شكلت الرسالة السامية، التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أول أمس الخميس، إلى المشاركين في أشغال منتدى تكاملات الاستثمار، الذي انعقد في الصخيرات تحت شعار "مغاربة العالم : المستثمرون فاعلون في الدبلوماسية الاقتصادية"، بمثابة خارطة طريق جديدة، تنير
وفي الرسالة السامية، التي تلاها الوزير الأول، عباس الفاسي في مستهل الدورة الخامسة للملتقى، الذي اختتم أشغاله أمس الجمعة، دعا جلالة الملك كل الطاقات"من أجل توفير الوسائل والآليات الكفيلة بانبثاق جيل جديد من استثمارات المغاربة المقيمين بالخارج، خاصة في القطاعات الحيوية للاقتصاد الوطني".
وشدد جلالته على المردودية المزدوجة للمشاريع الاستثمارية، التي يقوم بها المواطنون المغاربة بالخارج في أرض الوطن، سواء تعلق الأمر بمراكمة رؤوس الأموال أو بتنمية الرأسمال البشري.
وأبرز جلالته أن المغرب"يوفر ظروف وشروط التنافسية العالية في مجال الأعمال والمشاريع، إضافة إلى أنه يتيح فرصة متميزة لتحقيق طموح المغاربة المقيمين بالخارج من أجل الاستثمار في بلدهم الأصلي، وخلق منافع لذويهم ولوطنهم".
وأبرز جلالة الملك أن هذه الاستثمارات"تشكل رافعة قوية للاستثمار الأجنبي، ودعامة أساسية للدفع قدما بالاستثمار الوطني وضمان استمراريته".
وناقشت دورة 2007 لتكاملات الاستثمار، المنظمة تحت الرعاية الملكية السامية، وشارك فيها أكثر من 1500 شخصية تنتمي إلى المحافل السياسية والاقتصادية والجامعية، دور المغاربة المقيمين في الخارج ومساهمتهم المتواصلة في النهوض بالاقتصاد الوطني.
وإضافة إلى أهمية المحاور التي ناقشها المنتدى، إن على مستوى الاستثمار أو الحوافز المقدمة إلى المستثمرين المنتمين إلى"المجتمع المغربي المصغر"، تقرر إحداث شبكة دولية للكفاءات المغربية في الخارج، تشكل، حسب متتبعين،"قيمة مضافة جديدة" لمضاعفة مشاركة أفراد الجالية، خصوصا المستثمرين منهم، في توسيع وتنويع الاستثمارات في البلاد.
ويعيش أكثر من ثلاثة ملايين مغربي في الخارج، أي 10 في المائة من مجموع السكان, خصوصا في بلدان الإتحاد الأوروبي، حيث يقيم أزيد من 70 في المائة منهم.
ويتمركز غالبيتهم في فرنسا التي شكلت أول بلد هاجر اليه المغاربة في الستينيات، وتحتل الجالية المغربية في هذا البلد الأوروبي المكانة الثانية من ناحية العدد، بعد الجالية الجزائرية، بينما تشكل أولى الجاليات عددا في بلجيكا، في وقت تزايد عددها وأهميتها مع توالي العقود، في هولندا وألمانيا والمملكة المتحدة والبلدان السكاندنافية.
ومنذ أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات تضاعف عدد المغاربة المقيمين في إسبانيا بأكثر من النصف، إذ أصبحت الجالية المغربية أولى الجاليات في هذا البلد الأوروبي، وكذلك الشأن في إيطاليا التي أصبح عدد أفراد الجالية المغربية فيها أكثر من 150 ألف فرد، على الأقل.
ومن المؤشرات الدالة على عمق ارتباط أفراد الجالية المغربية بوطنهم الأصلي، تزايد أعداد العائدين لقضاء عطلة الصيف، مع ذويهم وأهاليهم.
وتشير الأرقام في هذا الصدد إلى أن ما لا يقل عن مليونين من المغاربة في الخارج، من أصل ثلاثة ملايين، يفضلون قضاء العطلة السنوية في البلاد.
ومن المؤشرات أيضا تضاعف قيمة التحويلات المالية إلى المغرب، لاسيما منذ عام 1999، حين وضعت خطة بعيدة المدى للعناية بالجالية والاهتمام بشؤونها في بلدان المهجر أو في بلدها الأصلي.
وتؤكد الأرقام المتاحة من مكتب الصرف، أن قيمة التحويلات تتطور بنسبة تبلغ 10 في المائة سنويا.
ومن المتوقع أن تناهز في نهاية العام الجاري 40 مليار درهم, محتلة بذلك المرتبة الثانية، بعد العائدات من العملة الصعبة، المتأتية من السياحة، ومن المنتظر أن تفوق 50 مليار درهم.
وتساهم التحويلات بشكل قوي في تمويل الاقتصاد الوطني.
وتمثل ربع المداخيل الجارية لميزان الأداءات و9 في المائة من الناتج الداخلي الخام
مكنت هذه الإيرادات من تغطية ثلثي العجز التجاري للبلاد بين سنتي 2001 و2005، ونسبة تفوق 22 في المائة من الواردات.
مع ذلك فإن التحويلات المالية للمغاربة المقيمين بالخارج لا تنسجم، حسب مديرية الاستثمارات الخارجية، التي كانت تابعة لوزارة المالية، مع الاستثمارات الذاتية للجالية في المغرب، إذ لا تمثل سوى 1.5 في المائة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلاد.
واستنادا إلى المصدر ذاته، عادة ما ينجز المغاربة المقيمون في الخارج مشاريع صغيرة لا تتجاوز كلفتها 500 ألف درهم، وتمثل 40 في المائة من مجموع مشاريع المغاربة في العالم، في حين لا تمثل المشاريع الكبرى التي تبلغ كلفتها أزيد من خمسة ملايير درهم، كاستثمارات سوى 14 في المائة.
ومن هنا تأتي التوجيهات الملكية الواردة في الرسالة الموجهة إلى منتدى تكاملات الاستثمار، في دورته الخامسة، بمثابة رسالة قوية، تنطوي على أفق مستقبلي، حول ما يتعين القيام به من أجل مضاعفة استثمارات الجالية في بلدها الأصلي، وتنويع هذه الاستثمارات، لتشمل كل القطاعات الحيوية، مثل السياحة والصناعة والتكنولوجيات الحديثة، وليس فقط قطاع العقار أو القطاعات التي لا توفر إلا مردودية مادية محدودة .