يشعر العمال والتجار المغاربة بصخرة جبل طارق أنهم خارج حسابات الحكومة، وهو شعور تفرضه معطيات عديدة يمكن حصرها دون وصفها، لصعوبة ذلك لما فيها من معاناة تدوم منذ سنين وتنزل بثقلها على معنوياتهم، بل تهددهم في عملهم وأرزاقهم في أحايين كثيرة.
فحكومة جبل طارق المحلية تصرعلى تطبيق مقتضيات استثنائية للهجرة في حق العمال والتجار المغاربة بالصخرة دونا عن سواهم من مواطني أوروبا وأميركا اللاتينية، وسبق أن قررت منذ عام 1985 منحهم حق الجنسية مبدئيا فقط مع تعقيدات لا حصر لها، بعد مضي ستة وعشرين عاما من الإقامة بالصخرة، تجعل تحقيقها شبه مستحيل، وفي أحسن الحالات جد محدود.
ومنذ مارست سلطات إسبانيا الحصار على جبل طارق، في إطار مخططها لاستعادة الصخرة، حتى بعد أن صوت سكان الصخرة لصالح الاستقلال تحت التاج البريطاني، والعمال والتجار المغاربة يعانون الأمرين، خصوصا بعدما فرضت إسبانيا على المغاربة التأشيرة العادية، ثم في إطار شينغن التي لا تسري على جبل طارق، إذ صار على المغاربة الحصول على تأشيرة شينغن لتيسير تنقلهم بحرية إلى المغرب في كل وقت. إذ أن إسبانيا لا تعترف بوثائق عمل وإقامة العمال والتجار المغاربة بجبل طارق، وتفرض عليهم طلب التأشيرة من قنصليتها العامة بلندن، وعندما استجاب العمال والتجار المغاربة لذلك عبر إرسال وثائقهم بالبريد مع ما يعنيه ذلك من تأخر وربما ضياع لها، عادت القنصلية الإسبانية بلندن لتشترط حضور صاحب الجواز بنفسه، ولكم أن تتصوروا المصاريف والوقت المستهلك للحصول على هذه التأشيرة.
قد يقول قائل: وما الحاجة إلى التأشيرة ما دام النقل البحري مضمونا بين الصخرة ومدينة طنجة؟ وهو سؤال يحتاج إلى تدقيق بسيط، وهو أن باخرة من الحجم المتوسط فقط ومرة واحدة فقط في الأسبوع تضمن النقل بين الموقعين، فتأخذ العمال والتجار المغاربة من أجل عطلة نهاية الأسبوع مساء كل جمعة، من جبل طارق إلى طنجة، لينتقلوا منها إلى مدنهم الأخرى، والباخرة نفسها تعود لترجعهم من طنجة إلى جبل طارق مساء يوم الأحد.
لكن ماذا يفعل عامل أو تاجر علم بوفاة أو مرض أحد أقاربه بالمغرب؟ لا شيء سوى انتظار يوم الجمعة ليلحق في الوقت أو يكون وصوله دون جدوى بعد فوات الأوان، وإذا توفي العامل أو التاجر المغربي في جبل طارق؟ الإشكال نفسه يحدث، صحيح أن جمعية العمال والتجار المغاربة بجبل طارق خلقت نوعا من الثقة مع بعض مسؤولي شرطة الحدود الإسبان بمدينة لالينيا الحدودية مع جبل طارق، فصاروا يتفهمون بعض الحالات الإنسانية، فيسمحون بمرور المعني لغاية مدينة طريفة أو الجزيرة الخضراء ليأخذ الباخرة للمغرب، ولكن هذا فقط جزء من العملية، وغير شامل للجميع، فهذا العامل أو التاجر بعدما سمحت له سلطات مدينة لالينيا بالمرور، ماذا يفعل ليعود إلى جبل طارق قبل الأحد، وهو اليوم الوحيد الذي تضمن فيه الباخرة النقل من طنجة إلى جبل طارق؟ لا شيء سوى انتظار الرحلة الأسبوعية المقبلة.
إن هذه الحالات الإنسانية، رغم أهميتها، تبقى قليلة عموما، لكن لنر ما يحدث باستمرار ويهدد حقوق هؤلاء العمال والتجار المغاربة، خصوصا خلال فصل الشتاء، حين تضطر الشركة الناقلة إلى إلغاء رحلة الجمعة، بسبب سوء أحوال الجو المعتاد، أو لعطب الباخرة، فتحرم العمال والتجار من زيارة أهاليهم وقضاء مصالحهم، أو رحلة الأحد، أو تكتفي بالتوقف في ميناء طريفة الإسبانية بسبب سوء أحوال الطقس، فيبقون رهيني الميناء الإسباني لعدم توفرهم على تأشيرة شينغن، ويضطر العمال إلى انتظار رحلة الأسبوع الموالي مما يعرضهم لاقتطاعات، وفي أسوأ الحالات للطرد بسبب الغياب غير المبرر.
هذا في فصل الشتاء، فكيف الحال في فصل الصيف؟ إن توظيف الباخرة نفسها في دعم النقل البحري بين طريفة وطنجة تلبية للطلب المرتفع بين الميناءين في هذه الفترة من طرف المهاجرين المغاربة بأوروبا، وتحقيقا لأعلى المداخيل، فإن مسؤولي الشركة لا يلبون الربط من جبل طارق إلى طنجة سوى بعد الانتهاء من المهمة الإضافية، وغالبا في منتصف الليل، مما يجعل العمال والتجار المغاربة يصلون إلى طنجة في الساعات الأولى من الصباح، وبعد ذلك بالنسبة لمن يسكنون تطوان والعرائش والقنيطرة، مما يعرضهم لأخطار محتملة، ويقلص من فرصة لقاء أقاربهم...
وماذا عن رحلة الأحد الصيفية؟ التوقيت المتأخر نفسه، الذي يجعل العمال والتجار المغاربة يصلون إلى جبل طارق في الساعات الأولى من الصباح، فيلتحقون بأعمالهم مرهقين من السهر، بل إن حوادث شغل استثنائية تحدث أيام الاثنين للعمال المغاربة، خلال فصل الصيف، ولا يمكن تفسيرها سوى بسبب الإرهاق الناتج عن تأخر الباخرة بعد منتصف الليل، حسب ما ذكر لنا أحد العمال المغاربة بالصخرة.
العمال المغاربة بجبل طارق لم يجدوا ممثلا لهم في لائحة المجلس الأعلى للجالية المغربية في الخارج، وحالتهم لا تتطلب من الدولة ميزانية، بل فقط اتصالا بسلطات الصخرة لمساواتهم في الحقوق مع باقي العمال، وبالسلطات الإسبانية لتمكين هؤلاء المواطنين من تأشيرة عبور على الأراضي الإسبانية تكون موافقة لمدة عقد الشغل بجبل طارق لكل معني، فهل سيتحقق لهؤلاء العمال والتجار المغاربة تطلعاتهم لإنهاء معاناتهم؟ سؤال يوجهونه إلى لطيفة أخرباش، كاتبة الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون.