الحديث إلى سفيرة بولونيا بالمغرب وموريتانيا، جوانا فرونيتسكا، ذو نكهة خاصة، فهي سفيرة فوق العادة بالنسبة للمغاربة، تتقن اللغة العربية، التي درستها في معهد اللغات الشرقية ببولونيا، نطقا وكتابة.مثلما تتقن لغات أخرى، تبلغ في مجموعها 6 لغات، وهي، إضافة إلى ال
تراهن الديبلوماسية البولونية، التي كانت تتحدث في حوار شامل مع "المغربية"، على قطاع السياحة كأفق رحب يعزز التلاقي والتفاهم بين الشعوب، ويفتح أبواب التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري. ويبدو أن إتقانها اللغة العربية، فضلا عن مهامها الديبلوماسية بالقاهرة والخرطوم، إذ شغلت منصب سفيرة بلدها بمصر والسودان، إضافة إلى منصب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوزارة الخارجية البولونية، ساعدها كثيرا على فهم أفضل للأحداث العربية والإسلامية، وجعلها أكثر قربا من قضايا العرب والمسلمين.
تتحدث عن رهان السياحة، وتفيد أن عدد البولونيين، الذين زاروا المغرب، في ازدياد ملحوظ، وتشدد على أن "أكادير تعد وجهة مفضلة ومحبوبة عندنا في بولونيا، وإنني على يقين بأن المدن العتيقة والشواطئ المغربية الجميلة ستجعل آلاف البولونيين يتوافدون عليها، وليس بسر على أحد أن البولونيين يفضلون قضاء عطل نهاية رأس السنة بالمغرب، نظرا لجمال الطبيعة والمعاملة الحسنة وجودة الصناعة التقليدية ورونق البناء".
واللافت أن السفيرة البولونية لا تخفي حماسها، كلما تحدثت عن العلاقات بين وارسو والرباط، إذ تعتقد أن "علاقتنا الثنائية عرفت تطورا، وأدخلنا عليها قيمة جديدة تكمن في التزام بولونيا بالمساهمة في مشاريع التوأمة، في إطار السياسة الأوروبية للجوار، التي ينفذها الاتحاد بالمملكة، كما أن بلادي ستساهم في مشروع مشترك، إلى جانب فرنسا وإيطاليا، يخص صحة وعلاج الماشية بالمغرب".
تعتز جوانا فرونيتسكا كثيرا بعراقة العلاقات المغربية البولونية، التي تعود إلى سنة 1959، على عهد جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، ولا تتمالك أحاسيسها دون إعلان فخرها بذلك، وتقول "يسعدني التذكير بأنه سيجري الاحتفال سنة 2009 بالذكرى الخمسين لربط العلاقات الديبلوماسية بين بلدينا". وهي بقدر ما تعتز بماضي هذه العلاقات، تبدو أكثر تفاؤلا بمستقبل وآفاق التعاون الثنائي، وتقول إن "التبادل التجاري بين البلدين يعرف نموا مضطردا"، وتؤكد أن "المملكة المغربية تتبوأ مركزا متميزا بين شركاء بولونيا التجاريين الأوائل في إفريقيا"، مبرزة أن بلادها استوردت من المغرب في سنة 2006 أكثر مما تستورده من تونس ومصر والجزائر وموريتانيا وليبيا.
وإذا كان المغرب يعد شريكا بالغ الأهمية بالنسبة لبولونيا، ويستقطب الكثير من البولونيين، فالملاحظ أن المبادلات التجارية بين البلدين لا تتناسب والمستوى الجيد، الذي تتميز به علاقاتهما الديبلوماسية. لذلك تكرس السفيرة البولونية عملها من أجل النهوض بالعلاقات الثنائية، تقول فرونيتسكا إنه "منذ تعييني كسفيرة لبلدي بالمغرب، ما فتئت أعمل على تنشيط التبادلات بين الشركاء الاقتصاديين لبلدينا، كما أنني أشجع التفاهم بين شعبينا"، وتشدد على ضرورة استغلال المغرب وبولونيا لجميع الفرص المتاحة، سواء على المستوى الثنائي، أو في إطار المبادرات المتعددة الأطراف، لتعزيز وتنمية التطور الإيجابي الذي يعرفه تعاونهما الثنائي.
