استتباب الأمن مسؤولية مشتركة بين المجتمع والأمن

الأربعاء 28 ماي 2008 - 10:49
المواطنون تعانوا بشكل كبير في حي الفرح مع الشرطة في تعقب المجرمين

أجمع المشاركون في لقاء نظمته لجنة الشؤون الثقافية بمجلس مدينة الدارالبيضاء، مساء الخميس الماضي، حول موضوع "دور المجتمع المدني في ترسيخ ثقافة الأمن والتعايش".

على أن الظواهر الإجرامية بمختلف أشكالها أصبحت تحتم اليوم ضرورة تكاثف الجهود ما بين المصالح الأمنية والسلطات والمجتمع المدني، للتصدي لجميع لظواهر السلبية التي تهدد سلم وأمن المجتمع.

ولعل أبرز مثال على التعاون المشترك، الذي أسس لعلاقة جديدة تشاركية ما بين المجتمع ومصالح الأمن، ذلك الذي ظهر جليا إبان الأحداث الإرهابية لشهري مارس وأبريل 2007، بكل من سيدي مومن وحي الفرح وشارع مولاي يوسف، إذ أبان المواطنون عن رباطة جأشهم واستعدادهم للتضحية بأرواحهم في سبيل التصدي للإرهاب والتطرف، وسارع العديد منهم إلى مساعدة رجال الأمن في البحث عن الإرهابيين، ودلهم على الأماكن التي فروا منها أو اختبأوا فيها، بل وساهموا في اعتقال عدد منهم، كما حدث مع زعيم خلية حي الفرح، الذي ظل يختبئ ثلاثة أيام تحت سرير، قبل أن ينكشف أمره، ويعتقله مجموعة من الشباب، ويسلموه للشرطة.

واعتبر مصطفى رهين، رئيس لجنة الشؤون الثقافية بمجلس مدينة الدارالبيضاء، في مداخلته، أنه لا شك أن الدولة تتحمل المسؤولية الأكبر في إدارة شؤون البلاد من منع الجريمة قبل وقوعها ومكافحتها والكشف عنها والقبض على مرتكبيها والحفاظ على الأمن وحماية الأرواح والممتلكات، لكن ينبغي أن نعي أنه لا يمكن لأي دولة مهما كانت قدراتها وقوتها، أن تقوم بكل شيء، وبالتالي لا بد أن يشمر المجتمع المدني على ساعديه ويستنفر قدراته لضم جهوده إلى جهود الإدارة من أجل تجفيف منابع الإجرام، ووقاية أبناء المجتمع من السقوط في مهاوي الفساد والانحراف.

وشدد المستشار رهين، على أن المفاهيم الجديدة للشراكة المجتمعية تدفع في اتجاه نشر ثقافة المسؤولية الوطنية المشتركة في الحفاظ على أمن المجتمع، مؤكدا على أهمية إشراك جميع فئات المجتمع في الدائرة الاجتماعية للسلم الاجتماعي، لأن الإشراك بحسب رأيه، سيفسح المجال لأصحاب الكلمة المؤثرة في المجتمع للتصدي لأي شكل من أشكال الإضرار بالسلم الاجتماعي.

واستشهد مصطفى رهين بإحصائيات عن الجريمة في الولايات المتحدة الأميركية، وقال إنه يسجل حالة قتل كل 22 دقيقة، واغتصاب كل 5 دقائق، وسرقة كل 49 ثانية، مشددا على أنه لمواجهة هذه الظواهر، فإن المجتمع المدني معول عليه في الجانب التأطيري والتحسيسي والتعبوي، لقيادة قاطرة السلم المجتمعي والتعايش.

من جانبه، أوضح الدكتور محمد ضريف، أستاذ العلوم السياسية، في مداخلته تحت عنوان "دور المجتمع المدني في ترسيخ ثقافة الأمن"، أنه ينبغي أيضا أن نعطي للمجتمع كذلك دورا يلعبه في استتباب الأمن، مشيرا إلى أن هناك شروطا أساسية تؤمن نجاح المجتمع المدني برمته في القيام بهذه المهمة.

وقال ضريف إن الشروط تتمثل، أولا، في الدور المعنوي والأدبي الذي يؤكد على أهمية التثقيف والتوعية، وثانيا، تتعلق بالدور اللوجيستيكي، أي مساهمة المجتمع ماديا في دعم الأمن.

وتحدث ضريف بخصوص الدور اللوجيستيكي عن تجارب أستراليا وجنوب إفريقيا وولاية فيرجينيا في أميركا، إذ تقوم جمعيات غير حكومية بمنح هبات مالية لدعم الأجهزة، وسد الخصاص الحاصل في بعض المناطق.

وشدد الدكتور ضريف على أهمية المجتمع المدني في ترسيخ واستتباب الأمن، وقال إن "الدولة قدمت استقالتها في عدد من المجالات، وعلى المجتمع المدني أن يتدخل لسد هذا الخصاص".

