحصيلة حتى الآن جد إيجابية بحوالي 13327 مستفيدا من دروس محو الأمية وتكوين الكبار"فكل سنة نعرف عددا مهما جديدا من المستفيدين، فبعد 10 نساء مستفيدات سنة 1992 انتقل العدد بعد سنتين فقط إلى 1000، وهو عدد المستفدين سنويا حتى الآن".
يعود نجاح هذا المشروع الوطني إلى مساهمة الجمعية في تأطير وتكوين حوالي 60 مكونا ومكونة في مجال محاربة الأمية، و7 مشرفين.
لقد عرفت الجمعية، عند تأسيسها، أنشطة محدودة موزعة بين ما هو تحسيسي مثل المشاركة في بعض حملات التوعية انطلاقا من تنظيم موائد مستديرة وندوات ومحاضرات سواء تعلق الأمر بمحاربة بعض الأمراض مثل داء فقدان المناعة المكتسبة أو من خلال توعية الشباب بمخاطر بعض الظواهر مثل المخدرات، غير أن محدودية هذه الأنشطة، وضعف إقبال الشباب عليها بسبب انتشار وسائل الترفيه وتراجع الإقبال على دار الشباب الزرقطوني، جعل الجمعية تفكر في أنشطة أخرى يمكن أن تكون أكثر تلبية لحاجات المحيط الذي تنشط فيه، ما دفعها إلى خلق دينامية سوسيو ثقافية على مستوى عمالة الدار البيضاء أنفا. هذه الدينامية تجلت في عدد من المشاريع التي همت تكوين الشباب، بشكل خاص، في تخصصات اعتبرتها مدرة للدخل. ويتعلق الأمر بمشروع تكوين مساعدين اجتماعيين، يهدف إلى تنمية وتطوير الخبرة والكفاءة المحلية في مجال المساعدة الاجتماعية، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وهو أول مشروع على مستوى جهة الدار البيضاء الكبرى، تشرف عليه مجموعة من الكفاءات الجامعية والمهنية، ويمول بشراكة بين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والتعاون الوطني والجمعية. وسيتخرج منه نهاية هذه السنة أول فوج من 23 مساعد اجتماعي "وهو برنامج تكوين يساعد الشباب على تلقي مبادئ المساعدة الاجتماعية، خصوصا أننا لاحظنا أن المغرب يعاني خصاصا كبيرا في مجال الوساطة الاجتماعية أي غياب مطلق لأشخاص مؤهلين للاستماع لمشاكل الناس ونقل حاجياتهم أو توجيههم للجهات المختصة. فمن خلال هذا التكوين الذي وفرته الجمعية يمكنهم أن يكونو منشطين في المجال السوسيو ثقافي أو مساعدين اجتماعيين في بعض القطاعات، سواء في الشغل أو التعليم أو الصحة، بالإضافة إلى إمكانيات توظيفهم في مجال القيام ببعض الدراسات الكبرى" يشرح رئيس الجمعية الذي يعتبر أن هذا النوع من التكوين يتيح إمكانية وضع رأسمال بشري رهن إشارة بعض المؤسسات، سواء العمومية أو الخاصة، التي تحتاج إلى خدمات المساعدين الاجتماعيين.
ودائما في إطار هذه الدينامية السوسيو ثقافية، تنكب جمعية العرفان حاليا على إنجاز
مشروع تشخيص اجتماعي تشاركي، يهدف إلى تحقيق مقاربة خاصة بظاهرة التنمية البشرية على مستوى الدرالبيضاء أنفا وتستهدف أربعة أحياء هي: كاريان المسعودي، والمدينة القديمة، وقطع ولد عائشة، ودرب غلف. وهو مشروع ينطلق من تصور علمي للتنمية البشرية، وقعت الجمعية بشأنه اتفاقية مع عمالة مقاطعات الدار البيضاء أنفا، ليشارك في إنجازه ما يفوق 64 شخصا، من بينهم المساعدون الاجتماعيون الـ 23 الذين كونتهم الجمعية في إطار تدريبهم النهائي للتخرج. ويتكون هذا التشخيص من استطلاع للتعرف على حاجيات السكان في الأحياء المعنية. عن هذا المشروع يقول عبد العزيز قراقي "نحاول، من خلال هذا التشخيص، رصد ظاهرة التنمية البشرية التي انطلقت منذ سنوات، سواء قبل مجيء المبادرة أو بعدها، والتعرف على المشاكل التي تؤرق السكان وانتظاراتهم، وذلك حتى نتمكن من صياغة برنامج تنموي بشري في هذه المناطق التي نعتبرها الأكثر تضررا من الفقر على مستوى عمالة أنفا".