حديث سفيرة وارسو بالرباط تطرق أيضا إلى التطورات السياسية والقتصادية، التي تعرفها بولونيا، خصوصا مع تولي حكومة جديدة أفرزتها نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي أجريت يوم 21 أكتوبر المنصرم، والتي مكنت الحزب الليبرالي لمنظومة المواطنة، الذي يتزعمه دونالد توسك، بتحالف مع الحزب الشعبي، من الوصول إلى الحكم. كما تطرق أيضا إلى السياسة الخارجية للحكومة الجديدة، ابتداء من العلاقات مع باقي بلدان الاتحاد الأوروبي، إلى مواكبة تطورات الأحداث في الشرق الأوسط، خصوصا في العراق وفلسطين، إضافة إلى العلاقات مع البلدان المغاربية والبلدان الإفريقية، فضلا عن البلدان المتوسطية، التي توليها وارسو أهمية خاصة، من أجل "جعل المنطقة المتوسطية فضاء للسلام وللوئام المتبادلين وللتعاون"، إذ أن "علاقتنا مع جميع دول الحوض المتوسطي كانت وما زالت طيبة، وتحرص حكومتنا على تقويتها، لأنه من الضروري السهر على جعل الضفة الجنوبية لأوروبا فضاء ينعم بمستوى جيد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية يمكن من بلوغ الآمال المرجوة لما فيه خير الجميع"، تقول السفيرة جوانا فرونيتسكا.
*** مكنت الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي أجريت يوم 21 أكتوبر المنصرم، الحزب الليبرالي لمنظومة المواطنة، الذي يتزعمه دونالد توسك، من الوصول إلى الحكم. ما هي الأجواء السياسية والاجتماعية، التي واكبت هذا الحدث في بولونيا؟
- اسمحوا لي أن أطلعكم على بعض معطيات الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي تهم غرفتي البرلمان، مجلس النواب ومجلس الشيوخ. لقد حصل الحزب الليبرالي لمنظومة المواطنة على 209 مقاعد، مقابل 166 مقعدا لحزب القانون والعدالة، و53 مقعدا لحزب اليسار والديمقراطيين، و31 مقعدا للحزب الشعبي البولوني، ومقعد واحد للأقلية الألمانية.
انطلاقا من هذه النتائج، يتضح أن الائتلاف الحكومي، الذي سيقود بولونيا خلال الولاية البرلمانية الحالية، التي تستمر أربع سنوات، والذي يضم الحزب الليبرالي والحزب الشعبي المذكورين، يتوفر على أغلبية 240 مقعدا، من أصل 460 مقعدا. وفي ما يخص مجلس الشيوخ، الذي يتكون من 100 مقعد، نجد أن الحزب الليبرالي تمكن من الحصول على 61 مقعدا، مقابل 39 لحزب القانون والعدالة.
ولتوضيح الصورة السياسية أكثر، أود أن أبين أن رئيس الجمهورية، ليش كازنسكي، الذي انتخب سنة 2005 لفترة خماسية، سيجعل بولونيا تعرف، حتى سنة 2010، تعايشا يستلزم التفاهم بين قطبي السلطة التنفيذية.
ومن البديهي التأكيد أن حق نقد مشاريع القوانين المخول دستوريا للرئيس لا يمكن تجاوزه إلا بتصويت ثلاثة أخماس أعضاء البرلمان، لذا فالحكامة الجيدة، التي تنشدها جميع الأحزاب السياسية في بولونيا، سوف تسهل تسيير شؤون البلاد.
ومن جهة أخرى، فإن التصريحات، التي أدلى بها الوزير الأول، دونالد توسك، أخيرا، تنبئ بتعاون جيد، لأن الحكومة الجديدة التزمت بتقوية مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بالاعتماد على مجهود إضافي لصالح صغار الفلاحين، ولصالح كل الذين لم تشملهم التطورات، التي عرفتها البلاد، منذ انضمامها إلى المجموعة الأوروبية.
