عبد الواحد الراضي

المعركة الأخيرة لرجل التوافقات

الأربعاء 05 دجنبر 2007 - 09:04

عندما فسح المجال أمام محمد اليازغي، بتنحي عبد الرحمان اليوسفي عام 2003، ليصبح الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، برز عبد الواحد الراضي في موقع رجل الإطفاء والتوافقات، في منصب نائب الكاتب الأول.

ولعل الراضي يخوض الآن آخر معاركه على رأس الحزب، في سياق تفاعلات الرجة التي أحدثها أداؤه في الانتخابات التشريعية الأخيرة .

قليلون فقط يعرفون أن عبد الواحد الراضي أستاذ جامعي للفلسفة، وتحديدا في تخصص علم النفس الاجتماعي.

وبما أن الفلسفة أريد لها يوما، بفعل السياسة، أن تفلس وتقصى من الجامعة المغربية، فقد وجد ابن الغرب عزاء له في العمل السياسي.

أغلب الظن أن والدته "رضت عليه" (ووالده أيضا)، بمنطق الثقافة الشعبية المغربية
ولا شك أنه فاز برضى »السياسة« لكي تمنحه صناديق الاقتراع لقب قيدوم البرلمانيين في المغرب، وهو الآن شيخ الحكومة في تشكيلة عباس الفاسي.

بعمره البيولوجي (77 عاما)، وأيضا بالزمن البرلماني كنائب منذ عام 1963، أصبح عبد الواحد الراضي شيخ البرلمانيين في المغرب بلا منازع.

ولو وُجد سجل غينس مغربي للأرقام القياسية لكان لعبد الواحد الراضي موقع فيه، فقد كان أيضا أصغر نائب برلماني ينتخب في أول تجربة برلمانية عرفها المغرب عام 1963، ومنذ ذلك التاريخ بات مقعده محجوزا في القبة التشريعية، منذ استئناف »المسلسل الديموقراطي« عام 1977 .

وتوج صعوده البرلماني بالوصول إلى رئاسة مجلس النواب والبقاء على رأسه خلال دورتين متتاليتين، بفضل دينامية "التناوب التوافقي".

ولما كان تعريف الفلسفة هو حب الحكمة، فقد استفاد الراضي من دروس جامعة السوربون الفرنسية، ليصبح حكيما في السياسة.

انتمى باكرا إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، المنفصل عن حزب الاستقلال عام 1959، لكنه ظل في موقع الاعتدال، فلم ينصرف إلى الجناح الراديكالي للمهدي بنبركة ومحمد البصري (الفقيه)، حتى إذا وقع الفرز بين أجنحة الحزب على أساس "الخيار الديموقراطي" النابذ لـ"الخيار الثوري"، في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، وجد نفسه في موقع مريح بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عام 1975، وأصبح عضوا في المكتب السياسي للحزب منذ المؤتمر الثالث عام 1989، وهو أيضا الكاتب العام السابق للنقابة الوطنية للتعليم العالي، من 1968 إلى 1974 وعندما تنحي عبد الرحمان اليوسفي عام 2003 فسح المجال أمام محمد اليازغي ليصبح الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، فبرز الراضي في موقع رجل الإطفاء والتوافقات، في منصب نائب الكاتب الأول .

من الأصول العائلية احتفظ ابن القائد الكبير في منطقة الغرب، خلال زمن الحماية الفرنسية، بقدر محترم من الثروة، في صورة أملاك وأراض وضيعات، ولعل هذا الوضع الطبقي المريح هو ما جعله يبقى بعيدا عن إغراءات الثورة، حتى أن بعض خصومه ينعتونه (بالممخزن9.

أما هو فلا ينكر أنه يجيد، ويحب، تقنية إطفاء الحرائق، سواء داخل حزبه أو خارجه، وقد احتفظ دائما بجسور الود مع السلطة، حتى في فترات الاحتقان السياسي، وهو الوحيد بين أبناء جيله من وجوه الحركة الاتحادية الذي لم يشتهر كثيرا بأنه ذاق للاعتقال طعما
فبعد الإضرابات الواسعة، التي قادتها نقابة حزبه الناشئة آنذاك، الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، عام 1979، وسجن على إثرها الكثيرون من زملائه في التعليم وفصلوا من العمل، ثم الإضراب والانتفاضة ضد غلاء المعيشة في الدار البيضاء، عام 1981.
أصبح عبد الواحد الراضي وزيرا للتعاون (1983 - 1985)، ضمن حكومة شارك فيها حزب الاتحاد الاشتراكي بمنصب وزير دولة للراحل عبد الرحيم بوعبيد.

ورغم الخلاف حول طريقة التعامل مع قضية الصحراء المغربية، الذي أدخل زعيم الحزب عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازغي وآخرين إلى السجن، فقد عين الراضي، بين عامي 1984 و1986، أمينا عاما للاتحاد العربي الإفريقي، الذي لم يعمر طويلا، بين المغرب وليبيا .

احتفظ ابن منطقة الغرب بجذوره وبأملاكه في أرض الجدود بالبادية في ضواحي سيدي قاسم، فهو رئيس المجلس الجماعي للقصيبة منذ عام 1983، ورئيس سابق للمجلس الإقليمي للقنيطرة، عاصمة إقليم الغرب، من 1977 إلى 1992 .

كما شغل رئاسة جهة الغرب - الشراردة - بني حسن، من 1998 إلى 2004 .

إلا أن الراضي تطبع بطباع أهل سلا، بحكم مسقط الرأس، حيث ولد عام 1935، ما وفر له الشروط لإكمال مساره الدراسي ضمن الجيل الأول من أطر مرحلة بداية الاستقلال، فأصبح رئيس شعبة الفلسفة بكلية الآداب، في جامعة محمد الخامس بالرباط، من 1968 إلى 1974 .

وبحكم تجربته النيابية الطويلة كان طبيعيا أن يبرز على الواجهة الإقليمية والدولية، من نافذة "الدبلوماسية البرلمانية"، فترأس مايشبه البرلمان المغاربي، مجلس الشورى لاتحاد المغرب العربي، من شتنبر 2001 إلى مارس 2003، وأصبح رئيسا لاتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، من 2001 إلى 2004، وكذا الرئيس المشارك للمنتدى البرلماني الأرو - متوسطي، من أكتوبر 1998 إلى يناير 2004
خبرة طويلة راكمها عبد الواحد الراضي، المدرس الذي طلق الفلسفة في منتصف الطريق، وتزوج السياسة شابا، فأخلصت له حتى سن الشيخوخة.




تابعونا على فيسبوك