"اللي تلف يشد الأرض"، مثل يعرفه المغاربة جيدا،ويمارسه اليوم بعض مغاربة بوليساريو، لأن جزءا صغيرا منها هم صحراويون مغاربة، والباقي وافدون من كل فج عميق، من بيادي وفيافي وبوادي الجوار، من الجزائر وموريتانيا إلى مالي والسينغال، وهذه هي العقدة الكبرى لانفصالي
إن من يدرك المعنى العميق لما يسميه المغاربة "التلفة"، التي تعمي البصر والبصيرة، لن يعود في حاجة ليطرح السؤال : لماذا تغامر البوليساريو، بقرار وتوجيه ودعم وتغطية من الجزائر، بالإقدام على ضرب الشرعية الدولية، وممارسة خرق صارخ لوقف إطلاق النار، بارتكاب انتهاك سافر للاتفاقيات، التي وقعت عليها الأطراف سنة 1991، تحت إشراف الأمم المتحدة؟ لقد قلبت المبادرة المغربية كل حسابات الانفصاليين وسادتهم في العاصمة الجزائر، وزادهم "تلفة" إحداث مجلس استشاري يضم كل حساسيات أبناء الصحراء، بالإضافة إلى الزيارات الملكية للأقاليم الجنوبية، وحرص جلالة الملك على إحاطتها بعناية موصولة، وبأوراش تنموية مفتوحة، فضلا عن المقترحات، التي ظل جلالته يطرحها في العديد من خطاباته، والتي تعكس الإرادة الراسخة لإيجاد حل مشرف لنزاع مفتعل دام أزيد من 34 سنة، وتوجت بمقترح الحكم الذاتي، الذي يعد تصورا جديدا للأجيال الشابة، يجسد السياسة الجهوية واللامركزية، باعتبارها آلية حقيقية للتدبير الديمقراطي للشؤون المحلية.
لم يجد الانفصاليون وسادتهم، من فرط"التلفة"، من سبيل لمواجهة المبادرة المغربية، بقوة أرضيتها، وحضارية منطلقاتها، ورحابة أفقها، غير التآمر والتواطؤ للمشاركة في إخراج مسرحية بئيسة، تحاول ممارسة الكذب والتضليل : أولا، الكذب على الصحراويين المحتجزين، وتغذيتهم بالأوهام، في محاولة لصرف أنظارهم، التي باتت تتجه إلى ما يقدمه لهم وطنهم الأصل المغرب من بديل وطني ديمقراطي، يحقق لهم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وثانيا، تضليل الرأي العام الدولي، بمحاولة إيهامه، في عملية استغلال سياسوية دعائية مفضوحة للمؤتمر المزعوم، بأن بوليساريو هو "الممثل الشرعي للسكان"، وأن مسرحية المؤتمر للبرهنة على هذه التمثيلية المزعومة، في حين أن الواقع، الذي لم يعد خافيا على أحد، هو أن بوليساريو لا يمثل سوى قلة قليلة من السكان الصحراويين، فيما الأغلبية الساحقة من الصحراويين توجد بالمغرب، وتعيش في حرية واطمئنان، وتشارك بكثافة وبشكل فعال في بناء الصرح الديموقراطي للمملكة، مثلما تؤكد المعطيات الملموسة للانتخابات التشريعية لسابع شتنبر المنصرم.
إن مسرحية تيفاريتي لن يكون بإمكانها تحريف الأنظار عن الحقيقة الوحيدة الملموسة، وهي أن غالبية الصحراويين يوجدون بالأقاليم الجنوبية، وأن سكان مخيمات تندوف يتكونون في غالبيتهم من الجزائريين ومن مواطني بلدان أخرى، وأن تضخيم الأرقام المقدمة حول المحتجزين ليس له من هدف غير تسول المساعدات الإنسانية، التي تتعرض للاختلاس من قبل القيادة الانفصالية، المتاجرة بآلام السكان، والتي تحولها إلى بضاعة للاغتناء في الأسواق الجزائرية والمالية والموريتانية.
لكل هذا ولغيره، مفروض أن يتحرك المنتظم الدولي، بكل حزم، لوضع حد لهذه التحركات المشبوهة في تفاريتي، التي لا تقدم عليها إلا العصابات الضالعة في الإجرام.