كما تجدر الإشارة إلى أن الأغلبية الجديدة قررت اعتماد سياسة أكثر قربا لعالم الأعمال، بتكثيف خوصصة المقاولات العمومية في ميادين الطاقة والاتصالات اللاسلكية والنقل الجوي، حتى يجري التخفيف من وجود الدولة في القطاعات الاقتصادية، والدفع إلى الأمام بجاذبية البلاد لجلب المستثمرين.
*** جوابكم قدم إشارات حول الأفق الاقتصادي للحكومة الجديدة، بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف حال الوضع الاقتصادي في بولونيا حاليا، خاصة بعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، الذي نشأ أصلا بين بلدان رأسمالية غنية؟
ـ أستطيع أن أؤكد أن الاقتصاد البولوني يوجد حاليا في وضعية جيدة. فقد تمكنت البلاد من تأهيل نفسها للانضمام للاتحاد الأوروبي، بعد إنهاء عملية إعادة الهيكلة وتطوير جهاز الإنتاج، ويكفي أن تعلموا أن الناتج الداخلي الخام يعرف نموا مضطردا وصل إلى 6.1 في المائة سنة 2006، وأن المؤشرات الاقتصادية تنبئ بنتائج أفضل في السنة الحالية لتصل إلى 6.5 في المائة، والجدير بالذكر في هذا المجال أن الاقتصاد الوطني يعرف مستوى نمو ضعف معدل المستوى الأوروبي. إن الخبراء الدوليين يقرون أن بولونيا، منذ انضمامها للاتحاد الأوروبي سنة 2004، تسجل نموا قويا ومستداما، إذ أن معدل نمو الناتج الداخلي الخام بلغ 4 في المائة سنويا في الفترة ما بين 1997 و2007، في حين أن معدل النمو في دول مجموعات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية يصل إلى 2.75 في المائة، ولا يتعدى 2 في المائة في مجموعة الدول الأوروبية. ويمكن القول إن المستوى العالي للنمو مكن من تحسين جذري لسوق التشغيل، وانخفاض ملموس لمعدل البطالة من 20 في المائة سنة 2000 إلى 11 في المائة سنة 2007، فضلا عن أن قوة السوق الداخلية، وكذا الموقع الجغرافي للبلاد، والإمكانات والقدرات الفلاحية والمعدنية والصناعية، علاوة على ليونة سوق التشغيل وشبكة المؤسسات والدراسات والتكوين والأبحاث، كل هذه العوامل مكنت من تحسين استقطاب البلد للاستثمارات الأجنبية.
وللتمعن في مدى المجهودات، التي بذلت في ميدان التعليم العالي، تجدر الإشارة إلى أنه في ظرف 15 سنة انتقل عدد الطلبة من 400 ألف إلى مليوني طالب، وذلك بضم جهود القطاعين العام والقطاع الخاص، الذي ازدهر في الآونة الأخيرة، وهكذا يمكن أن نلاحظ أن جلب وإقامة العشرات من الشركات المتعددة الجنسيات، إلى حدود 2006، مكن من استثمار أكثر من 94.5 مليار أورو في اقتصادنا الوطني. وقد ساعد ذلك على تحسين سوق الشغل، والمستوى المعيشي للمواطنين، وازدياد المداخيل الجبائية للدولة، وتحديث آلة الإنتاج.
وهناك عوامل نهوض إيجابية أخرى، تتمثل في استقطاب رؤوس الأموال على المدى الطويل، وتحويلات الجالية البولونية بالخارج، والمساهمات المباشرة للاتحاد الأوروبي، ومداخيل الصادرات،وهي مؤشرات إضافية ساهمت في رفع وتحسين الادخار الداخلي، والحجم الإجمالي للاستثمارات.
وحتى لا أطيل، يمكن القول إن ازدهار الاقتصاد الوطني مكن من تسهيل إدماج بولونيا في حضيرة أوروبا والاقتصاد العالمي، مما ساعد البلاد على مواجهة الجوانب السلبية للعولمة. وعموما، يمكن توضيح مستوى النمو والمؤشرات الأساسية للاقتصاد البولوني من خلال الأرقام التالية: فعدد السكان يبلغ 38.2 مليون نسمة، والناتج الداخلي الخام، مع الأخذ بالاعتبار أثمنة السوق الجارية، يصل إلى 245 مليار أورو. وفيما تحقق الصادرات 87.9 مليار أورو، تبلغ قيمة الواردات 100.8 مليار أورو، ويصل معدل الإنتاج الكهربائي إلى 161.7 تريليار واط/ساعة، وعلى مستوى السياحة، استطاعت بولونيا أن تستقطب 15.7 مليون سائح في السنة.
