شكل تهديد جبهة بوليساريو بالعودة إلى حمل السلاح في الصحراء صدمة لكل المراقبين في مختلف أرجاء المعمورة.
إذ أن الأجواء التي عمدت فيها الجبهة إلى عسكرة النزاع مع المملكة المغربية حول الأقاليم الصحراوية تغيرت بشكل جذري، فلم يعد المعسكر الشرقي الاشتراكي موجودا، وهو الذي ظل يؤمن الدعم المادي والمعنوي للجبهة منذ نشأتها وحتى زواله بداية تسعينيات القرن الماضي، ولم يكن صدفة تزامن غياب ذلك المعسكر مع رضوخ جبهة بوليساريو لمنطق الهدنة، الذي ظلت ترفضه لسنوات طويلة، فالحرب في الصحراء لم تكن سوى أحد التجليات الساخنة للحرب الباردة بين القطبين الشرقي والغربي، وبزوال الكتلة الشرقية، فقد حلفاؤها الروح القتالية والأمل في الانتصار.
ولم يكن تفكك الاتحاد السوفياتي المبرر الوحيد لقبول جبهة بوليساريو توقيع هدنة مع المملكة المغربية، فالجزائر، التي هي الداعم الرئيس والراعي المباشر للجبهة، دخلت مع نهاية الحرب الباردة في حرب داخلية، بعد فوز الإسلاميين بأغلبية مقاعد البرلمان في انتخابات أدى إلغاء نتائجها إلى إنهاك الدولة عسكريا واقتصاديا، وبالتالي عدم قدرتها على إدارة وتمويل صراعات خارجية، وهو ما عزز فرص استمرار هدنة المغرب وجبهة بوليساريو .
ولئن كانت الحرب الجزائرية الداخلية شهدت تراجعا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، إلا أن تبعاتها، وبروز تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي انطلاقا من الأراضي الجزائرية، والذي نفذ تفجيرات في العاصمة الجزائر، بعيد أيام من تصريحات قادة بوليساريو بالعودة إلى حمل السلاح، كل ذلك يضع الجزائر أمام تحديات أمنية واقتصادية لا تسمح لها بمباركة التهديدات الصادرة عن قادة الجبهة .
أما موريتانيا المجاورة، فلا أحد يصدق أن يقف قادتها، رغم حيادهم المعلن، مكتوفي الأيدي أمام تهديدات البوليساريو بشن حرب ستدور في بعض جوانبها على الأراضي الموريتانية، وذلك من خلال تسلل الجبهة عبر الخط الحدودي الرابط بين مدينتي ازويرات ونواذيبو، وهو الخط الحيوي الذي تمتد عبره سكك قطارات تنقل خامات الحديد من منابعها الأصلية في ولاية تيرس زمور إلى ميناء تصديرها إلى الأسواق الدولية في مدينة نواذيبو، وهو ما سيصيب الاقتصاد الموريتاني المتمركز في معظمه شمال البلاد بالشلل، نظرا لمتاخمته حدود مسرح العمليات بمناطق النزاع .
وليس هذا فحسب، ففي الشمال الموريتاني أيضا يوجد احتياطي من الذهب في منطقة تازيازت بدأ استغلاله منتصف العام الجاري، وهناك ميناء نواذيبو، وهو ثاني أهم ميناء في البلاد في مجال الإيراد والتصدير، هذا فضلا عن حجم المبادلات التجارية المرتفع بين موريتانيا والمغرب عبر الحدود الموريتانية الشمالية، والذي سيتوقف بشكل نهائي مع أول طلقة تصوبها جبهة البوليساريو نحو الأهداف المغربية.
وفي مجال موازنات قادة البوليساريو بين تنفيذ التهديدات الأخيرة والإبقاء على مصالحهم الاستثمارية الضخمة في موريتانيا، يرجح المراقبون ألا يدير قادة الجبهة ظهورهم للتسهيلات، التي دأبت السلطات الموريتانية على تقديمها لهم عبر ميناء نواذيبو، واستثماراتهم في كل من ازويرات المنجمية، ونواذيبو العاصمة الاقتصادية، ونواكشوط العاصمة السياسية.
