تابعت الصحف الوطنية قضية »الشواذ« في القصر الكبير، وأفردت لها مقالات وأعمدة، وتحول الموضوع إلى سيف حاد قسم الجسم الصحافي إلى طائفتين، واحدة تسعى لفرض حصار على ظاهرة الشذوذ وإدانتها، وأخرى تريد أن تشيعها بصفتها سلوكا يدخل في إطار الحرية الفردية للأشخاص. <
ووصل تبادل التهم بين بعض الجرائد إلى حد اعتبار المناهضين للشذوذ الجنسي بالفاشيين والظلاميين والشعبويين، فيما اعتبر الفريق الآخر المدافعين عن الشواذ بالمنحلين والانتهازيين والمرضى والعملاء لجهات خفية تريد تخريب هذا الوطن.
وعلى ضوء الحرب الإعلامية التي وصلت حد السعار، انتقل النقاش في أوساط الرأي العام من قضية »شواذ القصر الكبير« إلى الحديث عمن يكون هذا الصحافي وذاك؟ أو هذه الجريدة وتلك؟ وأصبح فضول القراء يقودهم إلى البحث في هوية الصحافة والصحافيين وميولاتهم الفكرية والجنسية، وتحول أصحاب بعض الأقلام إلى موضوع للقراء بعدما كانوا ينقلون إليهم المواضيع والأخبار.
ليس المؤسف في هذه الحرب الإعلامية، كون الصحف خاضت معركة ضد بعضها البعض، فهذا أمر طبيعي وبديهي في كل البلدان والمجتمعات التي تعيش على تناقضات صارخة مثل ما هو الحال في المغرب.
لكن الخطير في الأمر أن تناول قضية "شواذ القصر الكبير" ابتعد عن الجوهر، وتجاوز اختصاصات الصحافة واغتنمه البعض للوصول إلى أكبر عدد من القراء باستدراجهم إلى أحد المواضيع التي تشكل طابوها في الإعلام المغربي.
وعندما تميع الموضوع نسي الصحافيون أنفسهم وأخذ بعضهم يرجم بعضا بالرجوع إلى جوهر المشكل الذي هو"حدث القصر الكبير" فالصحافة الجادة من حقها تغطية الخبر بكل حياد واستقاء ردود الناس وموقف المسؤولين وأراء الخبراء وعلماء الدين، لأننا في كل الأحوال مسلمون وفي بلد مسلم، وشبابنا مهما بلغ به التقليد والتطور إلا أنه يظل شبابا مغربيا مسلما.
دور الصحافة ليس إلى حد التفرج على الأخبار ونقلها، وإلا ماذا نسمي الصحافيين الذين أسقطوا وزراء وزعماء في دول ديمقراطية بسبب تصرفات أو مواقف غير أخلاقية؟ إنهم فعلوا ذلك بناء على مرجعيات قانونية وسياسية واجتماعية ودينية وخلقية.
ذات يوم كتبت الـ "واشنطن بوست" معلقة على دخول الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون إلى كنيسة كاثوليكية في جنوب إفريقيا، واعتبر الأمر إخلالا بعقيدة دينية جرت محاسبة الرئيس البروتستانتي عليها.
فكيف لا تحتكم صحافتنا إلى المبادئ الأخلاقية والاجتماعية والدينية في متابعة الأحداث وتعقب تصرفات المسؤولين وتصريحاتهم، كما يفعل الصحافيون في الدول العريقة في الديمقراطية؟ يبدوا أن البعض يمارس مهنة الإعلام بحرية لاحدود لها، وهي حرية ليست ناتجة عن جو ديمقراطي حقيقي، إنما هي حرية في فضاء فارغ غابت عنه المؤسسات المعنية التي تنازلت عن دورها وتركت الصحافة تجر قاطرة"القصر الكبير".