*** يؤخذ على سياسة الحكومة الحالية أنها لا تختلف في العمق عن سياسة الحكومة السابقة، فما هي معالم السياسة الخارجية لهذه الحكومة؟
ـ في ما يخص السياسة الخارجية، وحتى وإن جاءت حكومة جديدة، فإن البلاد تجد نفسها في مواجهة التحديات ذاتها، مما جعل الوزير الأول يصرح في بيانه أمام مجلس النواب أن على بولونيا أن تكون شريكا ذا مصداقية في علاقاتها مع الدول الأخرى. الشيء الذي يستلزم من بلدنا الحرص على توطيد وتنمية العلاقات الجيدة، التي تربطنا مع شركائنا في المعمور، وخصوصا مع جيراننا المباشرين، إن المرتكز الأساسي لسياستنا الخارجية يكمن في التحالف القائم بين المجموعة الأوروبية ودول مجموعة الحلف الأطلسي.
لقد عزز انتماؤنا لمنظمة الحلف الأطلسي وللاتحاد الأوروبي موقع بلادنا في المحفل الدولي، وفي هذا الصدد، أود القول إنني لسعيدة بالإعلان عن أن بولونيا انضمت ابتداء من 21 دجنبر الجاري إلى فضاء شينغن، مما سيفتح الحدود الداخلية للاتحاد الأوروبي، وييسر حريات تنقل الأفراد. كما أننا سنسهر، باسم الاتحاد، على مراقبة دخول الحدود في شمال شرق البلاد، إضافة إلى أن توقيع بلادنا على معاهدة لشبونة لتنظيم المؤسسات الأوروبية، أثناء القمة، التي انعقدت يوم 13 دجنبر الجاري، سيسهل على بلادنا الانصهار في نشاط المجموعة الأوروبية، والتحضير لرئاسة الاتحاد الأوروبي في 2011.
ومن ثوابت سياستنا الخارجية كذلك ضمان أمن البلاد في مجال الطاقة، وهذا يستدعي منا العمل على تنويع موارد التزويد، والبحث عن شركاء تجاريين جدد.
*** اعتمدت بولونيا التوجه الليبرالي، بعد المرحلة الشيوعية، وبذلك انضمت عمليا إلى الغرب، هل يمكن أن تقدمي لنا إضاءات حول علاقة حكومتكم مع البلدان المتوسطية؟
ـ كعضو في الاتحاد الأوروبي ومنظمة الحلف الأطلسي، فإن بلادي ملتزمة تمام الالتزام بالمبادئ الأساسية لهاتين المنظمتين، مما يجعلها تشجع المجهودات، التي تبذل لجعل المنطقة المتوسطية فضاء للسلام وللوئام المتبادلين وللتعاون.
وعلاقتنا مع جميع دول الحوض المتوسطي كانت وما زالت طيبة، وتحرص حكومتنا على تقويتها، لأنه من الضروري السهر على جعل الضفة الجنوبية لأوروبا فضاء ينعم بمستوى جيد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يمكن من بلوغ الآمال المرجوة لما فيه خير الجميع.
من جهة أخرى، إن بلادي، التي تزكي عاليا مبدأ السلم العالمي، ساهمت منذ 1953 بحوالي 66 ألف جندي، في 66 بعثة للمحافظة على السلم وتثبيته، في 39 دولة، تلبية لطلبات قدمت لها من طرف منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، وهكذا نجد أن جنودنا موجودون بالجولان ولبنان في القوة الأممية منذ سنين، وكذا في البلقان والبوسنة وكوسوفو.
