ندوة دولية تحت الرعاية الملكية السامية تستشرف مستقبل العدالة

مرور نصف قرن على ميلاد المجلس الأعلى للقضاء

السبت 24 نونبر 2007 - 22:00
من الجلسة الافتتاحية للندوة الدولية

تخليدا للذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى للقضاء وتحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نظم المغرب ندوة دولية حول مستقبل العدالة في القرن الحادي والعشرين .

شارك فيها مسؤولون قضائيون بالمغرب وعدد من رجال العدالة وفقهاء القانون الأجانب من فرنسا وبلجيكا وكندا وإسبانيا والبنين وبوركينا فاصو والسينيغال وعلى مدى يومين( 21 و22 نونبر الجاري) ألقى المشاركون محاضرات تطرقوا فيها إلى تقييم واقع القضاء بالمغرب وعبر العالم، مستحضرين التطورات التكنولوجية والمتغيرات السياسية والاقتصادية، التي طبعت المجتمعات خلال العقود الأخيرة، باعتبارها تحولات أحدثت انقلابا في مسار العدالة، وأصبحت تتطلب تكثيف سبل التعاون والتنسيق بين مختلف المؤسسات القضائية والقانونية عبر العالم .

وبحسب المتدخلين، فإن التحديات التي باتت تهدد المجتمعات البشرية تتمثل في أشكال جديدة من الجرائم، التي أفرزها التطور العلمي بسبب استغلال الشبكات الإجرامية للوسائل التكنولوجية، مثل القرصنة والتزوير والسرقة والتجسس عبر الإنترنيت، وكذا الاتجار غير المشروع في الأعضاء البشرية وفي البشر أنفسهم والدعارة والهجرة السرية وهي جرائم ترتكب بوسائل تكنولوجية أصبحت تفرض برأي البعض إحداث تغييرات جذرية على مستوى التشريعات وتوحيدها واستعمال مكثف لوسائل تكنولوجيا المعلومات، واستدامة التنسيق بين قطاعات العدل والأمن على المستويات الوطنية والإقليمية، وكذا الدولية استرعت الندوة اهتمام رجال القانون والقضاء وأثارت انتباه إعلاميين من داخل المغرب وخارجه عبروا عن أهمية انعقادها في هذا الظرف، مؤكدين في مداخلات نقلتها وكالة المغرب العربي للأنباء على ضرورة اغتنام هذه المناسبة لتطوير المجال القضائي وتعزيز سبل التعاون بين الدول.

وتعد ندوة الرباط، بمناسبة الذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى، ثمرة لسلسلة من الندوات سبق تنظيمها على المستوى الوطني وبلغ عددها 11 ندوة على مدار عام كامل, وتضمنت 241 مداخلة جرى طبع خلاصاتها ونشرها لتكون في متناول كل المهتمين بالشأن الحقوقي.

وشارك فيها نخبة من رؤساء المحاكم العليا، من عدد من البلدان، وكذا عدد من الفقهاء والقضاة والمحامين مغاربة وأجانب.

إدريس الضحاك : التطور التكنولوجي يدبر انقلابا في عالم القضاء

أكد إدريس الضحاك، الرئيس الأول للمجلس الأعلى، أن العولمة والتطورات التكنولوجية ستضع قاضي الألفية الثالثة أمام ملفات لا عهد للقضاء بها

وقال الضحاك، أول أمس الأربعاء بالرباط، في كلمة خلال افتتاح أشغال ندوة دولية حول مستقبل العدالة في القرن الحادي والعشرين تنظم بمناسبة الذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس، إنه بالنظر للعولمة والتطورات التكنولوجية الهائلة، فإن قاضي القرن الحادي والعشرين سينظر في ملفات لا عهد لقاضي الألفية الثانية بها، ومن ثمة يجب أن يكون مؤهلا لذلك

وبعد أن أبرز أن الألفية الثالثة تحمل العديد من المفاجآت سيكون لها الوقع الكبير والعميق على القانون والقضاء، أشار الضحاك إلى أنه سيتولد عن الأمر مشاكل قانونية وقضائية لا حصر لها

