يشرف حادث حريق معمل روزامور بليساسفة على إتمام خمسة عشر يوما من وقوعه، مخلفا وراءه كارثة قل نظيرها في تاريخ المغرب، وعشرات الضحايا من الجرحى، إضافة إلى موجة من الهلع والفزع.
وتجرع مرارة الحسرة على من لقوا حتفهم من الإخوة والأبناء والأصدقاء والآباء، إذ فقدت عائلات معيلها وأحبتها، وألم الحزن والأسى بكل المغاربة، حين سمعوا وشاهدوا هول الفاجعة، خاصة سكان دوار لوزازنة، المجاور للمعمل الكارثة.
وعبر عدد من المواطنين من سكان الجوار أو من المارة عبر مكان الحادث لـ "المغربية" عن ملازمة الإحساس بالألم والأسى لهم، إذ مازال معظمهم غير مصدقين ما وقع، وأن العمال الذين كانوا بالأمس القريب يمرون عليهم صباحا مساء بالتحية وتبادل الضحك، قضوا إذ أكلت النيران أجسادهم.
وذكر بعضهم أن معمل روزامور المحترق يبدو من بعيد بناية أصابها قصف صاروخ أو قنبلة، ويشبه البنايات التي أصابها الخراب إثر الضربات القوية والعنيفة للطائرات الحربية، التي نشاهدها يوميا عبر الفضائيات حول ما يحل بمساكن في مناطق ساخنة من العالم.
وأفاد مواطنون من سكان جوار المعمل، أنه عند اقترابهم من مكان الحادثة، يتأكد أكثر أن الكارثة حقيقية، ويعتقد كل متأمل لبقايا الفاجعة من دخان ورماد، أن هول جهنم حل بالمكان فأحاله إلى كومة فحم ما زالت تنبعث منه روائح بقايا بشرية، وكأنها ترفض أن ينسى الناس ما وقع.
قال أحدهم "النيران المشتعلة التهمت الجمل بما حمل وتركت بصماتها شاهدة على أن شظايا مرت من المكان، وأنها كما لو أقسمت على أن تأتي على كل ما اشتمته، ولم ينفع معها لا خراطيم مياه مثقوبة، ولا حضور الوقاية المدنية، ولا أيدي المتطوعين من المواطنين، الذين هزهم هول المصيبة، فمدوا يد المساعدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه".
وذكرت عجوز، اقتربت من المكان الكئيب، أنها تمر يوميا منذ وقوع الحادثة، مشيرة إلى أن من يرى السكون الذي يخيم على المكان، لا يصدق أنه بالأمس القريب عجت فوضى وحركية وبكاء ونواح ونحيب. وأضافت أنه وحدها رائحة الاحتراق مازالت تحوم حوله. وتخترق أنفاس الزائر لتصيبه برهبة لاهوتية يدرك من خلالها أن القضاء والقدر قوة تفوق قدرة الإنسان على التصور، وأنه في دقائق معدودة، بل ثوان قليلة، يمكن للفرد أن يفقد كل ما يملك ويضيع منه كل شيء.
يمكن لكل مار بالقرب أن يرى الأفرشة والأثواب التي جرى إنقاذها قبل البشر، ما زالت متراكمة هناك، وأن هدوءا مخيفا يعم الفضاء، تعكره بين الفينة والأخرى بعض الكلاب الضالة، جلبتها رائحة الموت، فأخذت تحوم وتجول حول سياج حديدي، منتظرة الفرصة المناسبة للتوغل داخل مكان الكارثة، لعلها تلتقط بعض الرفات، وترمق نظرات الكلاب الضالة المعهودة عناصر الوقاية المدنية، وبعض أفراد الشرطة، وقفوا هناك، في حالة تأهب، من أجل منع أي متطفل من الاقتراب.