*** وماذا عن قواتكم المرابطة بالعراق، ألا تفكرون في الانسحاب؟
ـ مشاركة بلدنا كانت بفرقة عسكرية مرابطة بالقطاع الأوسطي للديوانية والقوط مع فرق الدول الأخرى. وقد جرى سحب عدة مئات من الجنود في عمليات مختلفة، ولم تبق الآن إلا كتيبة، أي حوالي 900 جندي، وذلك استجابة لطلب كل من شركائنا بالقوات المتعددة الجنسيات والحكومة العراقية. إن مبدأ الانسحاب يدرس من قبل رئيس الجمهورية والحكومة، أما الجدولة والتاريخ، فسيجري تحديدهما باتفاق مع الطرف العراقي والحلفاء، ومن المحتمل أن يحصل ذلك خلال سنة 2008. والأهم في الموضوع هو إتمام مهمة تثبيت الأمن الموكلة لجنودنا على أرض الواقع.
*** وكيف تتعاملون مع القضية الفلسطينية، خاصة على ضوء مؤتمر أنابلوليس، الرامي إلى التمهيد لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة؟
- إن بلادي تساند منذ أمد بعيد إنشاء دولة فلسطينية مستقلة تعيش بسلام إلى جانب دولة إسرائيل. ومشاركة بلادي في مؤتمر أنابوليس يبرهن على إرادتنا الراسخة للبحث مع الدول الأخرى المشاركة في المؤتمر عن الحلول والوسائل الكفيلة بتجاوز جميع العراقيل، التي تحول دون استثباب الأمن الدائم بكل منطقة الشرق الأوسط، التي تعتبر منطقة حساسة وضرورية لاستقرار الأمن العالمي.
*** لو سمحت، ودائما في سياق العلاقات الخارجية، هل يمكن أن تضعينا في صورة مستوى وطبيعة العلاقات المغربية البولونية؟ هل حصل تطور خلال السنين الأخيرة؟ وكيف تعتزمون إعطاء دفعة جديدة لعلاقات التعاون بين البلدين والشعبين؟
ـ من المفيد الإشارة، هنا، إلى أن علاقاتنا الثنائية بدأت سنة 1959، وكانت دوما وما زالت ممتازة. وبهذه المناسبة، يسعدني التذكير بأنه سيجري الاحتفال سنة 2009 بالذكرى الخمسين لربط العلاقات الديبلوماسية بين بلدينا، وإنني لجد سعيدة بأن 2007 سنة مليئة بالأحداث السياسية والثقافية والاقتصادية المشتركة، وفي هذا الصدد، فإن التبادل التجاري بين البلدين يعرف نموا مضطردا، ويمثل بالنسبة للمملكة 50 في المائة من مجموع العمليات التجارية، التي جمعت المغرب مع الدول العشر جديدة الانضمام للاتحاد الأوروبي. وتتبوأ المملكة المغربية مركزا متميزا بين شركاء بولونيا التجاريين الأوائل في إفريقيا. وقد استوردت بولونيا من المغرب سنة 2006 ما قدره 79 مليون أورو من البضائع، ونصف هذا المبلغ من مواد الفوسفاط، أي أنها استوردت أكثر مما تستورده من تونس ومصر والجزائر وموريتانيا وليبيا، وإن انضمام بلادي للاتحاد الأوروبي فتح للمستوردين المغاربة والبولونيين مجالا أوسع لمنتوجاتهم، الشيء الذي يبرر كثافة زيارات الوفود الاقتصادية لبلدينا. ومنذ تعييني سفيرة لبلدي بالمغرب، ما فتئت أعمل على تنشيط التبادلات بين الشركاء الاقتصاديين لبلدينا، كما أنني أشجع التفاهم بين شعبينا من خلال دعوة الفرق المسرحية والموسيقية والفنية، التي أقامت سهرات وندوات بالرباط والدارالبيضاء، سيما في شهر ماي الأخير، الذي نظمت خلاله الأيام الثقافية البولونية بالمغرب، التي عرفت نجاحا كبيرا. وتجدر الإشارة أيضا إلى أهمية الزيارات، التي قام بها رئيس مجلس النواب البولوني للمغرب في شهر فبراير الأخير، وكذا زيارة نائب الوزير الأول ووزير الفلاحة والصيد، وكذا الزيارات، التي قام بها إلى بولونيا كل من نائب رئيس مجلس المستشارين المغربي ووزير الفلاحة والصيد. وكما تعلمون فإن بلادي ستنظم، بمشاركة مع أوكرانيا، الدوري الأوروبي لكرة القدم سنة 2012، وأملنا هو أن نرى عددا كبيرا من المغاربة يزورون بلادنا، سيما أن النقل الجوي يعرف ظهور شركات جديدة للطيران ذات تسعيرة منخفضة. وفي ما يخص البولونيين، الذين زاروا المغرب، فإن عددهم في ازدياد ملحوظ نتيجة تحسن ملموس للمستوى المعيشي للفئة المتوسطة والعليا، التي تقضي أكثر فأكثر عطلها بالخارج.
إن أكادير تعد وجهة مفضلة ومحبوبة عندنا في بولونيا، وإنني على يقين بأن المدن العتيقة والشواطئ المغربية الجميلة ستجعل آلاف البولونيين يتوافدون عليها، وليس بسر على أحد أن البولونيين يفضلون قضاء عطل نهاية رأس السنة بالمغرب، نظرا لجمال الطبيعة والمعاملة الحسنة وجودة الصناعة التقليدية ورونق البناء. وفي شهري يوليوز وغشت المنصرمين مثلا، زار المغرب أكثر من 12 ألف سائح بولوني.
أود الإشارة أيضا إلى أن علاقتنا الثنائية عرفت تطورا، وأدخلنا عليها قيمة جديدة تكمن في التزام بولونيا بالمساهمة في مشاريع التوأمة، في إطار السياسة الأوروبية للجوار، التي ينفذها الاتحاد بالمملكة، كما أن بلادي ستساهم في مشروع مشترك، إلى جانب فرنسا وإيطاليا، يخص صحة وعلاج الماشية بالمغرب.
*** هل تتوفر الحكومة البولونية أيضا على سياسة خاصة بإفريقيا والمنطقة المغاربية؟ وما هي ملامحها وأهدافها؟
ـ إن بلادي كانت دوما داعمة للدول الإفريقية عامة والمغاربية خاصة. وتجلى ذلك خلال كفاحها من أجل الاستقلال، كما كانت إلى جانبها لتطوير الاقتصاد وتكوين أطرها. فالمئات من أساتذتنا وأطبائنا ومهندسينا اشتغلوا كمساعدين تقنيين في إفريقيا. ونعتقد أن بلادنا اكتسبت بذلك رصيدا متميزا من الثقة والاحترام المتبادل طيلة عشرات السنين يمكن الاعتماد عليه في انطلاقة جديدة، بغية الدفع بعلاقتنا إلى ما هو أحسن، سيما أن بلادي أصبحت عضوا في الاتحاد الأوروبي، وفي منظمة التجارة العالمية، الشيء الذي يمكننا من المساهمة في تشييد فضاء أوروبي إفريقي قادر على التغلب على الصعاب الظرفية، ومواجهة تحديات التنمية والعولمة، كما أن بلادي تساهم في عمليات استتباب الأمن، التي تقودها هيئة الأمم المتحدة، من خلال انتداب ملاحظين عسكريين ومدنيين ورجال شرطة إلى كل من الحبشة وإريتيريا وليبيريا وساحل العاج والسودان والكونغو الديمقراطية. وإن بلادي على استعداد لإرسال الجنود للتشاد للمساهمة في البعثة، التي ينوي الاتحاد الأوروبي نشرها لاستتباب الأمن بدارفور.
وعلى مستوى المغرب العربي، تحرص بولونيا على تشجيع توطيد العلاقات الأورومغاربية، والعلاقات المغاربية في ما بينها، لخلق ديناميكية جديدة للتنمية، قادرة على تجاوز الصعوبات الظرفية، قصد العمل سويا من أجل غد أفضل، حافل بالتقدم والازدهار.
وأنتهز هذه الفرصة، كسفيرة لبلدي بالمغرب وبموريتانيا، لأقدم خالص متمنياتي لكل القراء، سائلة الله أن يشمل الشعبين الصديقين: المغربي والموريتاني برداء السعادة والازدهار، ونحن في أجواء أعياد مجيدة: عيد الأضحى المبارك، وعيد ميلاد السيد المسيح، وعيد رأس السنة الجديدة.