خلد المغرب, أمس الاثنين, الذكرى ال65 لمؤتمر أنفا الذي ساهم في وضع حد لسنوات الحرب العالمية الثانية الأليمة وفي تسريع مسلسل تحرير المغرب, الذي أطلقته الحركة الوطنية.
وهكذا تحولت مدينة الدار البيضاء في14 يناير1943 إلى عاصمة عالمية احتضنت مؤتمرا عُقد في سرية تامة بين الرئيس فرنكلين روزفلت والوزير الأول وينستون تشرشل والجنرال دو غول وبطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس.
وحضر هذا المؤتمر أيضا ولي العهد آنذاك, جلالة المغفور له الحسن الثاني والذي كان عمره حينها14 سنة, وذلك تماشيا مع إرادة أب الأمة إشراكه في هذا اللقاء بغية استكمال تكوينه وإعداده لتحمل مسؤوليته كملك في المستقبل.
واستهدف المشاركون في المؤتمر تحديد التحركات السياسية والعسكرية للحلفاء تجاه القوات الألمانية. وطبقا للاتفاقيات المبرمة خلال هذا المؤتمر, قرر الحلفاء فرض الاستسلام بدون شرط لدول المحور ومواصلة مساعدتهم للاتحاد السوفياتي وغزو صقلية ثم إيطاليا بمجرد نهاية معارك تونس.
وتشبثا بإرادة إشعاع السلم في العالم ووقف سفك دماء آلاف الضحايا الأبرياء, أعد قادة التحرير الكبار لإنزال قوات الحلفاء بإيطاليا وفرنسا وبالخصوص في نورماندي.
كما اعتزموا التطبيق الكامل للمبادئ الكبرى لميثاق الأطلسي المصادق عليه سنة 1941 والمتمثلة في الدفاع عن حرية واستقلال الشعوب وحقوقهم في تقرير مصيرهم.
وبفضل خطإ في الترجمة, تم الحفاظ على الطابع السري لهذا اللقاء وضمان نجاحه, فقد علمت برلين عن طريق جاسوس إسباني أن هذا المؤتمر كان منعقدا في الدار البيضاء التي ترجمها الألمان حينها ب"البيت الأبيض" الذي يعني مقر إقامة الرئيس الأمريكي بواشنطن.
كما لم يراود أحد أدنى شك في ذلك الوقت في أن كبار القادة الغربيين في تلك الحقبة اختاروا عقد اجتماعهم بالمغرب, مضيفين بذلك صفحة مشرقة إلى تاريخ المملكة.
ومما يزيد المغرب اعتزازا هو مشاركة جلالة المغفور له محمد الخامس في هذا المؤتمر باعتباره رئيس دولة ذات سيادة رغم أنها كانت لا تزال خاضعة للحماية, وهي الدولة التي اختارت الوقوف إلى جانب الحلفاء من أجل انتصار الحرية والسلم في العالم.
وقد أعلن أب الأمة جلالة المغفور له محمد الخامس يوم3 شتنبر1939 عن تقديم المساعدة لفرنسا بدون تحفظ. وتلبية لهذه الرسالة التي تليت بجميع مساجد المملكة, انخرط المحاربون المغاربة من جميع جهات المغرب بكثافة إلى جانب الحلفاء في مختلف الجبهات المفتوحة ضد القوات الألمانية والإيطالية.
وفي ظرف كهذا, لا يمكن للقاء من هذا الحجم إلا أن يجسد الأهمية الاستراتيجية للمغرب في لحظة حاسمة من تاريخ الإنسانية.
كما لعب هذا المؤتمر دورا أساسيا في قيادة الحرب من أجل تحرير الشعوب المضطهدة بأوروبا وإفريقيا. وفي هذه الفترة بالذات, انطلقت أيضا المفاوضات بشأن استقلال المغرب. فلا يمكن اعتبار أنه من قبيل الصدفة الإعلان عن وثيقة المطالبة بالاستقلال أسابيع قليلة بعد مؤتمر أنفا.
فقد نشرت الحركة الوطنية بمنطقة الشمال تحت حماية (إسبانيا) يوم14 فبراير 1943 وثيقة المطالبة بالاستقلال, التي كانت آنذاك غير معروفة لدى الرأي العام خلافا لوثيقة المطالبة بالاستقلال خلال سنة1944 التي ترتبت عنها أحداث دامية.
وقد شكل مستقبل المغرب الذي كان تحت الحماية الفرنسية محور مناقشة بين جلالة المغفور له محمد الخامس والرئيس روزفلت الذي كان قد عبر عن مساندته لمطالب المغرب باسترجاع استقلاله والانعتاق من ربق الاستعمار.
كما أنه اقترح مساعدة المغرب على استغلال ثرواته الطبيعية وتطوير العلاقات المغربية الأمريكية.
وقد قاد جلالة المغفور له محمد الخامس بعد أقل من سنة بعد ذلك , يوم11 يناير 1944 , الحركة الوطنية من خلال تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال.
وشكل المؤتمر أيضا نقطة انطلاق عهد جديد للعلاقات المغربية- الأميركية, حيث كان المغرب أول بلد يعترف باستقلال الولايات المتحدة الأميركية.