باعة الكيلنيكس يواجهون الفقر بتعريض حياتهم للخطر

الثلاثاء 22 أبريل 2008 - 09:06

يتسلل عدد من الأطفال بين السيارات في شوارع الدارالبيضاء لبيع علب المناديل والعلك، دون الانتباه للأخطار التي تحدق بهم، منهم من يعمل لحسابه، ومنهم من يشتغل لفائدة أشخاص آخرين.

يتحكمون في فضاءات استراتيجية في شوارع المدينة.

ويرى أغلب الناس أن الحاجة هي التي دفعت بهؤلاء الأطفال إلى العمل والمخاطرة بحياتهم، لأنهم فقراء، يرغبون في مساعدة أسرهم.

وفي جولة في أحد شوارع العاصمة الاقتصادية، التقت "المغربية" عددا من القاصرين، يعرضون علب الكلينيكس على المارة وسائقي السيارات.

كان أسامة (12 سنة) يتجول بعد ظهر الأربعاء الماضي، في ساحة لاجيروند بالبيضاء، وسط عدد من المواطنين، الذين يهرولون بأوراق ومحافظ وما ملكت أيديهم في كل الاتجاهات، يتنقل بخطى سريعة بين وسائل النقل، حاملا بين يديه علب الكلينيكس وقطع العلك لبيعها. وكان ينتظر وقوف السيارات تبعا لإشارة المرور الحمراء، ليعرض بضاعته على سائقي السيارات، يستجدي مساعدتهم عبر شراء معروضاته. ويتنقل بين السيارات والشاحنات وسط الشارع من دون الانتباه إلى الخطورة التي تهدد حياته، إذ يحاول أن يتحاشى سرعتها بخفة تبدو معتادة، ويعرف جيدا كيفية الانسلال من طيشها ويلوح بعلب الكلينكس والعلكة للسائقين، الذين يوجد من بينهم من يقتني الكلينيكس ويباشر في الحين تجفيف عرقه, ومن يعطف على الفتى بقطعة نقدية دون اقتناء شيء لاتقاء إلحاحه وتوسلاته.

لم يمتهن أسامة بيع الكلينيكس هروبا من المدرسة أو مسخرا من طرف أحد مستغلي الأطفال، كما هو شائع عن الأطفال المتسولين وبائعي "المسكة" "والكلينيكس"، وإنما يمارس النشاط عن طيب خاطر، بعد أن اعتصرته ليالي الجوع، ويتوخى مساعدة أمه وإخوته الأربعة أكبرهم في الثلاثين من عمره، يقضي عقوبة السجن بعد تورطه متلبسا في جريمة سرقة.

يقول أسامة وهو يتصبب عرقا بنبرة ملؤها الألم والحسرة لـ "المغربية": "كانت أمي تشتغل صبانة في البيوت، وتعاني حاليا مرض القلب، ولا أعرف إلى أين شد أبي الرحال، بعد فصله عن العمل من إحدى شركات النسيج، وليس لنا معيل حاليا".

وأوضح أن والدته تكتري براكة بـ 300 درهم، وأخاه الأكبر في السجن، وأخته الأكبر منه تتابع دراستها، بينما استقرت الأكبر منها مع زوجها في مدينة مراكش كما قالت لهم في رسالة بعثتها لهم مع إحدى صديقاتها.

وأضاف أنه كان يدرس بالقسم الأول من التعليم الإعدادي، لكن غادر الدراسة السنة الماضية، بسبب غياب من يكفل الأسرة، مشيرا إلى أنه لا يتسول كما يظن البعض بل يتاجر في بعض البضائع التي لا تحتاج رأسمال مرتفع.

وقال أسامة "أشتري علب الكلينيكس والعلكة من درب عمر وأبيعهما هنا، وفي بعض الأحيان يتبرع بها علي مجانا بعض التجار وعمال المطاعم. أحصل في كل يوم على 30 أو40 درهما، أتبضع بها عند عودتي مساء لعائلتي ما يلزمنا من أكل."

بقميص رياضي أخضر، ذي لون باهت جراء تآكله بحرارة أشعة الشمس، وسروال "دجين" قصير ونعل من البلاستيك ممزق، يباشر أسامة ذو الجسد النحيف عمله قبل السابعة صباحا متسللا الحافلة، ولا يؤدي ثمن التذكرة ليكون في موعد توجه الناس لمقرات عملهم عبر سياراتهم الخاصة، ونظرا للاكتظاظ الذي يسجل في الشارع، تطول مدة اشتعال إشارة المرور الحمراء، وتتضاعف فرص أسامة للتجول بين السيارات لأطول مدة ممكنة. يقول أسامة في انتظار اشتعال الضوء الأحمر لمباشرة عمله إن وثيرة البيع عنده ترتفع في أوقات العمل الأولى من الصباح، وعند عودة الموطفين في المساء.

