محمد اليازغي

مغادرة قاسية لقائد اتحادي حديدي

الأربعاء 05 دجنبر 2007 - 19:48

يتحرك بهدوء، وبخطى محسوبة، وبكثير من الاطمئنان والرزانة، وأساسا ببرودة دم يحسدها عليه الإنجليز أنفسهم، فنادرا ما يرى في حالة يتغلب عليه فيها الانفعال والغضب، ولو في أحلك الظروف..

مما ينم عن شخصية حديدية، كأنها وهو شاب يافع يعمل في صفوف شبيبة حزب الاستقلال، ثم وهو قيادي مسؤول من الجيل الاتحادي الثاني، بعد جيل المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد وعمر بن جلون وعبد الرحمن اليوسفي، ثم وهو ينتقل إلى قيادات الصف الأول للحزب.

طوال حياته السياسية، وهو يتعرض للصدمات والمشاكل والخيبات ومختلف أنواع الاتهامات، من ألد أعدائه إلى أقرب رفاقه، أو منافسيه وخصومه داخل التنظيم نفسه، الذين طالما اتهمه كثيرون منهم بالانتهازية واليمينية والمساومة على تراث الحزب وخيانة دماء شهدائه، بيد أنه في المحطات المصيرية يتبين أنه الأشد وفاء للقوات الشعبية، بالفعل الصامد، أكثر من "محترفي الجملة الثورية"، بحسب تعبير لينين .

إنه محمد اليازغي، الذي تشكلت صورته داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وخارجه، كمهندس لتوجهات الحزب، والماسك بمفاصله وحلقاته المركزية، والعارف بخباياه التنظيمية، وصانع قراراته المصيرية .

خبر دهاليز السياسة، حتى بات أمهر اللاعبين المجيدين لمعادلة الكر والفر، يعرف متى يتقدم ومتى يتأخر، متى يحني رأسه للعاصفة، ومتى يستجمع قواه لهجوم بصبغة خصوصية، هجوم لا يبقي ولا يذر، لكن بقفازات من حرير، وبعلم مكين كيف يسل الشوكة من غير دم، مما يتطلب منه أحيانا أن يلغي ذاته من أجل وحدة الحزب، فيفعل بلا تردد ولا ندم .

بيد أنه على استعداد دائم للغفران، دون أن يعني ذلك استعدادا للنسيان.

اليازغي لا ينسى، أكثر واحد يبادر بلا حسبان لطي الصفحة من أجل أمل ومستقبل في الأفق، لكنه لا ينسى.

النسيان يحول الكائن السياسي إلى محنط بلا ذاكرة ولا امتداد.

قبل إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، تقدم محمد اليازغي، وهو كاتب أول بالنيابة للحزب، أمام هيئة التحكيم المستقلة لتعويض ضحايا ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وقدم ملفه الخاص، وطلب درهما رمزيا كتعويض عن القمع الذي لحقه في مسيرته السياسية، وكاد أن يؤدي حياته بطرد ملغوم ثمنا لنضاله ولمبادئ حزبه، التي ظل يعمل جاهدا في سبيل تحقيقها من أجل الوطن والشعب، وما ثبت في التاريخ أن الوصولي يمكن أن يضع دمه لعبة في تهافت الوصول والانتهاز.

وعقب إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، تقدم أمامها اليازغي، وهذه المرة ككاتب أول للحزب، حاملا معه ثلاثة ملفات أساسية ظلت ترخي بظلالها على الحياة السياسية المغربية.

طلب فتح تحقيق في حادث اغتيال أحد رفاقه الأساسيين، الذي قاد معه، بمباركة من رمز القوات الشعبية آنذاك عبد الرحيم بوعبيد، انتفاضة الحزب سنة 1975، في طريق الحسم السياسي والتنظيمي مع الاتجاه البلانكي، وتبني استراتيجية النضال الديمقراطي، عمر بن جلون، الذي كان وراء صياغة التقرير الإديولوجي، بينما كان اليازغي مهندس الشق التنظيمي.

ثم طالب اليازغي، باسم الحزب، في الملف الثاني، بكشف الحقيقة كاملة في قضية أستاذه وقائده وموجهه ورمزه، المهدي بن بركة، الأب الروحي للاشتراكيين المغاربة.

في حين كان الملف الثالث يخص طلب البحث في قضية الطرد الملغوم، الذي تلقاه اليازغي، وكاد يودي بحياته، وما زالت آثاره موشومة في جسده إلى اليوم، علاوة على عمليات الاعتقال، التي تعرض لها غيرما مرة.

