تجسيد إرادة العرش والشعب في استكمال الاستقلال وتحقيق الوحدة الترابية

المغرب يخلد الذكرى 51 لانطلاق عمليات جيش التحرير بالجنوب

الخميس 22 نونبر 2007 - 07:00

يخلد الشعب المغربي من 21 إلى 23 نونبر الجاري، الذكرى 51 لانطلاق عمليات جيش التحرير بالجنوب، والذكرى 50 لانتفاضة قبائل آيت باعمران، هذه الملاحم التي مثلت محطات بارزة ووازنة في مسيرة الكفاح الوطني لاستكمال الاستقلال.

وتحقيق الوحدة الترابية

وذكرت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في بلاغ لها بالمناسبة، بأن المغرب خاض عبر التاريخ نضالات مريرة، وملاحم بطولية في مواجهة الاستعمار، الذي لم يدخر جهدا لبسط نفوذه وهيمنته على التراب الوطني قرابة نصف قرن، قسم خلالها البلاد إلى مناطق نفوذ موزعة بين الحماية الفرنسية بوسط المغرب، والحماية الإسبانية بشماله وجنوبه، فيما خضعت منطقة طنجة لنظام دولي، وهذا ما جعل مهمة تحرير التراب الوطني صعبة وعسيرة، قدم العرش والشعب في سبيلها كل غال ونفيس في سياق كفاح وطني عالي المقاصد، متلاحق المراحل، طويل النفس، ومميز الصيغ، لتحقيق الحرية والاستقلال والوحدة الترابية والسيادة الوطنية ومن الصفحات المشرقة في سجل التاريخ النضالي والأمجاد الوطنية، يجدر الوقوف عند روائع ومنارات وضاءة على درب التحرير

فمن الانتفاضات الشعبية كحركة الشيخ أحمد الهيبة بالجنوب سنة 1912، إلى معركة الهري بالأطلس المتوسط سنة 1914، إلى معارك أنوال بالريف سنة 1921، إلى معارك بوغافر بمنطقة ورزازات، ومعارك جبل بادو بالرشيدية سنة 1933، وغيرها من المحطات التاريخية الطافحة بالمواجهات ضد المحتل الأجنبي

كما اتخذ النضال الوطني صيغا وأشكالا من العمل السياسي كمناهضة ظهير التمييز بين أبناء الوطن الواحد والتفريق بين العرب والبربر سنة 1930، وتقديم مطالب الشعب المغربي الإصلاحية والمستعجلة في 1934 و1936، فتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير1944، وهي مراحل جاهد بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه لبلورة توجهاتها وأهدافها، ورسم معالمها وإذكاء إشعاعها، منذ توليه عرش أسلافه المنعمين في 18 نونبر1927، حيث جسد الملك المجاهد قناعة شعبه في التحرير، وإرادته في الاستقلال، ومثل بنضاله المستميت وتضحياته الجسام رمزا للمقاومة والفداء، ووقف ومجددا لمطالب جاهرا المغرب في الحرية والاستقلال، ومعلنا انتماءه العربي الإسلامي في خطاب طنجة التاريخي في9 أبريل1947، مؤكدا العزم على إنهاء الوجود الاستعماري وتمسك المغرب بمقوماته الأصيلة وثوابته العريقة
وستتواصل وستتعزز هذه المواقف الرائدة والوازنة بمبادرات وتوجهات جلالته، رضوان الله عليه، في التصدي لكل أشكال الهيمنة الاستعمارية، ومحاولات طمس الهوية الوطنية وإدماج المغرب في ما سمي بالاتحاد الفرنسي

وبلغ التحدي بسلطات الإقامة العامة الفرنسية حد الإقدام على مؤامرتها الشنيعة وفعلتها النكراء بنفي بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس، ورفيقه في الكفاح جلالة المغفور له الحسن الثاني، رضوان الله عليهما،والأسرة الملكية الشريفة في 20 غشت 1953، اعتقادا منها بأنها بهذا الاعتداء الجائر ستفك الميثاق التاريخي بين الحركة الوطنية ورائدها، وستفصل بين العرش والشعب وتحد من جذوة الكفاح المتقد والمتوهج
إلا أن تداعيات هذه المؤامرة لم تزد السلطان الشرعي إلا صمودا وتمسكا بالدفاع عن مقدسات وطنه، ولم تزد المغاربة إلا قوة في مواصلة النضال وتفجير طاقاتهم الثورية لتثبيت الشرعية والمشروعية التاريخية بعودة الملك المجاهد وأسرته الكريمة من المنفى وإعلان الاستقلال، وهو ما تحقق في 16 نونبر1955، بعودة بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس نور الله ضريحه والأسرة الملكية الشريفة من المنفى إلى أرض الوطن، مظفرا منصورا حاملا لواء الحرية والاستقلال، وهي المحطة التاريخية التي يخلد الشعب المغربي من أقصاه إلى أقصاه هذه الأيام ذكراها 52 في أجواء غامرة بالاعتزاز والإكبار والوفاء، والبرور بقائدها الخالد بطل التحرير بأمجاد الكفاح الوطني في ذكرى عيد الاستقلال المجيد

لم يكن انتهاء عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الحرية والاستقلال إلا بداية لملحمة الجهاد الأكبر لبناء صروح المغرب الجديد، الذي كان من أولى قضاياه ومهماته الأساسية، تحرير ما تبقى من التراب الوطني من نير الاحتلال والنفوذ الأجنبي