ودعا محمد ضريف إلى مركزية المجتمع المدني في السياسات العمومية في إطار الديموقراطية التشاركية، واعتماد مبدأ الحكامة الجيدة وتخلي الدولة عن احتكار الأمن، وترسيخ ثقافة القرب، واعتماد سياسة أمنية جديدة، وإعادة بناء الثقة ما بين المجتمع والأمن، من خلال تجسيد الممارسات الديمقراطية على أرض الواقع.

وبعد أن أكد على أهمية تنويع الفرقاء الأمنيين وبناء سياسة أمنية جديدة (أجهزة أمنية تعمل في القطاع الخاص والقطاع المختلط)، تطرق إلى تجربة التدبير المفوض للأمن في عدد من الدول، ومنها جنوب إفريقيا، التي أصبحت تعتمد الأمن الخاص في 21 منطقة، وهي مهمة موكولة للمجتمع المدني للإشراف عليها وتمويلها.

من جهته، تطرق الإعلامي عبد الرحيم أريري إلى الموضوع من زاوية "دور الإعلام في ترسيخ مبادئ الأمن والتعايش"، وقال إن الحديث عن الحكامة الأمنية، يوحي اليوم بأن المغرب مر من مستوى الانغلاق والتكتم، إلى مستوى الإشراك والاطلاع، غير أنه لم ينفي أنه ما تزال هناك خصومة قائمة ما بين الجسمين الإعلامي والأمني، تجعل في بعض الأحيان رواج المعلومة غير ذات مصداقية، من خلال تذبذب وحيرة الأجهزة الأمنية في الجواب عن حادث ما، ونهج سياسة الأبواب الموصدة.

وأشار أريري إلى أن وسائل الإعلام تتطرق إلى قضايا مجتمعية مهمة وظواهر خطيرة جدا، ملحا على جمعيات المجتمع المدني لكي تلتقطها وتتبناها وتساهم من موقعها في محاربة هذه الظواهر إلى جانب المصالح الأمنية، عن طريق تشكيل شبكة جمعوية قوية، تتخصص كل واحدة منها في ظاهرة معينة.
واستأثر تدخل نجاة أنوار، رئيسة "جمعية ما تقيش ولدي" باهتمام وتأثر كبيرين، عندما تحدثت عن حجم المعاناة المأساوية للأطفال ضحايا الاعتداءات الجنسية، نتيجة غياب الأمن وثقافة الوعي، معتبرة أن دور المجتمع المدني محوري في مواجهة الظاهرة، بتعاون مع المصالح الأمنية، من خلال التأطير والدعم والمساندة والضرب بيد من حديد.

وأبرزت أنوار أن دور الجمعية منذ تأسيسها في 2004، يتمثل في الجانب الوقائي والمتابعة، من خلال حملات تحسيسية في عدد من المدن والمدارس لتوعية الأطفال وآبائهم بظاهرة الاعتداء الجنسي، مشيرة إلى أن الجمعية نصبت نفسها طرفا في عدد من القضايا من هذا النوع، وتمكنت من كسر الطابو وإزاحة حجاب السرية عن هذا الموضوع.

وكشفت نجاة أنوار أن السياحة الجنسية اكتسحت بلادنا بقوة في الآونة الأخيرة، وهو ما يستوجب تكاثف الجهود ما بين المصالح الأمنية وجمعيات المجتمع المدني، للتصدي لهذه الظاهرة، ومحو صورة أن بلادنا أضحت أرضا خصبة للتعاطي لدعارة القاصرين.

وأعلنت رئيسة "جمعية ما تقيش ولدي" أن متوسط الحالات التي ترد على مكاتب الجمعية يوميا يصل إلى 10 حالات، مؤكدة على ضرورة معاقبة مستغلي الأطفال جنسيا، وعدم تمتيع السياح بالحصانة، وكذا الأخذ بتصريحات الأطفال الضحايا، رغم أنهم قاصرون، وسن قوانين عقابية وزجرية للضرب بيد من حديد على هؤلاء الوحوش البشرية.

وتبين من خلال النقاش الساخن، الذي دار بين ممثلي بعض الجمعيات ومؤطري اللقاء أن الضرورة أصبحت ملحة لتكاثف الجهود ما بين الدولة والسلطات الأمنية، لمواجهة جميع أشكال الجريمة والظواهر السلبية من مخدرات وشيشة وكحول، التي أضحت تتربص بالأطفال والشباب في كل مكان.

وذهب بعض المتدخلين إلى الكشف أن كحول ماء الحياة أضحى يباع أمام بوابة بعض المدارس بالكأس، ناهيك عن القرقوبي والسجائر ومخدر الشيرا، مشيرين إلى أن مقاهي الشيشة هي الأخرى أصبحت مقصدا يوميا للعديد من التلاميذ والقاصرين، ومرتعا للدعارة والفساد.




تابعونا على فيسبوك