لا يواظب أسامة على الخروج للعمل، لأنه لا يتوفر دائما على البضاعة، موضحا أنه يضطر "للبقاء في البراكة خالدا للراحة". لا يعير الفتى ذو الثانية عشر سنة اهتماما لأشعة الشمس الحارقة خلال فترة الظهيرة، حتى إنه لا يضع واقية من الشمس، إذ لفحت وجنتيه أشعتها الحارة ما أدى إلى احمرارهما، وقال "الحرارة مرتفعة مقارنة مع الأيام الماضية".

أسامة واحد من بين عشرات الأطفال، الذين يتقاسمون ظروفااجتماعية مزرية، أجبرتهم على ولوج ميدان التسول تحت ذريعة التجارة بسلع عدة، كعلب "الكلينيكس" والعلكة أو الشكلاطة أو الحلوى "الفانيد". يتخذون من إشارات المرور بالعاصمة الاقتصادية محطة لمزاولة مهنتهم، بينما يتجول البعض الآخر في المقاهي، كما يلجأ آخرون إلى محطات النقل العمومي والحافلات.

قال أسامة : "أصدقائي يتخذون من الحافلات والمقاهي أماكن لمزاولة نشاطهم، المهم بالنسبة لهم هو العودة مساء لمنازلهم بدريهمات محترمة تكفي لسد الرمق".
بالنسبة للعامة هناك من يعتبرهم مسخرين من جهات معينة تتاجر في براءتهم وكبريائهم مقابل إمدادهم بالسلع ونسبة معينة من الأرباح، وآخرون يعتبرونهم متسولين كما يقول (حميد 44 سنة) سائق طاكسي "هم فقط متسولون تحت غطاء بيع بعض المواد التافهة، كيديرو السبب باش يطلبوا". من جهته قال عبد الرحمان (50 سنة) لـ "المغربية" بينما كان ينتظر إشارة المرور الخضراء في منطقة لاجيروند، حيث يزاول أسامة وبعض رفاقه، نشاطهم "هؤلاء الأولاد يرغبون في مساعدة أسرهم الفقيرة، رغم صغر سنهم، ويجب علينا أن نتعاون معهم، خاصة وأن ظروفهم الاجتماعية هي التي دفعت بهم إلى مغادرة المدرسة وامتهان تجارة بعض المواد الرخيصة، شخصيا أراهم ضحية الفقر، ويحتاجون للرعاية، مثل هؤلاء الأطفال على الدولة أن تنقدهم من الوقوف في الطرقات أو التجول في الحافلات، وتعمل على دمجهم في المؤسسات الخيرية والجمعيات الاجتماعية لمواصلة دراستهم، خاصة الحالات التي لا تتوفر على من يعيلها".

واعتبر اليزيد، فاعل جمعوي في الميدان الاجتماعي أن الأطفال الذين يتاجرون في بعض المواد يكون غرضهم الأساسي من وراء ذلك هو التسول، يتخذون من بيع العلكة أو "الكلينيكس" غطاء لاستجداء عطف الناس. وأضاف "هؤلاء الأطفال لم يختاروا بيع بعض المواد الرخيصة عفويا ولكن لضيق ذات اليد وللفقر المدقع الذي يعانونه، نحن كجمعية فاعلة في الميدان الاجتماعي نبذل كل ما في وسعنا من أجل مساعدتهم وإدماجهم في دور رعاية الطفولة أو في بعض الخيريات إن لم يكن أهلهم قادرين على التكفل بهم، ونستمر في زيارتهم بصفة منتظمة قصد الاطلاع على أحوالهم ونقدم لهم هدايا متمثلة في كتب أو ملابس أو أغطية"، موضحا أن المشكل الكبير هو أن عدد هؤلاء الأطفال يرتفع بشكل سريع، رغم الجهود المبذولة من طرف العديد من الجمعيات من أجل القضاء على ظاهرة الأطفال الباعة.

وتساءل اليزيد عن الجهات التي توفر لهم البضائع، لأنهم يدعون أنهم معوزين ولا يتوفرون على مصروفهم اليومي.

وأبرز أن خطورة الظاهرة تكمن أيضا في احتمال أن يكون هؤلاء الأطفال مسخرين من طرف أشخاص يتاجرون في براءتهم بتزويدهم ببعض المواد الرخيصة مقابل نسب معينة من الأرباح.

وأكد أحد المارة أن هؤلاء الأطفال لا يجب تصنيفهم كمتسولين أو متشردين ولا أطفال شوارع، فهم فقط يرغبون في الحصول على قوت يومهم لضمان العيش لهم ولأسرهم، لذا يجب اعتبارهم ضحايا ظروف مزرية، خرجوا لمواجهة مشاكل العيش في عمر الزهور تحت أشعة الشمس الحارقة.




تابعونا على فيسبوك