وفي هذا المضمار, تواصلت مسيرة الكفاح الوطني، وكان انطلاق طلائع وقوات جيش التحرير بالجنوب المغربي سنة 1956، تعبيرا قويا يجسد إرادة العرش والشعب في استكمال الاستقلال وتحقيق الوحدة الترابية

وهكذا، خاض أبناء القبائل الصحراوية وإخوانهم المجاهدون الوافدون من كافة الجهات والمناطق المحررة غمار عدة معارك بطولية على امتداد ربوع الساقية الحمراء ووادي الذهب

واكتسح أبطال جيش التحرير الربوع المجاهدة في الأجزاء المغتصبة من التراب الوطني بالأقاليم الصحراوية، ليحققوا ملاحم بطولية وانتصارات باهرة لم تجد القوات الإسبانية أمامها إلا أن تتحالف مع القوات الفرنسية في ما سمي بعملية ايكوفيون
ومن هذه المعارك البطولية هناك معارك الدشيرة والبلايا والمسيد وأم العشار والرغيوة واشت والسويحات ومركالة وغيرها من الوقائع التي ما من شبر بربوع الصحراء إلا ويخلد ذكرها وأبطالها، ومن معارك التحرير أيضا كان يوم 23 نونبر1957، يوما خالدا في تاريخ المغرب، حينما انتفضت قبائل آيت باعمران ضد الاستعمار مواصلة مواقفها الوطنية لتدخل في معارك طاحنة تلقن خلالها المحتل درسا في الوطنية، حيث شهد هذا اليوم هجومات مركزة على 16 مركزا إسبانيا في آن واحد، تراجع على إثرها الإسبان إلى الوراء ليتحصنوا بمدينة سيدي إيفني

ودامت هذه المعارك البطولية حتى 12 دجنبر من السنة نفسها، تكبدت خلالها قوات العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد رغم قلة عدة وعدد المجاهدين الباعمرانيين ومحدودية إمكانياتهم
وتواصلت مسيرة التحرير المباركة على كافة الواجهات الوطنية وفي المحافل الدبلوماسية الدولية، وظل الملك المجاهد جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه، يجاهر بحق المغرب في تحرير صحرائه، ومن ذلك خطابه التاريخي بمحاميد الغزلان في 25 فبراير1958، حيث استقبل جلالته مجددا وفود وممثلي وأعيان قبائل الصحراء الذين هبوا رغم الحصار المضروب على مناطقهم للقاء الملك المجاهد، وتجديد البيعة له، وتأكيد تجندهم دفاعا عن مقوماتهم وهويتهم الوطنية

وعرفت سنة 1958، كسب رهان من رهانات مسيرة استكمال الوحدة الترابية تمثل في استرجاع منطقة طرفاية

وواصل المغرب بقيادة جلالة المغفور له الحسن الثاني قدس الله روحه مسيرة التحرير بكل عزم وإيمان، وتمكن المغاربة بفضل الالتحام الوثيق بين العرش والشعب من استعادة مدينة سيدي إفني في 30 يونيو1969، وتكللت المساعي والتحركات النضالية بالمسيرة التاريخية الكبرى، مسيرة فتح المظفرة في 6 نونبر1975، التي جسدت متانة التعبئة الوطنية، وعمق الإيمان دفاعا عن المقدسات الدينية والوطنية، وعبقرية ملك استطاع بحكمته وحنكته وبعد نظره أن يحقق استرجاع الأجزاء المغتصبة من الوطن، وارتفعت راية الوطن خفاقة في سماء العيون في 28 فبراير 1976، إيذانا بجـلاء آخر جندي أجنبي عن الصحراء المغربية، وكذلك كان يوم 14 غشت 1979، الذي جرى فيه استرجاع وادي الذهب إلى حظيرة الوطن الأب محطة بارزة وحاسمة في مسلسل ملحمة الوحدة الوطنية، وإنهاء فترة التقسيم والتجزئة التي عاناها منها طويلا أبناء الوطن الواحد
تواصلت ملحمة صيانة الوحدة الترابية بكل عزم وإصرار لإحباط مناورات ومخططات خصوم الوحدة الترابية للمملكة التي لم تزدها إلا رسوخا ووثوقا وتعبئة شاملة ومستمرة لمواجهة كل التحديات الخارجية والتصدي لكل المؤامرات الانفصالية

وها هو المغرب اليوم بقيادة رائده باعث النهضة المغربية جلالة الملك محمد السادس يقف صامدا في الدفاع عن حقوقه الراسخة، وتثبيت مكاسبه الوطنية، مبرهنا بإجماعه الوطني على استماتته في صيانة وحدته الثابتة، ومؤكدا للعالم أجمع من خلال مواقفه الحكيمة والمتبصرة إرادته القوية وتجنده التام دفاعا عن مغربية صحرائه، وعمله الجاد والمتبصر، لإنهاء كل أسباب النزاعات المفتعلة، وحرصه الصادق على تقوية أواصر الإخاء والتعاون وحسن الجوار بالمنطقة خدمة لمصالح شعوبها وتعزيزا لاتحادها واستشرافا لآفاق مستقبلها المنشود

وأكدت المندوبية السامية، في بلاغها، أن ما يوحي به تخليد هذه الذكريات الوطنية العطرة والمجيدة هو إبراز ما تزخر به من قيم سامية لتنوير أذهان الناشئة والأجيال الصاعدة والجديدة بأقباسها في مسيرات الحاضر والمستقبل إعلاء لصروح المغرب الجديد وصيانة لوحدته الترابية ومكاسبه الوطنية.




تابعونا على فيسبوك