محمد اليازغي رأى النور ذات ساعة في 28 شتنبر 1935 بفاس.

وفي 3 نونبر 2007 سيخرج على الناس برسالة يعلن فيها قرار مغادرة منصب الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتجميد عضويته بالمكتب السياسي إلى حين انعقاد اجتماع المجلس الوطني.

وبين لحظة ميلاد الطفل محمد، ولحظة المغادرة والتجميد، عقود من النضال المرير، ومن الأمل العسير، والعذاب المكين، ذاق فيه مرارة القمع بعدد من السجون، التي تدرج فيها بين عدة زنازن متوجا بنياشين الأحلام الأولى لكل عشاق الوطن من الأهل والأحباب الطيبين.

لم يكد يخرج من السجن، لأول مرة، حتى عاد إليه في الذكرى الأولى لاختطاف المهدي بن بركة سنة 1966، ثم عاد إلى السجن، في أعقاب هزيمة يونيو 1967، بعد أن ضبط متلبسا بممارسة العشق الفلسطيني، الذي كان يخوض من أجله تعبئة شعبية، كلفته سنة من الاحتجاز دون تقديمه للمحاكمة، ثم عاد ليرمى وراء القضبان سنة أخرى في عام 1970 قضاها بين سجني الرباط ومراكش.

وفي سنة 1973، انفجر بين يديه طرد ملغوم، وكان أمام موت محقق، أنقذه منه الأطباء بأعجوبة، إذ اشتغلوا على جسده المنقصف لعدة ساعات، قضوها في ترميم الأحشاء والأطراف، مما ألزمه الفراش للخضوع للعلاج، الذي لم ينقذه من زوار الليل، الذين اقتادوه، وهو ما زال يتشافى، إلى أشيائهم الباردة والموحشة، قبل تقديمه للمحاكمة أمام المحكمة العسكرية بالقنيطرة، ثم اقتياده إلى الإقامة الجبرية بإفران، إلى أن أطلق سراحه سنة 1974.

وفي أعقاب البيان المعروف الذي أصدره المكتب السياسي للاتحاد، في شتنبر 1981، حول قضية الصحراء المغربية، يرفض فيه مبدأ الاستفتاء، اعتقل اليازغي، رفقة الكاتب الأول للحزب الراحل عبد الرحيم بوعبيد، وعضو المكتب السياسي محمد الحبابي، وحكم عليهم بسنة سجنا نافذا، قضوا منه نصف المدة بسجن بميسور، قبل إطلاق سراحهم
تلقى اليازغي دراساته الابتدائية والثانوية بفاس والرباط، وحصل على شهادة الباكالوريا من ثانوية مولاي يوسف وثانوية غورو بالرباط، ثم على الإجازة في الحقوق من كلية الحقوق والعلوم القانونية بالرباط، وكان من قدماء تلاميذ المدرسة الوطنية للإدارة بباريس.

شغل اليازغي منصب رئيس مكتب ميزانية التجهيز بوزارة المالية في عهد مهندس إصلاح الاقتصاد الوطني عبد الرحيم بوعبيد، وعمل محاميا بهيئة المحامين بباريس، ثم بالرباط، فضلا عن انخراطه في العمل الصحافي، ككاتب متميز، وكمدير لصحيفة "المحرر" منذ سنة 1975 إلى حين توقيفها سنة 1981، وأسس بعد ذلك صحيفة "ليبراسيون" الناطقة بالفرنسية، التي ما زال إلى اليوم يشغل منصب مديرها، فضلا عن انتخابه نقيبا للصحافيين المغاربة خلال الفترة ما بين 1977 إلى 1993 .

تقلد اليازغي عدة مسؤوليات في المؤسسات المنتخبة، المحلية (مجالس جماعية) والوطنية (البرلمان).

وعلى الصعيد الحزبي، انتخب اليازغي عضوا بالمجلس الوطني لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (من 1962 إلى 1972)، وباللجنة الإدارية الوطنية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (من 1972 إلى 1975).

وفي سنة 1975 انتخب عضوا بالمكتب السياسي للحزب.