وأضاف أن بداية الألفية الثالثة تجيز، على الخصوص، بظهور جرائم ووسائل إثبات جديدة بسبب التطورات الرقمية والحاسوبية، وبتراجع التشريعات الوطنية في الميدان الاجتماعي أمام عولمة الاقتصاد، وضعف رقابة الدولة وإضعاف مواردها وخضوع السوق الوطني لمتطلبات السوق الدولي، ورفع الحواجز الجمركية وتعويم العملة

وأشار في هذا الصدد إلى تسارع الأبحاث العلمية خاصة في الميادين البيولوجية والجينية، والإشكاليات القانونية والأخلاقية والفلسفية التي تطرحها ممارسات من قبيل كراء الأرحام أو استئجارها أو بيع الحيوانات المنوية والبويضات
وحذر الضحاك من أن عدم إيجاد تشريع يؤطر هذه التطورات، خاصة في المجال الجيني، من شأنه أن يؤدي إلى تغلب الواقع وفرض نفسه حتى في حالة وجود النص القانوني
وفي هذا السياق، أكد أن الندوة الحالية تمثل وقفة تأمل لخمسين سنة مضت، وأخرى قادمة استشرافا لمستقبل العدالة في العالم وفي هذا القرن، حتى تتمكن من أن تحمل معها بوادر التطور الذي لا مناص منه لركوب قطار التقدم وإلا توقفت آلة العدل عن التحرك

وأضاف أن اختيار موضوع الندوة يتجاوز الحدود ليعبر عن الوعي الذي يحس به القضاء تجاه ما يحدث في العالم ويتلمس الطريق الأمثل للانخراط فيه

يذكر أن الجلسة الافتتاحية لهذه الندوة، التي تنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تميزت بالرسالة الملكية الموجهة للمشاركين، والتي تلاها وزير العدل عبد الواحد الراضي

وأكد جلالة الملك في هذه الرسالة حرص جلالته على القيام بإصلاح عميق وشامل لقطاع القضاء وضمان استقلاله لما له من دور حيوي في توطيد أسس الديمقراطية وتحقيق الأمن القضائي وترسيخ الثقة اللازمة لتحفيز الاستثمار والنهوض بالتنميـة
وتتمحور أشغال هذه الندوة المنظمة على مدى يومين حول عدة مواضيع تتعلق بحصيلة الاجتهادات القضائية للمجلس الأعلى للمملكة المغربية (1914 /2007 ) ماضيا وحاضرا
كما انكب المشاركون على دراسة التقرير العام المتضمن لخلاصة أشغال11 ندوة وطنية نظمت من طرف المجلس الأعلى بتعاون مع محاكم استئناف المملكة بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسينية للمجلس والقانون والعدالة في القرن الحادي والعشرين4
ومن جهته قال الطيب الشرقاوي، الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى، إن المجلس يقوم بدور أساسي في الدفاع عن سيادة القانون واستكمال بناء الديمقراطية
وأوضح الشرقاوي، أول أمس الأربعاء بالرباط، في كلمة خلال افتتاح أشغال الندوة أن المجلس الأعلى أحدث سنة1957 ليكون آلية لتوحيد الاجتهاد القضائي في المغرب وللحرص على التطبيق السليم للقانون

وأضاف أن المجلس كرس اجتهادات نيرة عبر بته في إشكالية تعارض القانون الوطني مع الاتفاقيات الدولية، موضحا أنالمجلس الأعلى يعطي في كثير من قراراته الأولوية لبعض الاتفاقيات الدولية والثنائية على القوانين الداخلية المغربية، وهذا ما كرسه في قراراته المتعلقة بالإكراه البدني والنقل البحري على سبيل المثال

