وقف محمد أمام مقر المقاطعة الرابعة في عين السبع، بعمالة مقاطعات الحي المحمدي عين السبع، صباح أمس الخميس، في حالة ذهول، حين لاحظ أن أبواب مصالح تصحيح الإمضاءات والحالة المدنية مغلقة.
يقول محمد ، وهو في العقد السادس من عمره، "في البداية، ظننت أن الأمر يتعلق بعطلة نهاية الأسبوع، أو عطلة عيد وطني أو ديني، سقط تاريخها من ذهني، لكن بعد الاستفسار، أبلغني عنصر من القوات المساعدة أن الأمر يتعلق بإضراب وطني لموظفي وعمال الجماعات المحلية".
واضطر محمد، الذي تحمل عبء التنقل من شارع ميموزا في عين السبع، نحو طريق الوحدة لإنجاز وثيقة إدارية، هي نسخة من عقد الازدياد لأحد أبنائه، إلى العودة خائب الأمل، وازدادت خيبته، كما قال لـ "المغربية"، حين عاد في اليوم الموالي، ظنا منه أن العمال والموظفين سيستأنفون العمل الخميس، ولم يكن يعلم حينها أن النقابات قررت خوض إضراب لمدة ثلاثة أيام، تتزامن نهايتها مع نهاية الأسبوع، وبالتالي عليه الانتظار إلى غاية الاثنين المقبل.
تأسف محمد لغياب محاور أو مصلحة إرشادات تهدي المواطنين إلى مصلحة بديلة لإنجاز وثائقهم الإدارية، إن وجدت، أو كان على الأقل على الجماعة الحضرية للدارالبيضاء أن تنبه المواطنين إلى أن الموظفين يخوضون إضرابا وطنيا، ليوفروا على أنفسهم، على الأقل، عناء التنقل حتى لا يصابوا بخيبة أمل مزدوجة،ضياع الوقت والتنقل، ثم تأخر إنجاز وثائق تكون مطلوبة في زمن محدد، ويرتبط مصير الناس بها أحيانا، إما في العمل أو مصلحة أخرى.
ليس محمد هو الشخص الوحيد الذي تأسف لهذا الواقع، بل هناك مواطنون عادوا من حيث أتوا من دون أن ينجزوا الوثائق الإدارية المطلوبة منهم، من مختلف المصالح الإدارية التابعة للجماعات المحلية في مختلف المدن والأقاليم المغربية.
وكانت المقاطعة الحضرية الرابعة في حي غوتيي، أو موسى بن نصير، التابع لمجلس مقاطعة أنفا أيضا، على غير عادتها، شبه فارغة، مواطنون يتوافدون على مصالح تصحيح الإمضاءات، أو الحالة المدنية، ثم يعودون من حيث أتوا، من دون إنجاز الوثائق المطلوبة، حين يصطدمون بأبواب المصالح مغلقة، إلا من مكتب في الطابق الأرضي، يستقبل المواطنين الراغبين في إنجاز وثيقة تصدرها السلطات المحلية، وليس الجماعة الحضرية، مثل شهادة السكنى.
تأفف مواطن في عقده الرابع، ورفض بلباقة التعليق على الإضراب، مفضلا تدارك مصلحة أخرى لقضاء غرض إداري آخر، "أو، على الأقل، إنجاز مهمة من المهمات العديدة التي تنتظره اليوم"، على حد تعبيره.
وفي البهو المقابل لباب المقاطعة الرابعة، ظهر يوم الخميس، وضع شابان مكتبا لاستقبال المواطنين، ليس لإرشادهم إلى المكان البديل لإنجاز وثائقهم الإدارية، ولكن في مهمة محددة في المكان والزمان، هي استفتاء الناس "حول جودة الخدمات، التي تسديها مصالح العمالة للمرتفقين".
وفي تعليق لأحد المواطنين على هذه المبادرة، قال وهو يحدث نفسه، "ها الجودة باينة من نهارها، بلاما يسولونا"، فيما استغرب آخر كيف تعزل عمالة مقاطعات الدارالبيضاء أنفا مصالح تصحيح الإمضاءات والحالة المدنية عن باقي المصالح التابعة لها، مباشرة في هذه الاستمارة الخاصة باستمزاج رأي المواطنين حول جودة الخدمات.
وتعمد عمالة مقاطعات أنفا إلى استمزاج رأي المواطنين في المقاطعات والمصالح التابعة لها، حول "جودة الخدمات"، التي تسديها مصالحها، خاصة مصالح الشؤون العامة، وجوازات السفر، والاقتصادية والاجتماعية، والشواهد المختلفة، والمصلحة التقنية.
على عكس المقاطعة الحضرية الرابعة، كانت نظيرتها في بن جدية، المقاطعة الحضرية الثالثة، التابعة للعمالة ذاتها، يوم الخميس، أكثر حركة، وأحيانا أكثر تعبيرا عن الاحتجاج.
