أعلن محمد اليازغي، في كلمة ألقاها، أول أمس السبت، أمام المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المنعقد بالرباط، أنه لن يترشح لمنصب الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
مؤكدا عزمه العمل كعضو في المجلس الوطني، فيما قرر المجلس الوطني للحزب، في ختام أشغال دورته التاسعة، مساء أول أمس، عقد دورة أخرى يوم 26 يناير الجاري، للنظر في القضايا المتعلقة بالمؤتمر الوطني، وفي طبيعة وهيكلة اللجنة التحضيرية، وكذا الحسم في طبيعة المؤتمر، ما بين مؤتمر عاد أم استثنائي.
وأكدت مصادر تابعت أشغال الاجتماع، الذي امتد على مدى يومين كاملين وتميز بنقاشات حادة، أن غالبية الاقتراحات تميل إلى عقد مؤتمر عاد للسماح بتجديد دماء الحزب، وفرز تشكيلة للمكتب السياسي بوجوه جديدة، مضيفة أن المشاركين يطالبون بأن تأخذ اللجنة التحضيرية للمؤتمر مسافة عن المكتب السياسي، وأن توكل رئاستها لشخص من خارج المكتب السياسي، وأن تكون التمثيلية فيها واسعة، مع الحرص على قطع الطريق أمام كل المحاولات التي من شأنها أن تقود إلى إفراز قاعدة مؤتمرين متحكم فيها، سواء من هذا الطرف أو ذاك.
وأضافت المصادر ذاتها أن مجمل التدخلات، في هذا اللقاء، أجمعت على ضرورة تحميل أزمة الاتحاد إلى جميع أعضاء المكتب السياسي، وليس اليازغي وحده، مؤكدة أن العديد من المتدخلين أقروا بأن التقرير السياسي، الذي قدمته في اليوم الأول رشيدة بنمسعود، يتسم بالضعف، وبتعمد إخفاء العديد من الحقائق، وهو ما رد عليه الراضي بأن ذلك راجع إلى تفادي تعميق الجراح. في حين أن تقرير لجنة الانتخابات لم يكن محط خلاف كبير بين أعضاء المجلس الوطني.
وبينما كان المجلس الوطني يستمع في جلسة ما بعد ظهر أول أمس لتدخلات الأعضاء، فاجأ محمد اليازغي المغادر لمنصب الكتابة الأولى الجميع بالحضور. وقالت مصادر حضرت الاجتماع إن حضوره قوبل بتصفيقات حارة من قبل القاعة.
وذكر أعضاء بالمجلس الوطني أن مجيء اليازغي، الذي تغيب خلال اليوم الأول، كان بمبادرة منه، وليس خضوعا لطلب لجنة المصالحة، مشيرة إلى أن مجيئه وعدم استمراره في مقاطعة الأشغال جاء انطلاقا من رغبة في كشف مجموعة من المعطيات التي حمل من خلالها مسؤولية الأزمة التي يعرفها الحزب، التي انفجرت عقب حصوله على المرتبة الخامسة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، إلى جميع أعضاء المكتب السياسي.
وأوضحوا أنه بمجرد انتهاء اليازغي من كلمته التي أماطت اللثام عن عدة أمور، انتفض المجلس الوطني مطالبا أعضاء المكتب السياسي، بما يشبه إبراء الذمة، على اعتبار أن الكلمة جعلت أعضاء المكتب السياسي معنيين بالأزمة باستثناء نقطة واحدة التي أقر بمسؤوليته فيها، وهي المتعلقة باقتراح الأسماء للاستوزار. مما أدى إلى توقف الأشغال لمدة دون أن ينطق أي عضو في المكتب السياسي بأي كلمة.
وفي كلمته، التي شدت إليها انتباه الجميع، والتي اعتبرها العديد بكونها خطبة الوداع، أعلن محمد اليازغي المتمسك بعقد مؤتمر استثنائي، أنه لن يترشح لأي مسؤولية في الحزب، وأنه ليست له النية في العودة إلى منصب الكاتب الأول، وأنه سيحتفظ بعضويته داخل المجلس الوطني وسيحضر إلى جانب رفاقه في الحزب للمؤتمر الوطني المقبل.
وبخصوص نتائج انتخابات سابع شتنبر المقبل، أكد اليازغي في كلمته التي تعد أول خرجة له بعد بلاغ المغادرة، أنه لو كانت نسبة المشاركة في حدود 70 في المائة وحصل الاتحاد على عدد المقاعد نفسه، لكان من الأفضل وفي صالح الحزب أن يقدم المكتب السياسي استقالته، مشددا على ضرورة التركيز على قراءة معمقة للانتخابات الأخيرة التي أفرزت العديد من الحقائق مرتبطة بما هو هيكلي وتنظيمي، ومرتبطة أيضا بالأشخاص. وقال إن نسبة المشاركة تسائل وتعني الجميع.
ودعا اليازغي إلى ضرورة تجديد قيادة الحزب والتركيز على القيام بتقييم شامل لما ميز العمل الحزبي خلال العشرية الأخيرة، معتبرا أن الاستراتيجية والتوجهات الكبرى ما زالت صالحة، وأن ما يمكن تغييره هو التكتيك.
وفي معرض تطرقه للمشاورات التي سبقت تشكيل الحكومة الحالية برئاسة عباس الفاسي، قال اليازغي إن الاتحاد الاشتراكي يعد الحزب الوحيد الذي عقد اجتماعه قبل تشكيل هذه الحكومة، مؤكدا أنه طرح مع عباس برنامج عمل واقترح عليه مجموعة من القضايا وقع الأخذ بمجموعة منها على حد قوله. وبخصوص القطاعات التي يشرف عليها الحزب والتي اعتبرها عدد من الاتحاديين أنها لا تتناسب ووزنه السياسي، أشار اليازغي إلى أن القطاعات التي يشرف عليها الحزب تناسب على العكس من ذلك وزن وتاريخ الاتحاد، مشيرا إلى الأهمية الاستراتيجية لقطاعي العدل والتشغيل. وقال إن إلحاق لجنة الاستثمارات بالوزارة التي يديرها الاتحادي الشامي يضفي أهمية كبرى على هذا القطاع، باعتبار النتائج الايجابية التي ستتمخض عن البرامج المسطرة في القطاع، وما يترتب عن ذلك من توفير لمناصب الشغل واستقطاب لرؤوس الأموال.
وباستثناء الإقرار بمسؤوليته في الأسماء المقترحة، فإن باقي المسؤولية حملها اليازغي للمكتب السياسي برمته، مشيرا إلى أن توليه منصب وزير الدولة فيه إشارة سياسية كبيرة، تراعي تاريخ ووزن الحزب السياسي وليس الانتخابي.
وعن مفهوم القيادة الجماعية، قال اليازغي إنه لامعنى لهذه القيادة، وأنها كانت في الوقت الذي كان يعيش فيه الاتحاد الوطني وسط عدة تجاذبات، وبصفة خاصة السياسية والنقابية، مؤكدا أنه كان من الصعب وقتها إسناد التسيير إلى الكاتب الأول فقط.
وفي سياق حديثه عن الخريطة السياسية الحالية، قال اليازغي إنها تتشكل من قطب يساري، برئاسة الاتحاد الاشتراكي، يعرف مجموعة من المشاكل، وقطب يميني، واتجاه ليبرالي يبحث عن ذاته.