بحرقة بليغة وقفت جميلة، فتاة لم تكمل الثامنة عشر من عمرها بعد، تروي معاناتها مع أسر عملت عندها كخادمة، منذ أكثر من 8 سنوات، وتعرضها لكل أشكال العنف الجسدي والمعنوي.
وقالت إنها بعد الضرب المبرح والتحرش الجنسي الذي تعرضت له من طرف مشغليها، هربت عند والدتها، التي لم تتردد في إلحاقها بأسر أخرى للعمل. وقد تمر سنة دون أن ترى جميلة والدتها التي لا تسأل عنها بتاتا إلا عندما تريد الأجرة الشهرية.
جميلة استقرت في المدة الأخيرة عند مشغلة جديدة، لكنها لم تكن أرحم بها من سابقيها، فلكي تعتبر الفتاة غير قاصر، استطاعت أن تخرج لها بطاقة وطنية للتعريف بسن 18 سنة، واحتفظت بها المشغلة لديها. لكن جميلة التي أصبحت راشدة بين ليلة وضحاها لم تسلم من الإهانات والسب والشتم بسبب أو بدونه. ضاق الحال بها كثيرا، ولم تعد تقوى على العودة إلى بيت أسرتها بعد أن افتقدت حنان الأم واسم الأب الذي لم يسجلها في الحالة المدنية. فقررت تحمل مسؤوليتها بنفسها، وتثور ضد الظلم والعنف. فأرشدتها إحدى النساء إلى مركز النجدة لمساعدة النساء ضحايا العنف، التابع لاتحاد العمل النسائي، الذي يتكفل اليوم بحالتها.
هذه شهادة روتها جميلة بغصة في الحلق، خلال اليوم الدراسي الذي نظمه المركز ظهر يوم الجمعة 8 ماي، بالدار البيضاء، حول "حماية النساء من العنف مسؤولية الجماعات المحلية أيضا".
ويأتي هذا اللقاء، ضمن سلسلة لقاءات ينظمها اتحاد العمل النسائي ومراكز النجدة التابعة له، تستهدف حماية النساء من العنف وتحميل المسؤولية للدولة والمجتمع وكذا الجماعات المحلية.
وقالت عائشة لخماس، مديرة مركز النجدة بالدار البيضاء، إن الكل معني بالموضوع، ولهذا "حاولنا أن نجتذب هذه المرة اهتمام فاعلين أساسيين هم المنتخبون، باعتبارهم الأقرب إلى النساء اللواتي هن بحاجة إلى مراكز حماية قريبة من مقر الجماعات التي ينتمين إليها "معتبرة أن تسيير الشأن العام ليس هو تدبير الصفقات العمومية فقط، بل أيضا الاستجابة إلى حاجيات المواطنين الأكثر إلحاحا.
وأضافت لخماس إن مسؤولية الجماعات المحلية في حماية النساء من العنف تتجلى في كثير من التدابير التي يمكن لها أن تبت فيها، مثل إحداث وصيانة مركز اجتماعي للإيواء وأخرى للمساعدة في كل مقاطعة، يمكن للنساء المعنفات اللجوء إليها كأقرب مكان للحماية، وتحديد ميزانية معينة لمناهضة العنف ضد النساء، ووضع برامج للتوعية والتحسيس، وإيلاء اهتمام أكبر للقطاع الاجتماعي بشكل عام...
وكان اللقاء مناسبة لعرض تجربة الجماعات المحلية في مناهضة العنف ضد النساء ببلجيكا، قدمها أحمد الكتبي، نائب عمدة بروكسيل وعضو في البرلمان البلجيكي، الذي اعتبر أن ظاهرة العنف ضد النساء، ظاهرة عالمية وأن بلجيكا لا تشكل استثناء حيث أثبتت دراسة حديثة أن امرأة تموت كل ثلاثة أيام في أوروبا، لكن هناك بعض الاختلاف كون بلجيكا تقر عددا من القوانين و تضع تدابير من بينها مراكز استقبال يمكن لأي شخص، رجلا أو امرأة، أن يلجأ إليها طلبا للمساعدة. لكن، يشرح الكتبي، المشكل لا يمكن التغلب عليه بالقوانين التي تقع فيها تجاوزات، بل ببذل المزيد من الجهود، وخاصة من المجتمع المدني . ففي بلجيكا نسبة كبيرة من الخدمات العمومية تسيرها الجمعيات، التي أصبحت تتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية التسيير إلى جانب الحكومة وفي قطاعات مختلفة، في إطار نوع من الشراكة بين أصحاب القرار والمجتمع المدني.
كما تحدث البرلماني البلجيكي عن مجموعة من الأدوات المؤسساتية التي أنشئت من اجل الوقاية أولا من العنف، مثل مركز تكافؤ الفرص ومكافحة العنصرية مهمته إعطاء الفرصة للكفاءات النسائية و مكافحة جميع أنواع التمييز بين الجنسين، وهو مؤسسة حكومية معترف بها وطنيا و اقتراحاتها إلزامية للدولة. واعتبر أن الهدف من مثل هذه المؤسسات هو تغيير الأفكار أولا.
واقترح الكتبي أن تعمل الجماعات على أن يصبح موضوع مناهضة العنف ضد النساء جزءا ملزما في برنامجها المحلي لتطبيق المساواة، وتعيين مسؤول لمتابعة وتنفيذ هذا البرنامج. كما يدعو إلى الالتزام بالمواثيق الدولية، مؤكدا على أن تطور الديمقراطية هو الكفيل بتطور وضعية المرأة في كافة المجتمعات.
خديجة الراجي، مستشارة بمقاطعة مرس السلطان، وعضوة بمجلس المدينة بالدار البيضاء، أوضحت، في إطار عرضها لتجربة الجماعات المحلية بالمغرب في علاقاتها بقضايا المرأة، وعلى الأخص حماية النساء من العنف، أن الظرفية تستدعي أكثر، العمل على حماية النساء من العنف وتطبيق المساواة، مطالبة بالعمل على تعديل الميثاق الجماعي الذي لا يخصص للجانب الاجتماعي أي ميزانية خاصة، للمساهمة في بناء المراكز الاجتماعية. واعتبرت أن مشكل قلة العقارات يطرح بدوره استحالة بناء هذه المؤسسات لصالح النساء أو الأطفال ضحايا العنف. وطالبت باستقلالية الميزانية الجماعية عن وزارة الداخلية الوصية، لأن عدم حرية التصرف في الميزانية هو ضرب للديمقراطية المحلية في العمق، ويعيق سياسة التنمية وسياسة القرب لإنجاز برامج تخدم السكان ومنهم النساء.
وأوضحت أن النساء لا يشكلن لحد الآن قوة ضغط داخل المجالس لتحقيق النهوض بوضعية المرأة. في حين أن عددا قليلا من المنتخبين يدعمون اقتراحات حول المجال النسائي، واقترحت تخصيص اعتماد خاص لبناء مراكز اجتماعية لإيواء النساء والأطفال والشباب، مع منع انتقال هذا الاعتماد لإنجازات أخرى غير التي خصص لها، كما طالبت برفع تقارير إلى البرلمان وعقد لقاءات مع الفرق النيابية لتعديل الميثاق الجماعي، وبتفعيل صندوق التكافل، الذي تحدثت عنه مدونة الأسرة كأداة تساعد المرأة المعنفة على العيش.