ويمكن لكل عابر بالقرب من السور الحائطي الموجود أمام المعمل مشاهدة رجال الأمن والوقاية المدنية يجلسون في جماعات متفرقة، هروبا من الحر واتقاء لأشعة الشمس، يتناولون وجبة الغداء دون أن يأبهوا بأنهم يستنشقون رائحة الموت، بل إنه يبدو وكأنهم يتسامرون، بل يحدث أحيانا أن تتعالى ضحكاتهم، وكأن الحريق لم يحدث ولا أحدا قضى نحبه فيه.
قال أحد عناصر الحراسة، لـ "المغربية"، إن عملهم يستمر ليل نهار، 24/24، إذ هناك فريق في النهار وآخر ليلا. وذكر آخر "سنبقى هنا وستستمر الحراسة إلى أن يجري هدم المبنى بكامله ويشطب المكان من كل ما فيه نهائيا. الحراسة ستظل مستمرة لمنع كل فضولي الاقتراب من الحطام، والوقوف دون التجرؤ على نبش أكوام الرماد والسلع المتراكمة".
قال مراد، شاب في العشرينات من عمره، كان يجلس بالقرب من ساقية الدوار، ويقطن بدوار الزازين الموجود في محيط المعمل المحترق، إن سكان الدوار لم يستوعبوا بعد ما وقع، وأنهم لم يصدقوا ما جرى، ويتمنون لو يستيقظون من جديد ليكتشفوا أن الحادث مجرد كابوس.
وأضاف أنه بدوره لا يصدق، ويتساءل باستمرار ما إذا كان عدد الموتى هو ما تحدثت عنه فعلا وسائل الإعلام، "هل ما جرى حقيقة أم خيال، هل وه مدبر أم مقدر".
ويمكن لكل زائر للمكان أو لكل من يقوم بجولة في الأحياء المجاورة أن يلاحظ علامات الحزن والأسى بادية بوضوح على كل الوجوه، ولو "تسربت" ابتسامة عابرة، فإن الجرح عميق وعميق جدا، بل أعمق مما يتصوره العقل".
ذكر مراد أنه لا يمر يوم دون أن يدرف أحدهم دمعة ألم تحسرا على فقدان أخ أو صديق. "كان من بينهم أصدقاء لنا، ومن بينهم من كانوا يمرون علينا يوميا، ويلقون علينا التحية، ألفنا وجوههم. في كثير من الأحيان عندما كانوا يخرجون وقت الظهيرة من العمل كان البعض يجلس معنا للتسامر والضحك وشرب القهوة".
وقال إن "إبراهيم أباش (رحمه الله)، كان من أعز أصدقائي، كان يزوروني بين الفينة والأخرى، عرف بكونه خفيف الظل ومحبا للنكتة"
وأفاد سي حمد احمد، في الخمسينات من عمره، أحد سكان الدوار، بنبرة ملؤها ألم الفراق وجرح عاطفي غائر، وبعد صمت، أخذ يفرك يديه الخشنتين، وعينان تكاد الدموع تدرف منها، "المكتاب هو هذا، الله يرحمهم ماتو شهداء في سبيل تحصيل رزقهم ورزق أولادهم. حرام يا ربي هذا حرام يا ربي يموتوا محترقين".
أمام باب إحدى المنازل الصفيحية بالدوار نفسه، جلست مجموعة من النساء متوسطات العمر، والحزن يعلو محياهن، وظل حديثهن باستمرار عن المحرقة، لأن الألم بلغ ذروته، رغم أن مشاعرهن حساسة لا تحتمل تقليب المواجع، وأن أي سيرة عن الأموات تجعلهن يخضن في بكاء مرير، علما أنهن لا تربطهن أي صلة قرابة بالضحايا، لأن الصداقة أضحت أقوى من رابطة الدم والأخوة. تقول السعدية وهي تمسح دموعها بمنديل شعرها وتحاول التوقف عن البكاء دون جدوى "صحاباتي ماتو ليا محروقين كانوا دائما يجلسون معي في هذا المكان ونشرب الشاي كنت اعتبرهن بناتي كانوا يقولون لي مي سعدية الله يرحمهم الله يرحمهم...".
