حلت 145 عاملة مغربية بميناء طريفة، يوم الجمعة المنصرم، ووجدن الحافلات في انتظارهن، فتجمعن حول وسطاء، كل واحد منهم تكلف بمهمة محددة مسبقا، بيد أن رياحا قوة هبت على المدينة في ذلك المساء ساهمت في بعثرة ترتيباتهم المسبقة.
وقف الإسبان من الجمعيات المهنية المستقبلة للعاملات المغربية يوجهون الوسطاء المغاربة، ويطالبونهم بالإسراع لبعد المسافة بين طريفة وإقليم ويلبا، حيث حقول الفراولة والليمون، التي ستشتغل فيها المغربيات.
يقول وسيط إن "العملية تتكرر كل مرة، عند حلول وفد جديد بميناء طريفة، نستقبل الوافدات، وننادي عليهن بالأسماء، ونوزعهن على الحافلات، التي ستقلهن إلى الضيعات الفلاحية للعمل في حقول الفراولة".
قاطعت عاملة المنادي، بعد أن لبت صديقتها النداء، وخطت نحو الحافلة، وقالت "راني جيت أنا وهي، احنا صحابات"، وقاطعها الوسيط "لا مجال هنا للعلاقات العائلية أو الصداقة، هنا مكان للعمل، من سمعت اسمها عليها أن تصعد إلى الحافلة". حينها عمت الفوضى، ولم يعد أحد يهتم بالمنادي، وقالت عاملة لصديقتها "ناري يا بشرى هاذ الشي بالأسماء، مكرهناش كون نبقاو مجموعين"، وصاحت أخرى بعد النداء على صديقتها، موجهة الكلام إلى الوسيط، "راه حوايجنا مجموعين في شانطة وحدة"، لكن العياء أخذ من العاملات اللواتي لم يعدن يولين الاهتمام إلى رابطة القرابة أو الصداقة بقدر ما أصبح هاجسهن المناداة عليهن من أجل الصعود إلى الحافلة، وبالتالي السفر على مدى خمس ساعات إلى حقول ويلبا لأخذ قسط من الراحة، في أفق الشروع في العمل يوم الأحد.
وبدا أن العاملات المغربيات حين وصولهن إلى ميناء طريفة كن أكثر شرودا، لأنهن في ميناء طنجة كن أقرب إلى مناطق إقامتهن، خاصة أن جلهن من منطقة الغرب، والشمال المغربي، لكن بعد أن ركبن الباخرة، وقطعن البحر المتوسط، بدأت علامات الحزن تظهر على محياهن، وازدادت حين افتراقهن عن بعضهن البعض، إذ فقدن آخر أمل، في "العشرة"، أو العيش معا، تحت سقف واحد، أو على الأقل في منطقة واحدة، ما سيخفف معاناتهن وفراق فلذات أكبادهن.
تبذل العاملة الكثير من الجهد لجني أكبر حصة من الفراولة، من أجل أن يزكي "الخفي"، المسؤول عن الحقل، عودتها في الموسم المقبل. فاطمة الزهراء واحدة من هؤلاء، تركت ابنيها في ضواحي المحمدية، لدى امرأة تبعث لها شهريا مبلغ 250 درهما مقابل الاهتمام بهما. تقول فاطمة الزهراء "هناك العديد من الفتيات لم يسمح لهن بالعودة إلى العمل من جديد"، واستشهدت بعاملة من المحمدية، تدعى كبيرة خبزي، التي قالت إنها حرمت من العودة رغم أنها أبدت جدية كبيرة في العمل.
وأوضحت عاملة أخرى، رفضت الكشف عن اسمها، خوفا من الانتقام منها بحرمانها من الاستفادة مستقبلا من العمل، أن السكن الذي تقطن به، والذي وصفته بلاكاسا دي الكاطو، أي مأوى القط، يؤوي ما بين 6 و8 عاملات، على طريقة المخيمات الصيفية، أي سرير فوق آخر، وأن العاملات يلجأن إلى الاستحمام بتسخين الماء على الخشب بعد انتهاء الغاز، وأنه جرى تخصيص مطبخ واحد ومرحاض واحد وحمام بسبع رشاشات لكل 5 مآوي، أي على الأقل 30 امرأة. وأبرزت أن المسؤولين يولون أهمية للرومانيات، اللائي يحظين بامتيازات في السكن، رغم أن المغربيات أكثر عطاء في العمل.
وفي الوقت الذي تفرغت عاملات مغربيات للعمل في الفلاحة، زاوجت بعضهن بين الفلاحة، واحتراف البغاء، ورغم أنهن قليلات، إلا أن تأثيرهن على الواقع معطى لا يمكن تجاهله، خاصة أن عاملات عانين جراء تحويل سكنهن المشترك إلى وكر للدعارة. تقول عاملة مغربية إن "بعض العاملات لا يحترمن العشرة، وحولن السكن المشترك إلى وكر دعارة"، وأضافت "كيف أن "امرأة تركت زوجها لمدة تتجاوز الشهر، ومع ذلك تصون عرضها، ثم تجد نفسها تعيش لحظات حرجة ومستفزة جراء سماعها آهات الممارسة الجنسية، تحت أو فوق سريرها". وأضافت العاملة أن هذا السلوك الشاذ لا دخل لـ "الخفي" فيه، ولا الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل، ولكنه "سلوك عاهرات تركن أزواجهن أو مطلقات أو أرامل لا يحترمن مشاعر اللواتي يسكن معهن في الغرفة نفسها".
وغير بعيد عن هذا الموقع، يوجد مخدع هاتفي، ومحلات تجارية، يتجمع فيها مغاربة وأفارقة ورومانيات وبولونيات للتبضع أو الاتصال بذويهم، لكن تتحول هذه الساحة إلى فضاء للسكر والعربدة، ونخاسة الجسد، وأمام ملهى ليلي اسمه كرايبي كلوب، تنشط أيضا مافيا الهجرة السرية، حيث يربض عشرات الأشخاص قرب المخدع الهاتفي، يتحينون الفرصة للانقضاض على أول ضحية.