في مبادرة تعد الأولى من نوعها في المغرب إن لم تكن على المستوى العالمي، سيكون لمرضى داء" بهجت" نصيب من الاهتمام والتشخيص والفحص بعد جهد جهيد، من خلال الأبواب المفتوحة التي نظمتها جمعية مرضى ومعاقي "داء بهجت"،
على مدى ثلاثة أيام، امتدت من الأربعاء 21 ماي إلى غاية أمس الجمعة 23 ماي، بمستشفى مولاي يوسف بالدار البيضاء.
يقول مصطفى مقدم، رئيس الجمعية:"اكتشفنا أن أغلب المواطنين يفتقرون إلى معلومات حول هذا الداء، وحتى المصابين منهم الذين لا يهتدون إلى الكشف عنه مبكر، لذا تأتي هذه الأيام الطبية من أجل التعريف بهذا الداء، وإتاحة الفرصة للمرضى للقيام بالفحوصات اللازمة مجانا".
وعرفت الأيام المفتوحة الكشف من 400 إلى 600 حالة في اليوم، قدمت من مختلف جهات المملكة، وأشرف عليها ثمانية أطباء من تخصصات طب العيون، والطب الباطني، والجلد...
الدكتور جطو، مدير المستشفى الجهوي مولاي يوسف، اعتبر أن "الحملة ليست خاصة بالمرضى بل حتى الأطباء للتحسيس اتجاه هذا المرض الذي ينتشر أكثر في دول البحر الأبيض المتوسط، والذي يجهل المواطنون أعراضه، وحتى بعض الأطباء. لهذا، نطلب منهم أن يكون الكشف شاملا حين تبدو لهم أعراضا أولية للمرض، لأن هذا الكشف الشامل هو الذي سيحسم في إصابة المريض بداء "بهجت" أم لا" وقال إن العلاج ممكن وموجود، فقط ينبغي الوعي بالمرض حتى يتوجه التوجه الصحيح. فالأمر يحتاج إلى دواء "لا كولشيسين" الذي لا يكلف غاليا لكنه دواء أبدي.
أما الدكتور سمير بطال، طبيب باطني ومسؤول بقسم التشخيصات الطبية في مستشفى مولاي يوسف، أوضح خلال لقاء صحفي، بمناسبة هذه التظاهرة، أن المغرب ما زال بعيدا عن الأرقام الحقيقية لعدد المصابين بالداء، بسبب عدم اعتبار وزارة الصحة المغربية داء "بهجت" من الأمراض التي تطرح إشكالات على الصحة العمومية. ولهذا يحتاج الأمر تجند كل الفعاليات الصحية والطبية من أجل مساعدة المريض على البوح بمشكلته أولا، ثم التعرف بدقة على الأعراض التي تساعد على كشف المرض مبكرا، وبالتالي العمل على الحد من خطورته وجعل المريض يتعايش معه طيلة حياته، ما لم يتطور الداء بسبب توقف العلاج.
تأسست جمعية مرضى ومعاقي "داء بهجت" سنة 2000، بالمغرب، بمبادرة من المرضى الذين أصبحوا متخصصين في الداء، أكثر من الأطباء أنفسهم الذين مازالوا يجهلون الأسباب الحقيقية وحتى الأعراض.
وتعتبر هذه الجمعية الوحيدة المختصة في هذا الداء، إذ لم تعد تهتم فقط بالحالات التي قد تكتشفها، بل تسعى إلى وضع دراسات وإحصائيات تساهم في رفع اللبس عن الداء وتكشف خطورته على المصابين الذين يجهلون مرضهم الحقيقي. هذا المرض الذي ظل مجهولا، رغم قدمه إلى غاية 1937، حين اهتدى إلى تشخيصه لأول مرة طبيب تركي يدعى بهجت، وأصبح المرض يحمل اسمه.
ويتحدث مصطفى مقدم :"الجهل بالمرض جعل بلادنا لا توليه الأهمية اللازمة، ولهذا فدور الجمعية هو المساعدة في البحث والدراسات الميدانية والسريرية للكشف عن أسباب الداء الذي أصبحنا نعرف أنه يؤدي إلى التهابات في الأوعية الدموية، وتقرحات جسمية، لتصل خطورته إلى فقدان البصر في حالة عدم التعرف عليه منذ الأعراض الأولية وعدم متابعة علاجه".
المرض لا يقصي الأطفال، رغم أن الإصابة به تكون أكبر ابتداء من سن الثلاثين.