وأبرز أنه جرى في إطار تحديث المجلس الأعلى تعميم نظام المعلوميات في معالجة وتدبير الإدارة القضائية بمختلف المصالح، الأمر الذي مكن المتقاضين ومساعدي العدالة من تتبع كل المراحل المسطرية التي تسمح بالتعرف التام على وضعية الملف المعالج
كما أن إحداث موقع الكتروني على الشبكة العنكبوتية( يضيف الشرقاوي) مكن زواره من الاطلاع على النصوص القانونية والاجتهادات القضائية المغربية، وكذا القوانين والاجتهادات القضائية المتعلقة ببعض الدول التي وقع المجلس الأعلى اتفاقيات ثنائية مع محاكمها
وأوضح أن هذه الجهود مكنت من تقليص آجال البت في الملفات المعروضة على المجلس إلى مستويات محمودة تعكسها إحصائيات سنة 2006 التي تبين أن أمد حياة القضايا بمختلف غرف المجلس الأعلى لا يتجاوز الثلاث سنوات.

المجلس الأعلى بعيون فقهاء القانون من فرنسا وبلجيكا والسينغال

أكد برنار دوران، الأستاذ بجامعة مونبوليي (فرنسا)، أن 50 سنة الماضية كانت كافية بالنسبة للمغرب لأجل إحداث تغييرات أساسية في ميدان القضاء

وأوضح دوران الذي كان يتحدث خلال الجلسة الأولى من الندوة الدولية حول مستقبل العدالة في القرن الحادي والعشرين أنه لا يمكن لأي أحد أن ينكر أن نهاية الحماية (الفرنسية) شكلت حدثا أساسيا، كما أنه لا أحد يمكنه أن يجادل في أن 50 سنة الماضية منحت المملكة وقتا كافيا مكن من تحقيق استقلالية في المقاربات وأنماط التفكير التي ينهجها القانونيون المغاربة مكنت من إحداث تغيرات أساسية على المستوى القضائي
وأوضح المحاضر الفرنسي في مداخلة تحت عنوان حصيلة الاجتهادات القضائية للمجلس الأعلى بالمملكة المغربية (1914 -2007 ) ماضيا وحاضرا استمرارية أم قطيعة، أن الإطار المؤسساتي الذي يتطور من خلاله العمل القضائي، أسهم في ضمان الاستمرارية وخصوصا بعد اتفاقية 5 أكتوبر1957، التي بموجبها وضعت الحكومة الفرنسية رهن إشارة الحكومة المغربية قضاة فرنسيين لضمان سير المحاكم بالمغرب

ولاحظ المحاضر الفرنسي أنه يتعين تجاوز تلك الاستمرارية الموروثة عن تلك الحقبة نحو استمرارية قائمة على القناعات بما يفيد عدم الاقتصار على الاحتفاظ بهذا الإرث، بل الأخذ به عن قناعة والعمل على إغنائه

من جهة أخرى، شدد دوران على أهمية الاجتهادات القضائية على مستوى محكمة النقض بفرنسا والمجلس الأعلى بالمغرب، خصوصا بعد استقلال المملكة، مضيفا أن هذه الفترة التي امتدت ما بين 1956 و1965 كرست المرونة المطلوبة في اتفاقات التعاون في المجال القضائي

أما الأستاذ غزلاين لندرس الرئيس الأول لمحكمة النقض البلجيكية، قال إن عولمة القضاء تفرض على القضاة العمل بشكل مشترك بهدف إيجاد معايير مشتركة من الواجب احترامها خلال أدائهم لوظيفتهم

وأشار الأستاذ غزلاين، إلى أن الحاجة إلى إطار معياري مهني أدت إلى بروز تفكير مهم على مختلف الأصعدة

وأضاف أنه نتيجة لهذا التفكير المتزامن، هناك مجموعة دولية للقضاة في طريق البروز ومن شأنها أن تتعزز خلال الألفية الثالثة

وسجل الأستاذ لندرس، في عرض تحت عنوان أسس وبنيات العدالة في الألفية الثالثة والوسائل البديلة لتسوية المنازعات، أن العلاقات تتعولم بشكل ملحوظ سواء على صعيد الأشخاص الماديين أو على صعيد المقاولات، موضحا أنه بالنظر إلى تسهيلات التنقل والعولمة التجارية والمالية المساعدة، من الواضح أن العلاقات القانونية العابرة للحدود ستتزايد