تلك الاستثمارات المتمثلة أساسا في العقارات وبعض المشاريع التجارية المملوكة في معظمها لقائد الجبهة محمد عبد العزيز.
أما أوروبيا، فلا شك في أن التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي، والقادمة من الجنوب عبر موريتانيا والمغرب والجزائر، كالهجرة غير الشرعية والمخدرات، ستتضاعف بفعل انشغال المنطقة بالحرب، وهو ما سيوفر أرضية خصبة للتهريب، حيث ستنشط العصابات تحت عناوين دعم هذا الطرف أو ذاك، ولا أعتقد أن ذلك سيغيب عن أذهان القادة الأوروبيين الذين سيمارسون مختلف الضغوط على الجزائر لكبح جماح البوليساريو عن تنفيذ تهديداتها بالعودة إلى حمل السلاح.
وستعمل الولايات المتحدة الأميركية كل ما في وسعها لوأد الحرب قبل وقوعها لئلا تكون سببا في إجهاض مشروعها العسكري المتمثل في إقامة قاعدة »آفريكوم«، والتي تهدف إلى منع انتشار المد الأصولي في المنطقة، خصوصا بعد مقتل وجرح مجموعة من السياح الفرنسيين قبل أيام في موريتانيا، التي ظلت تصنف على أنها خالية من العنف.
ولأن الأمم المتحدة وقعت في حرج شديد، عندما تحدتها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا سنة 2003 بغزو العراق، فهي تبحث منذ ذلك التاريخ عن إعادة الاعتبار لشرعيتها المفقودة، والتي لن تنالها إلا من خلال الحلقات الأضعف في الصراعات الدولية، ولأجل ذلك فهي لن تسمح لجبهة البوليساريو بتقويض مساعيها الرامية إلى الاستمرار في الحوار الذي بدأته في منهاست بنيويورك بين المغرب والجبهة، خصوصا أن الأمم المتحدة تملك من وسائل الضغط على قادة المخيمات ما يؤهلها لفرض استمرار الهدنة بدل التصعيد، فهي تمول الجزء الأكبر من العمليات الإنسانية في المخيمات التابعة للجبهة، كما تتولى مصاريف القوات الأممية الراعية للهدنة بين الطرفين.
ثم إن المتابعين لمسار مفاوضات منهاست يجمعون على أن تهديدات بوليساريو الأخيرة، عبرت عن مدى الحيرة والارتباك اللذين سببتهما المبادرة المغربية لقادة الجبهة، عندما أعلنت المملكة استعدادها لمنح الأقاليم الصحراوية حكما ذاتيا موسعا في إطار السيادة المغربية، فالمبادرة صنفت على أساس أنها استجابة مغربية للمطالب الأممية التي دعت الطرفين إلى تقديم تنازلات في تلك المفاوضات، في حين لم تراوح مقترحات ومطالب مفاوضي الجبهة مكانها منذ الجولة الأولى، ولذلك فالمراقبون يتوقعون تراجعا من قبل بوليساريو، في الجولة المقبلة من المفاوضات، عن تهديدها بالعودة إلى حمل السلاح، لتسويق ذلك على أنه تنازل في مقابل التنازل المغربي.
وفي ظل التزام الطرف المغربي بالهدنة، ورفض القبائل الصحراوية في الشمال الموريتاني لتهديدات قادة البوليساريو الأخيرة، وتبني القيادة الصحراوية ممثلة في المجلس الاستشاري الملكي لشؤون الصحراء لمقترح الحكم الذاتي، وبالنظر إلى المواقف الدولية الرافضة لعودة الصراع المسلح إلى المنطقة، فإن التهديد بحمل السلاح لا يعدو أن يكون مناورة سياسية تسبق الجولة الثالثة من مفاوضات منهاست، أو مغامرة عسكرية قد تكون بداية النهاية للمشروع الانفصالي.