وفي إطار الانفتاح على محيطها، عقدت الجمعية مجموعة من الشراكات كان أبرزها، تلك التي عقدت مع مجموعة من المؤسسات التعليمية مثل إعدادية الزرقطوني ومدرسة عبد المومن. هذه الشراكات خولت الجمعية استغلال قاعات المؤسسة في دروس محو الأمية ليلا، مقابل أن تساهم الجمعية في عدة أنشطة تخدم تلاميذ المؤسسات. وهكذا، استفادت إعدادية الزرقطوني من مشروع للتشجير،هدفه خلق دينامية خاصة داخل وسط التلاميذ، ويساهم في تكريس ما يتلقونه على مستوى المحافظة على البيئة، ولكن في نفس الوقت سعى إلى جعل التلاميذ يشعرون بأن المؤسسة هي فضاء خاص بهم يتعاملون معه انطلاقا من تصورات جديدة تتجاوز علاقات الدراسة.
ساهمت الجمعية في تأسيس فريق صوتي متخصص في الإنشاد العربي والمغربي الأصيلين يتكون من تلاميذ إعدادية الزرقطوني، وتكلفت الجمعية بمصاريف التكوين الأكاديمي الذي ما زال مستمرا إلى اليوم، كما وضعت الجمعية، بموجب هذه الشراكة، رهن إشارة الفريق، أستاذا متخصصا في مجال الصوت والموسيقى سهر طيلة هذه السنة على تكوين هذا الفريق" الغاية منه خلق دينامية ثقافية تنموية داخل المؤسسة، بحيث يشعر التلاميذ معها أن لهم روابط جديدة بمؤسستهم التعليمية، "وفي حالة نجاح التجربة سنعمل على تعميمها على مؤسسات أخرى، على أساس أن تجرى نهاية كل سنة مباراة بين هذه الفرق الصوتية بهذه المؤسسات، وتستفيد منها كل مؤسسة ترغب في تنظيم نشاط داخلي" يقول قراقي.
أما بالنسبة لمدرسة عبد المومن، فإن الجمعية وضعت رهن إشارتها مساعدين اجتماعيين ساهموا، بشكل فعال، في وضع مقاربة جديدة لوضع تصور لكيفية محاربة الهدر المدرسي، وهو التصور الذي أفضى إلى نتائج ملموسة.
في جعبة جمعية العرفان الكثير من الأفكار والمشاريع الجديدة. لكن الإمكانيات المادية تحول دون ذلك، كونها تعتمد على مواردها الخاصة، كما تعوزها الأطر المتفرغة للعمل الجمعوي "نحن لسنا محترفين بل فقط متطوعين لدينا واجبات مهنية وعائلية أخرى"، كما يعوزها مقر خاص بالجمعية "على اعتبار أن مقر دار الشباب الزرقطوني الذي نزاول فيه أنشطتنا، يبقى مرتبطا بتوقيت معين خاص بمختلف أنشطة الدار، لهذا يبقى مطمحنا هو التوفر على مقر خاص بجمعيتنا حتى يمكننا توفير أكبر عدد من البرامج والمشاريع التي من شأنها المساهمة في تشغيل الشباب، كإحداثها مثلا مراكز للاستماع أو للمساعدة الاجتماعية، أو غيرها".
لم تشغل العلوم السياسية التي يدرسها عبد العزيز قراقي، لأزيد من 12 سنة، عن الاهتمام بالعمل الاجتماعي، لإيمانه بأنه مسؤولية كل فرد له من المؤهلات أو الكفاءة ما يخوله خدمة هذا المجتمع. إنها الفكرة الأساسية التي خدمت تأسيس الجمعية، وبالتالي قدم، أنذاك، كل فرد من المؤسسين ما في إمكانه، سواء فنيا أو علميا، لإنجاح مشروع تأسيس جمعية اعتبروها جزءا من المشروع المجتمعي الحديث.
وتشتغل الجمعية على أساس تطوعي محض، وفق قانونها الأساسي، بمكتب يتكون من 9 أشخاص، وبمجموعة من اللجن تقوم بتفعيل قرارات المكتب. كما تعمل بعدد من المنخرطين الذين يفوقون 60 منخرطا، ما يخلق دينامية خاصة تبعث الكثير من التفاؤل بالمستقبل داخل الجمعية.
هذا التفاؤل يشوبه بعض العتاب من طفلين، عبد القادر و...... ، يريان أن العمل الجمعوي سرق بعض وقت والدهما منهما، لكنه عازم على نقل "الفيروس" لهما، لأنهما فردين من المجتمع ولا يمكن لمن يعيش داخل المجتمع ويتفاعل معه، أن يبقى بعيدا عن قضاياه وهمومه، ولأنه يؤمن بأن العمل الجمعوي، مهما قل، "فهو بذرة يمكن أن تنتج في يوم من الأيام سنابل وحقولا، إذا عمت الإرادة جميع الناس الذين يتقاسمون نفس الأفكار، في خدمة المجتمع، وهذا البلد الذي نحبه جميعا" يقول عبد العزيز قراقي، رئيس جمعية العرفان للعمل الثقافي والاجتماعي.