وقال إن هذه العولمة تفرض على القضاة تخصصا أكثر دقة بهدف التمكن من مواجهة التخصص الموجود أصلا على صعيد المستشارين القانونيين ومكاتب المحامين
وأبرز الرئيس الأول لمحكمة النقض البلجيكية أهمية بذل جهود مهمة على مستوى التكوين المستمر للقضاة، واصفا الجهود المبذولة حاليا بغير الكافية بالنظر إلى ضرورة وجود بنيات تنظيمية تتلاءم مع هذه الوضعية الجديدة

ومن جهته، دعا الأستاذ فانسان لماندا الرئيس الأول لمحكمة النقض الفرنسية الهيئات القضائية إلى العمل بشكل مشترك بهدف ضمان خدمة ذات جودة سواء بالنسبة للمتقاضين أو للعدالة

كما ناشد في عرض حول موضوع ممارسة الطعن في القرن الحادي والعشرين ودور محكمة النقض، الدول التعاون من أجل العمل لصالح تحقيق العدالة التي تعد عنصرا أساسيا لترسيخ دولة الحق والقانون

ومن جهته أكد الشيخ ويدراوغو، الرئيس الأول لمحكمة النقض ببوركينافاصو، أن التعاون بين محكمة النقض البوركينابية والمجلس الأعلى للمملكة المغربية مثمر وواعد
وأبرز ويدراوغو، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، على هامش هذه الندوة الدولية أن قضاة من محكمة النقض ببوركينافاصو سبق أن شاركوا في دورات تكوينية بالمجلس الأعلى للمملكة، والتي كانت مفيدة جدا، بالإضافة إلى تبادل التجارب بين محاكم البلدين

وأضاف أن القضاة البوركينابيين، كانت لهم الفرصة للاطلاع على التطور الملموس الذي عرفه القضاء المغربي، مذكرا بأن محكمة النقض ببلادهم والمجلس الأعلى للمملكة تربطهما منذ حوالي سنتين اتفاقية تعاون

وقال إذا كانت المحكمة البوركينابية تتلقى سنويا 500 طعن بالنقض، فإن الملفات المعروضة أمام المجلس الأعلى بالمملكة ترتفع إلى حوالي 40 ألفا نحتاج إذن إلى تجربة المجلس الأعلى خاصة على مستوى معالجة الملفات في أقرب الآجال
من جهة أخرى تطرق ويدراوغو إلى التحديث الذي عرفه المجلس الأعلى بالمملكة،الذي جرى تزويده بتجهيزات معلوماتية متطورة

واعتبر في هذا الصدد أن استعمال المعلوميات في القضاء سيمكن بلا شك من تخفيف الإجراءات، إذ أن معالجة الملفات في أقرب الآجال أصبحت ضرورة للتدبير الجيد للقضاء
من جهة أخرى، أشار ويدراوغو إلى أن محكمة النقض ببوركينافاصو والمجلس الأعلى بالمملكة بصدد البحث عن تنظيم ندوة مشتركة مستقبلا حول القضاء في الألفية الثالثة
من جهة أخرى أكد الرئيس الأول لمحكمة النقض بالسينغال بابا عمر ساكو، أن التعاون القضائي بين بلاده والمغرب نموذجي على مختلف الأصعدة

وقال بابا عمر ساكو في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، على هامش الندوة الدولية حول مستقبل العدالة في القرن 21 المنظمة بمقر أكاديمية المملكة المغربية، في إطار إحياء الذكرى الخمسينية للمجلس الأعلى، أنه بفضل هذا التعاون تمكن العديد من القضاة السينغاليين من الاستفادة من التجربة القضائية للمغرب من خلال القيام بدورات تكوينية به

وذكر أنه في يونيو الماضي قام بزيارة إلى المغرب برفقة الوكيل العام لدى المحكمة العليا بالسينغال، حيث وقعت خلالها هذه الأخيرة مع المجلس الأعلى للمملكة، اتفاقية توأمة موجهة لتعزيز التعاون القضائي بين البلدين

وفي هذا السياق، أشار عمر ساكو إلى أن المجلس الأعلى للمملكة ومحكمة النقض بالسينغال التزما بتعزيز علاقات التعاون بينهما في العديد من الميادين خصوصا ما يتعلق بالأحكام القضائية وتبادل التجارب