في ليلة الحريق لم يغمض جفن لأي واحد من سكان الدوار. عاشوا ليلة استثنائية غير مستوعبين أن "الواقعة وقعت وليس لوقعتها كاذبة"، كما قال الله تعالى. ضلوا يتساءلون كيف حدث ما حدث؟ ولماذا لم تجر السيطرة على الوضع؟ ولماذا لم يجر إنقاذ العمال؟ وهل الواقعة قضاء وقدر أم أن أياد خفية لعبت خطأ بأرواح الضحايا؟
قول أحد السكان في عقده الثالث، كان وضع طلبه لدى مدير المعمل قصد تشغيله "ليلة الحريق بت أصلي وأحمد الله وأشكره لأني لم أشتغل في المعمل لقد كنت أنتظر بفارغ الصبر أن أشتغل في المعمل لكن الله كتب لي عمرا جديدا. لا أنكر أن الهلع والخوف سيطر على نفوسنا ولم نصدق حقيقة ما جرى، بقينا طول الليل نتأمل في الدخان المتصاعد من تحت الأنقاض، وكيف حدث ما حدث". مصدر آخر اعتبر أن ليلة الحريق كانت تاريخية في حياة السكان، وأن دوار لهواوزة بأكمله تأثر كثيرا من الفاجعة وانخرط أهله في البكاء على الضحايا رغم أنهم لاتربطهم أي صلة قرابة بهم "ديك الليلة حتا حد منعس فينا أردنا أن نموت نحن أيضا كيف يموت إخواننا محترقين ونحن نتفرج. ما أحز في نفوسنا، نحن سكان الدوار، تلك الليلة، أن البعض في المغرب كان محتفلا بعطلة نهاية الأسبوع، وساهرا على أنغام الرقص والطرب كما كان الأمر في التلفاز. لا أفهم هل الذين ماتوا مغاربة أم من جنسية أخرى. فقدنا في دقائق معدودة أزيد من ستين شخصا، لم يهتم بهم الإعلام المحلي بقدر ما اهتم بهم الإعلام الأجنبي". يقول مصدرنا بانفعالية،حسرة على الضحايا وعلى واقع ليلة الفاجعة في التلفاز المغربي، الذي استمر في بث سهراته الفنية. ويضيف ابن الثالثة والثلاثين من عمره مستفهما "لم أكن أعرف أن الطبقة الكادحة لا يهتم بها الإعلام كما يجب".
مغادرة محيط المحرقة يعني الابتعاد عن رائحة الموت، مع الإحساس في الآن ذاته بتأثر عميق على المصير الذي آل إليه ضحايا (الخبز). ويزداد التأثر إيلاما في نفسية الزائر عندما يفطن أن نار جهنم أرحم بكثير بعباد الله من نار معمل روزامور، وتزداد الحسرة أكثر إيلاما عند سماع أن عظاما بشرية ما زالت مجهولة الهوية تحت أنقاض الحريق.
أخبر أحدهم أن السكان اتفقوا على تخليد ذكرى وفاة الضحايا الأربعينية، وإقامة عشاء جماعي بينهم، واستدعاء مقرئي القرآن الكريم وتلاوة الأمداح النبوية. تقول مينة كانت تجلس بجوار السعدية أمام (البراكة) في عقدها الرابع "نحن على مشارف إنهاء كل ترتيبات إقامة الأربعينية لضحايا المعمل، سنعمل على جمع مبلغ مالي مهم لشراء (عجلة) نذبحها. وسنحضر مقرئي القرآن الكريم والمداحين، وسنطعم العشرات من الفقراء والمعوزين صدقة منا نحن السكان في سبيل الضحايا، هذا غير أجر وهاد الضحايا راهم كانو خوتنا و وأولادنا الله يرحمهم مشاو مغدورين".