وفي سنة 1992 شغل منصب الكاتب الأول بالنيابة للحزب، إلى حين انتخابه كاتبا أول عقب استقالة عبد الرحمن اليوسفي واعتزاله العمل السياسي، التي فجرت أزمة قوية داخل الحزب، عرف اليازغي كيف يمتصها ويحتوي الغبار الذي أثارته، ليمتطي صهوة الكتابة الأولى بلا منازع، خلال المؤتمر السابع للحزب.

لم تكن مهمة اليازغي أبدا سهلة وميسرة، ومفروشة بالورود.

حتى الحزب الذي قاده، ظل باستمرار مثيرا للجدل، والأكثر تعرضا للخلافات والانشقاقات، وضع قطيعة مع أصحاب عبد الله إبراهيم والمحجوب بن الصديق، وفك الارتباط مع معارضة الخارج واتجاهها، الذي كان يتزعمه الفقيه البصري، خرج من رحمه سيل من التنظيمات ذات الأصول الاتحادية، منظمة 23 مارس، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، جمعية الوفاء للديمقراطية، وأخيرا الحزب العمالي.

بيد أن كل تصدعات الحزب، التي كانت تترك جراحات وندوبا موشومة في الجسد الاتحادي، لم تنل من صورته كأكبر قوة سياسية في البلاد.

مر الحزب من معارضة دموية للنظام، أعقبتها معارضة ديمقراطية شرسة، قبل التحول إلى موقع المشاركة.

وفي خضم هذه المحطات، كان الحزب يتلقى الضربات، ويفقد عشرات من كوادره بالتصفيات أو بالتغييب في دهاليز السجون أو هجير المنافي، إلى حد أن نحو 70 في المائة من الملفات، التي كانت عرضت على هيئة الإنصاف والمصالحة، تعود لمناضلين اتحاديين .

هذا هو الحزب الذي قرر اليوم محمد اليازغي مغادرة منصب كاتبه الأول، حزب دائما يغلي بالحركة، بالمشاكل، بلحظات التوهج الكبرى، وبلحظات الانقصاف والخلاف، مما كان يستدعي من ربان السفينة أن يعرف كيف يدير الدفة في اتجاه بر النجاة .

كان اليازغي باستمرار على ارتباط بتنظيمات الحزب، يتفقد مناطقه التنظيمية، ولا تشغله عن هذه المهمة مشاغله السياسية أو الحكومية، يتنقل بين الفروع، يلتقي بالمناضلين، يصغي لأصواتهم الراضية والغاضبة، وينشغل بحل مشاكلهم وإشكالاتهم التنظيمية
كذلك كان.

وفي كل ذلك، لا يتكلم اليازغي إلا عندما يكون لديه ما يقول، خارج الكلام المكرور، لإعطاء زخم لوجود الحزب في عمق المجتمع، ولما يطرح عليه من قضايا ورهانات وتحديات.

يعتقد اليازغي أن التحدي الكبير أمام الاتحاديين هو جعل حزب القوات الشعبية "مؤسسة رهن إشارة بلادنا وشعبنا، وبيتا مفتوحا وحقا مشاعا لكل المغاربة المؤمنين بقيم الديمقراطية".

ويعتبر أن"الحديث المستمر عن هشاشة الأحزاب وضعفها ومردودية قدرتها على القيام بالمهام الدستورية، ما هو إلا ذريعة لتكريس الفراغ وإفساح المجال للوبيات وجماعات الضغط".

إن "بناء جبهة ديمقراطية حداثية يعد اليوم إحدى أهم الأولويات"، وإنه"من واجب الحزب توحيد العائلة الاشتراكية إلى جانب تجديد ميثاق الكتلة وتوسيعها وتحديث أساليب اشتغالها"، والعمل على تجاوز »الهوة الواضحة التي تفصل أحيانا فصلا مأساويا بين تفاؤل الخطاب وبؤس الواقع.

حيث لا بد من توفر دينامية قائمة على المبادرة والشعور بالإنصات"، يقول القائد الاتحادي الحديدي، محمد اليازغي، بكثير من العزم والإصرار، ومن فرط تماهيه مع الحزب، نسي رفاقه، المؤيدون والمعارضون، وفي غفلة منه، وجد نفسه وحيدا أمام إجماع رافض لأسلوب تدبيره، إجماع عنيد لم يجد اليازغي أمامه مفرا من الانصياع له، وحزم حقائبه، وإعلان المغادرة، التي مهما تعددت وتباينت التقييمات، لن تلغي من التاريخ السياسي المغربي وجود قائد بحجم أسطوري، اسمه محمد اليازغي.




تابعونا على فيسبوك