وذكر أن محكمة النقض قامت أخيرا بإعادة هيكلة وتحديث مصلحة الوثائق، مؤكدا أنه من أجل القيام بهذه المهمة أحسن قيام توجه القضاة السينغاليون إلى المغرب بهدف الاطلاع والاستفادة من التجربة والتطورات التي حققها المجلس الأعلى للمملكة
وأوضح أن التعاون القضائي بين البلدين الشقيقين جد واعد، وأن الطرف السينغالي مقتنع بهذا الأمر

وأضاف أن القضاء بالبلدين يعمل حاليا على تعزيز وتوطيد هذا التعاون على مستوى المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف.

أسرة القضاء تقدم نقدا ذاتيا لتجربة 50 عاما من العمل

قال نور الدين الرياحي، الوكيل العام لدى المجلس الأعلى، رئيس جمعية قضاة المجلس الأعلى، إن تخليد خمسينية المجلس تشكل مناسبة لهذه المؤسسة للانفتاح على وسائل الإعلام عبر إحداث خلية للصحافة.

وأوضح الرياحي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أول أمس الأربعاء، على هامش أشغال الندوة الدولية حول مستقبل العدالة في القرن الحادي والعشرين تنظم بمناسبة الذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الرباط21 (22 نونبر)، أن هذا الانفتاح على وسائل الإعلام يعتبر مؤهلا قويا

وأكد الرياحي، وهو أيضا عضو المكتب المركزي للودادية الحسنية للقضاة، أن إحداث خلية للصحافة داخل المجلس من شأنه أن ينظم التواصل والعلاقة بين وسائل الإعلام والمجلس الأعلى، وأن يرسي دعائم تعاون متبادل بين الطرفين، كما سيمكن وسائل الإعلام من الولوج لمعلومات موثوقة وذات مصداقية

وقال إنه إذا كللت هذه العملية بالنجاح، فإنه سيجرى تعميمها لتشمل كل المحاكم عبر المملكة
أما إدريس بلمحجوب رئيس غرفة بالمجلس الأعلى أكد أن أشغال الندوات الـ 11 الجهوية والوطنية التي نظمت على مدار السنة و المخلدة للذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس، شكلت ذخيرة قانونية مهمة وثروة فقهية شاملة

وأوضح بلمحجوب، أن تنظيم هذه الندوات الجهوية شكل مناسبة لإحياء الذاكرة القضائية واستنطاق الوثائق واكتشاف التراث الفقهي، ومحطة مهمة لتقييم الاجتهاد القضائي بكل إشعاعاته وإخفاقاته إيجابا وسلبا على امتداد عقود من الزمن

وأضاف بلمحجوب في مداخلته التي تمحورت حول »التقرير العام المتضمن لخلاصة أشغال11 ندوة جهوية ووطنية نظمت من طرف المجلس بتعاون مع محاكم استئناف المملكة أن تنظيم مثل هذه الندوات من شأنه أن يساعد على تشريح مجموعة من النصوص التشريعية والانكباب على دراستها من طرف لجان متخصصة ورفع توصيات بشأنها إلى الجهازين التشريعي والتنفيذي

وأشار إلى أن تنظيم هذه الندوات شكل أيضا فرصة للتلاقي والتواصل بين القضاة والمحامين والجامعيين والحقوقيين وفعاليات المجتمع المدني، مضيفا أنه جرى تنظيم معارض موازية لهذه الندوات بهدف إحياء ذاكرة القضاء بمجموعة من المخطوطات والأحكام والوثائق والصور وأدوات العمل القضائية العتيقة التي تمثل ثروة تاريخية وقضائية مهمة
وأشار إلى أن هذه الندوات همت العديد من المواضيع منها على الخصوص كراء المحلات السكنية والتجارية وقضاء الأسرة من خلال توجهات المجلس الأعلى« و»العقود الإدارية ونزع الملكية لأجل المنفعة العامة من خلال توجهات المجلس الأعلى« و»قضايا الاستثمار والتحكيم من خلال توجهات المجلس