وفي تصريح لـ "المغربية" قال محمد (43 سنة)، إنه صدم حين ووجه بالأبواب الموصدة، في يوم اعتبره الأسعد في حياته، بعد أن أنجبت زوجته مولودا، وكان بصدد تهيئ الوثائق اللازمة لإنجاز كناش الحالة المدنية، وتقييد المولود في السجل، مستغلا فترة الظهيرة، فبل أن يعود للعمل. لكنه تأسف وقال "لا أنا استمتعت بإطلالة مولودي، ولا أنجزت الوثائق، وأنا مطالب بالعودة يوم الاثنين".
أما ياسين (19 سنة)، فأحبط، بدوره، حين وجد المصالح بالجماعة مغلقة. كان يطمح إلى تجديد البطاقة الوطنية، لكنه لم يستطع توفير الوثائق المطلوبة.
سيدة أجنبية، هي الأخرى، عادت وخيبة الأمل بادية على محياها. أما خلود (26 سنة)، فرفضت مبارحة المكان، وطالبت بتصحيح إمضائها، ما دام المسؤول عن تصحيح الإمضاءات بالمقاطعة الثالثة أدخل فتاة إلى المصلحة وأغلق الباب بدعوى أنها أخته.
وقالت خلود في تصريح لـ "المغربية"، "لا يعقل أن يستمر التمييز بين الناس، كلنا مواطنون نتمتع بالحقوق نفسها، إما أن تفتح أو تغلق الأبواب في وجه الجميع".
وأضافت خلود، بنبرة حزينة "كيف يعقل أن يضرب الموظفون دون سابق إعلام؟ كان على الجهات المعنية أن تخبر المواطنين بالأمر، لتفادي عناء التنقل والانتظار أمام مقاطعات شبه فارغة".
وفي تعليق على تصريح خلود، قال شاب في عقده الرابع،إن مستغلي الفرص يتربصون بالمواطنين في أيام الإضرابات، وينجزون لهم الوثائق الإدارية في غفلة من باقي المواطنين الحاضرين، بمقابل مادي.
بخصوص فترة توقف العمل، سيبلغ عدد الساعات التي تتعطل فيها مصالح المواطنين في الجماعات المحلية، في ظرف شهرين، 240 ساعة، بعد الإضراب الأخير عن العمل للشغيلة والإضراب المرتقب في نهاية الشهر.
وأعلنت خمس نقابات الإضراب أيام 2 و3 و4، ثلاث منها أصدرت بيانا مشتركا، وأكدت أن الإضراب هو احتجاج على "التجاهل المستمر لوزارة الداخلية للمطالب العادلة والمشروعة للشغيلة الجماعية، وإقصاء المجازين غير المرسمين من الاستفادة من الإدماج في السلم العاشر".
وقررت النقابات خوض إضراب جديد أيام 23 و24 و25 أبريل الجاري، وهي المنظمة الديمقراطية للجماعات المحلية، التابعة للمنظمة الديمقراطية للشغل، والجامعة الوطنية لعمال وموظفي الجماعات المحلية، التابعة للاتحاد المغربي للشغل، والنقابة الديمقراطية للجماعات المحلية، التابعة للفيدرالية الديمقراطية للشغل. وكانت أضربت أيام 13و14 و27 و28 مارس الماضي.
في الوقت ذاته، أصدرت النقابتان التابعتان للكونفدرالية الديموقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، بدورهما، بلاغا أعلنتا من خلاله عن خوضهما إضرابا وطنيا، أيام 2 و3 و4 أبريل الجاري.
وجاء هذا القرار، حسب بلاغ نقابة الاتحاد العام للشغالين، الموالية لحزب الاستقلال، الذي يتولى أمينه العام، عباس الفاسي، منصب الوزير الأول في الحكومة الحالية، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، "بعد نقاش مستفيض وصريح حول الوضعية المادية والمعنوية، التي تعيشها شغيلة الجماعات المحلية، التي ازدادت تأزما، إثر القرارات المجحفة المتخذة في حقها من طرف المسؤولين".
وأكد البيان، الذي علق على أبواب بعض المقاطعات، أنه "في الوقت الذي كانت هذه الفئة الاجتماعية المسحوقة تنتظر تنفيذ ما تبقى من بنود الاتفاق الموقع مع الوزارة الوصية، فوجئت بهدية مسمومة، قدمتها الحكومة السابقة قبل رحيلها، بالتجرؤ على ضرب مكسب الترقية، بتطبيق مراسيم مجحفة في حقها"، وينم ذلك، حسب البيان، "عن جهل بطبيعة هذا القطاع، إذ أن هذا التطبيق يجعل العامل والموظف الجماعي ييأس نهائيا من الترقي طيلة حياته المهنية، وحتى إن استفاد من الترقية، فستكون ترقية يتيمة".
ووصف البيان هذه القرارات بـ "الاعتباطية والمزاجية"، وقال إنها " تضرب في الصميم المكتسبات والتضحيات، التي قدمتها الشغيلة الجماعية، وأمامها لن تقف مكتوفة الأيدي، مسلوبة الإرادة، لذلك فإنها على استعداد تام لخوض كل الأشكال النضالية، صونا لحقوقها وكرامتها".