وتقوم الجمعية، إلى جانب ذلك، بحملات في المدارس والثانويات والخيريات، وإن كانت الجمعية تكتشف أن أغلبية المصابين بـ "داء بهجت" هم من أوساط متدنية اجتماعيا، ما يجعل تحركاتها، نحو هذه الفئة، مكثفة أكثر:"لقد جبنا الكثير من المناطق ووجدنا أن الكثير من المرضى يجهلون تعرضهم لداء بهجت، ما يجعلهم يتوجهون للفحص الخطأ، لكن نعتبر أن المتابعة تبقى ضرورية للحد من خطورة الداء ومن تأثيراته الصحية" يقول الرئيس.
كلفة المريض لا تقل عن 20 ألف درهم، وعلى حساب الحالة، كما يشرح مقدم لكنه يلح على متابعة العلاج التي تمكن المصاب من التعايش مع المرض. فهذا الأخير يتطور مع المناخ. لكنه يتميز بعدم نقله العدوى إلى شخص آخر.
وتقدر الجمعية عدد الحالات بالمغرب بـ 10 آلاف حالة، من بينها 5000 حالة في مدينة الدار البيضاء وحدها.، ويخضع المرضى إلى كافة التخصصات فهم يحتاجون إلى متابعة مختصين في طب العيون والجلد والأسنان، و60 في المائة منهم فقط يستجيبون للعلاج.
يستنكر مصطفى مقدم إقصاء هذا المرض من التغطية الصحية، خاصة في مراحله المتطورة التي يحتاج فيها المريض أدوية باهظة الثمن، في الوقت الذي لا يتعدى ثمن دواء لا كولشيسين 30 درهما، إذا كشف عن الداء كشفا صحيحا في بدايته.
ويبقى الخصاص في عدد الأطباء المتخصصين في الطب الباطني أهم مشكل يصادف الكشف عن المرض وتشخيصه تشخيصا صحيحا، فهم لا يتعدون في مدينة الدارالبيضاء 30 مختصا.
يحمل عدة تسميات، في دول متفرقة، فهو مرض الصحة العمومية في اليابان وداء طريق الحرير والتوابل في الصين، والمرض اليتيم بفرنسا والحمى العائلية في الدول المتوسطية، والداء الصامت "بهجت" في المغرب بالخصوص.
ويصف الأطباء أعراضه بتكرار إصابة الشخص بتقرحات في الغشاء المخاطي للفم وعلى اللسان والشفتين، وتظهر لفترات غير متباعدة، وتزيد عن ثلاثة مرات في السنة، وتدوم أكثر من 15 يوما. لكن تقرحات الجهاز التناسلي تظهر عند الرجال بالخصوص باعتبارهم الفئة الأكثر إصابة بداء "بهجت".
وتعد التهابات قزحية العين أخطر أعراض المرض، الذي يتطور مع مرور الوقت إلى مرض مزمن، يسبب ألما ويشوش على النظر، فيظهر احمرار واضح على العيون، يهدد المصاب بفقدان البصر، كما تتجلى خطورة المرض عند إصابة الجهاز العصبي المركزي للشخص، إذ ينتج عن المرض الإصابة بشلل نصفي أو كلي.
وتبقى أسرار هذه الظاهرة موضع تخمين، إلى حين توصل المختصين إلى بحث علمي دقيق وشامل يفك اللغز ويزيح اللثام عن الأسباب الحقيقية الكفيلة بوضح حد للمعاناة.
مصطفى مقدم، شاب أصبح عالما بخبايا داء "بهجت"، وكأنه طبيب مختص، لكن هذا المجاز في الحقوق لم يتوان في البحث عن كل المعطيات كيفما كانت، صغيرة أو كبيرة، مهمة أو تافهة، لتصبح جمعيته أول جمعية متخصصة تهتم بمريض قديم جدا، لكن الحديث عنه لم يجر إلا في الثمانينيات.
لذا لم يبق صراعه منحصرا مع المرض بل هو صراع من أجل الدواء والعلاج والمتابعة وجعل الداء يحظى بأهميته لدى السلطات المختصة وعلى رأسها وزارة الصحة. وهكذا، بعد أن يؤدي واجبه داخل الجمعية، ويراسل الجهات المسؤولة ويرتب برنامج لقاءات الجمعية عبر التراب الوطني، بحثا عن مرضى محتملين، يجلس مصطفى لساعات تمتد في الليل إلى حدود متأخرة أمام الحاسوب، يبحث في كل المعطيات وكل الدراسات أو البحوث المتوفرة عبر العالم رغبة في تقديم مساهمة للطب والعلم يكون لها أثرها على الحد من المرض والتخفيف عن المصابين.