وأبرز بلمحجوب أن باقي المواضيع تطرقت إلى المنازعات العقارية من خلال توجهات المجلس الأعلى والمنازعات الانتخابية والجبائية والجرائم المالية من خلال اجتهادات المجلس وصعوبات المقاولة وميدان التسوية القضائية وعقود العمل والمنازعات الاجتماعية من خلال قرارات المجلس الأعلى

وخلص إلى أن هذه الندوات تميزت بحصيلة مهمة من المداخلات والأبحاث العلمية التي بلغت حوالي241 مداخلة، مضيفا أن هذه الندوات جرى طبع خلاصاتها ونشرها لتكون في متناول جميع المهتمين بالشأن الحقوقي

شارك في هذه الندوة نخبة من رؤساء المحاكم العليا، من عدد من البلدان، وكذا عدد من الفقهاء والقضاة والمحامين، المغاربة والأجانب المرموقين

وفي السياق ذاته قال محمد الإدريسي العلمي المشيشي أستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط إن القانون الخاص بالمغرب عرف تطورات جذرية خلال الخمسين سنة الماضية، مضيفا أنه يتبين من منحى مساره أنه مقبل على تغييرات عميقة أخرى

وأضاف المشيشي العلمي، الذي كان يتحدث في الجلسة الثانية من الندوة الدولية حول مستقبل العدالة في القرن الحادي والعشرين التي افتتحت صباح أول أمس الأربعاء بالرباط والمنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أن هذه التغييرات ستكون منسجمة مع ما يعرفه المجتمع المغربي من قفزات نوعية في ظروفه السياسية والحضارية وفي علاقاته مع المحيط الدولي وأوضح ، في عرض تحت عنوان خمسون سنة من القانون الخاص، أن معالم التغيير تنقسم إلى مجموعتين أولهما الخطوط العريضة للتوجهات التي تتمحور حول تناقض فلسفة أو سياسة الليبرالية ومنهج التوجيه الإجباري من جهة، في إطار هيمنة الهاجس أو العامل الاقتصادي على القوانين الجديدة من جهة أخرى أما ثانيهما فتهم التحولات المنصبة على المؤسسات المركزية للقانون وفي هذا الصدد, قال المشيشي العلمي إنه رغم كون المؤسسات المحورية أو المركزية للبناء القانوني تنبع من تجارب ضاربة في عمق التاريخ الفكري والحضاري بحيث يكون كل تغيير لها بمثابة كسر لنسق مسار التشريع في طريق تطوير المخزون الفكري الوطني، يلاحظ أن المراجعات الراهنة للقوانين والتشريعات الجديدة أدخلت على الصرح القانوني ببلادنا تغييرات جوهرية مخالفة لهذه المعطاة، لن تلبث أن تؤثر في القواعد الدقيقة والمعمقة لمفاهيمنا القانونية

وأشار إلى أنه يمكن تركيب الملامح الكبرى لهذا التحول في مراجعة كل من بنية العلاقة القانونية وغايتها وروحها، والمؤسسات القانونية

ويبرز تطور بنية العلاقة القانونية، يضيف المشيشي العلمي، خاصة في مسألتين أو ركيزتين لكل معاملة قانونية (مفهوم أطراف العلاقة القانونية والمدلول الاصطلاحي للمال الذي يكون محلا لها)

أما روح وغاية بنية العلاقة القانونية فتشكل جانبا مهما من فلسفة القانون يتعلق بأثر الحياة الاقتصادية على مفهوم الالتزام، وبانعكاس الاكتشافات العلمية على قيام الحق والمسؤولية وأخيرا بتضاؤل المركز الاجتماعي للإنسان الفرد في ضوء تنامي دور النظام العام وكل ذلك في تشابك معقد مع المعطيات الاقتصادية والعلاقات الدولية وانعكاساتها أو تداخلها مع مكونات السيادة الوطنية بكل تجلياتها

وقال المشيشي العلمي إن الأمر يتعلق أساسا بمفهوم الإرادة في ضوء التزام الأطراف، وبشكل أو نوعية الإثبات وأثره أو مفعوله، ثم بمكانة الحق الفردي ضمن النظام العام
وخلص إلى أن مفهوم الحق الشخصي ومن ورائه مضمون القانون الخاص يتأثر على الصعيد المحلي بتضييق نطاقه، وبالتالي بتشديد القيود على مجال ممارسته أي في العمق على الحرية الفردية، مضيفا أن ذات الأثر يبقى على الصعيد الدولي، لكن مع إضافة تضييق آخر نابع من العلاقات الدولية ومن ظاهرة تقلص السيادة الوطنية في كل المجالات بما فيها حماية الدول المستضعفة لمواطنيها، ولو داخل حدودها

كما أكد مسؤولون قضائيون، أن القضاء المغربي مدعو إلى مواكبة تحديات العولمة والمزيد من الانفتاح على التجارب القضائية الدولية وأوضحوا، أن الغاية من هذه الندوة تتجلى في تأكيد الجهود التي جرى بذلها في مجال الارتقاء بالقضاء عبر الاجتهاد القضائي والتكوين، وكذا في مجال الانفتاح على التجارب العريقة من خلال الدبلوماسية القضائية وتبادل الخبرات، واستشراف التحديات المطروحة في ظل العولمة والثورة التكنولوجية
وهكذا، قال محمد سعيد البناني المدير العام للمعهد العالي للقضاء، إن الندوة تتوج تراكمات نصف قرن من جهود المجلس الأعلى لتدعيم دولة القانون والارتقاء بالقضاء
واعتبر أن القضاء أصبح بصفة جازمة في قلب التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان
موضحا أنه لا يمكن مواجهة التحديات التي تطرحها هذه الميادين إلا من خلال التوفر علىمنظور متطور للقضاء، يسعى فيه هذا الأخير إلى التوفيق بين القانون والواقع
أما حسن مرشان، عضو بالغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، فقد قال إن القضاء المغربي الذي يواجه، على غرار القضاء في باقي دول العالم، التحديات المرتبطة بالعولمة واقتصاد السوق, يسعى من خلال تنظيم الملتقيات والتكوين المستمر للقضاة أن يستوعب ويواكب ظروف ومناخ هذه التحديات عبر الاطلاع على القانون المقارن وإبرام الاتفاقيات الثنائية وتبادل الخبرات مع بلدان أخرى

ومن جانبه، أكد نور الدين رياحي، رئيس جمعية قضاة المجلس الأعلى، أن المجلس يسعى إلى جعل الاجتهاد القضائي المغربي في مستوى الهيئات القضائية الدولية العليا
وقال إن المجلس مدعو إلى رفع تحدي الانفتاح على التقاليد القضائية الدولية الأخرى
وفي هذا الصدد، أشار إلى أن المجلس عضو بجمعية الهيئات القضائية العليا الناطقة باللغة الفرنسية، مضيفا أن المجلس أجرى عدة توأمات مع مجالس قضائية عليا أخرى
كما أبرز الدور الذي يجب أن يلعبه المجلس على المستوى الدولي سواء في إطار الدبلوماسية القضائية أو عبر العمل على التعريف بالقيم القضائية المغربية بالخارج

وأبرز أهمية إنجازات الاجتهاد القضائي المغربي منذ سنة 1913، والتحديات المطروحة على القضاة المغاربة في المجال الاجتماعي والصناعي والاقتصادي

وبالنسبة لمحمد الصفريوي، رئيس غرفة بالمجلس الأعلى الشعبة الجنائية فقد ذكر أنه جرى في إطار الاحتفالات المخلدة لخمسينية تأسيس المجلس الأعلى، تنظيم عدة ندوات جهوية, في جملة من المواد قضائية همت الجانب المدني والجنائي والتجاري

وأشار إلى أن هذا اللقاء يشكل فرصة لتبادل الآراء بين مختلف المسؤولين القضائيين المشاركين، مؤكدا أنه يجب التفكير في آليات جديدة تمكن القاضي من التعامل مع قضايا مستقبلية بمنظور جديد .




تابعونا على فيسبوك