التراث والاجتهاد في العدد الجديد من مجلة الإحياء

استعادة الوعي بالسياق في المراجعة النقدية للتراث الإسلامي

الإثنين 19 نونبر 2007 - 11:38

صدر العدد الجديد (26) من مجلة الإحياء التي تصدرها الرابطة المحمدية للعلماء وهو العدد الثاني في صيغتها الجديدة، وذلك بعد أن تحوّلت الرابطة من رابطة علماء المغرب.

إلى الرابطة المحمدية للعلماء، وهو أيضا، في نظرنا، إحياء للإحياء، للمجلة وللدور الإعلامي للرابطة، مادامت ناطقة باسم مؤسسة علمية يُنتظر منها الشيء الكثير، بالنظر إلى التحديات العلمية والمجتمعية التي يمر منها المغرب المعاصر

نطلع في العدد على افتتاحية حررها أحمد عبادي (الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء)، حيث أبرز جملةً من المشاكل التي تعترض أداء فقهاء الشريعة الإسلامية، وقد لخصها في ثلاث نقاط:

المشكلة الأولى : كيفية فقه النص، وآليات وضوابط فقه دينامي متجدد ووظيفي للنص، والتمييز بين الثابت في اجتهادات السابقين وبين ما هو قابل للتحول والتغير
كما ركز على ضرورة تطوير آليات ومنهجيات التعامل مع الجوانب الثابتة والجوانب القابلة للتجدّد في الفقه الإسلامي بنَفَسٍ مقاصدي يروم جلب المصالح ودرء المفاسد باتزان
المشكلة الثانية : كيفية فقه الواقع بكل سماته وبكل تمظهراته بالغةِ التعقيد والتركيب والتشابك
أما المشكلة الثالثة فتتمثل في كيفية تنزيل أحكام النص المطلق المتجاوِز المهيمِن، بطريقة متوازنة، على هذا الواقع المتقلب المتغير العيني المشخَّص
ولضمان تعامل فعال مع هذه المشاكل الثلاثة في أفق حلها اقترح أحمد عبادي مقتضيين منهاجيين : الأول يتمثل في المنطلقات التي ينطلق منها الفقيه المسلم، أي الباراديغمات (Paradigmes) والنماذج المعرفية

ومن بين النماذج التي ركز عليها في افتتاحيته : النموذج التعارفي، أما الثاني فيتعلق بتحديد آليات التعاطي مع هذه المشاكل الثلاثة، وتبيّن العلاقة الجدلية بين النماذج المعرفية التي تُشكل المنطلقات وبين الآليات المستعمَلة من أجل تحقيق الغايات المستهدَفة

من المواد النوعية للعدد، نطلع على مالا وصفه الزميل والباحث جواد الشقوري (رئيس تحرير المجلة) بالمدارسة الفكرية مع عبد المجيد الصغير، أستاذ الفلسفة وتاريخ الفكر الإسلامي في جامعة محمد الخامس بالرباط، حول أهمية المراجعة النقدية للتراث الإسلامي، حيث أوضح المُحاوَر أن هذه المراجعة كانت تعتبر منذ البداية الأولى لنشأة علوم الإسلام في القرن الأول للهجرة مراجعةً ضروريةً وواجباً دينيا، مشيرا إلى وجود مساحات من تراثنا في حاجة إلى إعادة فهم، وداعيا إلى جعل العقل، بمفهومه الإيجابي، أساسا ومنطلقا لمراجعة القديم والحديث معا

وفي هذا الصدد ركّز الصغير على ضرورة تنقية تراثنا الكلامي من الفكر الإقصائي، فلازالت (في رأيه) مصنفات علم الكلام تشكو من تراكم العديد من الأحكام الغليظة والقراءات الإسقاطية

من ناحية ثانية، أوضح الصغير أنّ العديد من النصوص الإسلامية تُمارَس عليها أنواعٌ من القراءات ليس لها من معنى القراءة إلا الاسم، مضيفا بأنّ كل قراءة تزعم لنفسها العلمية والموضوعية لابد أن تكون ذات ضوابط عقلية واضحة، وأن تكون كلية لا انتقائية، بحيث تراعي بنية النص المقروء وتضعه في سياقه الخاص، كما رأى أن الفصل بين العلم وتاريخه في الإسلام والغفلة عن جدلية العلاقة بينهم طالت العديد من العلمانيين وأصحاب القراءات الجديدة

وفي محور ذي صلة بالتنوع الحضاري والتعدد الثقافي، اعتبر الصغير الخصوصية مطلبا إسلاميا أصيلا، مشيرا إلى أن الحضارة الإسلامية ما كانت أبدا حضارة نموذج وحيد مفروض مطلوب استنساخه، بل كانت منذ تأسيسها القرآني حضارةَ قيم ومفاهيم وليست حضارة صور وأشكال

ولعل من أبرز تجليات هذه الخصوصية بروز ما يمكن تسميته بالخصوصية المغربية خاصة في أبعادها الثلاثة : المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني

هذه الأبعاد الثلاثة (يقول الصغير) ساهمت مجتمعة بأكبر قسط في تشكيل وترسيخ الفكر المغربي وتحديد خصائصه

خصص ملف العدد، تتمة لملف العدد السابق، أي موضوع السياق، وجاء تحت عنوان : الاجتهاد المعاصر واستعادة الوعي بالسياق، وهكذا أوضح طه جابر العلواني (رئيس جامعة قرطبة، واشنطن) في مبحثه حول السياق : المفهوم، المنهج، النظرية، أن دلالات السياق وأبرز الدلالات كلّّها وأقواها في خدمة النص وإبراز معانيه، وبأن مفهوم السياق تطور تطوّراً دلاليّاً ليصبح نظريَّة كاملة عرفت في عصرنا هذا بالنظريَّة السياقيَّة ونبه إلى كون معرفة السياق في القرآن خاصّة تعدّ من الضروريات لسائر الذين يتعاملون مع القرآن المجيد، وأن القراءة السياقيَّة هي قراءة من يلتمس بالكتاب الكونيّ منهجا لإعادة بناء الأمة وإخراجها من أزماتها

أما فاروق حمادة (أستاذ كرسي السنة وعلومها بجامعة محمد الخامس بالرباط) فتناول بالبحث مسألة مراعاة السياق وأثره في فهم السنة النبوية، فبالنسبة له فإنه تأكيداً لمراعاة السياق قسّم العلماء السنة إلى قولية وفعلية، ونظروا بعمق وشمولية إذا اختلفت السنَّتان وتعارضت القولية مع الفعلية فلأيتهما الأسبقية

ولعل من أكثر الميادين التي ظهرت فيها العناية بالسياق (في نظر الباحث) هي البحث عن أسباب ورود الحديث، ومن هنا استطاع المحدثون من خلال بيان الأسباب وسياق الأحاديث بملابساتها وظروفها تحديد الأحاديث المنسوخة السياق في الاصطلاح التفسيري : مفهومه ودوره الترجيحي، عنوان مساهمة الباحث المغربي محمد إقبال عروي (مستشار بقطاع الشؤون الثقافية بوزارة الأوقاف الكويتية)، تناول فيها دور السياق في ترجيح معنى معين على ما سواه، وتقوية دلالة مخصوصة على حساب دلالات مرجوحة، ورفع الاحتمالات بتأكيد احتمال واحد قوي لقوة مرتكزه السياقي أما الباحث المصري محمد كمال الدين إمام (رئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بالإسكندرية)، فقد تناول بالبحث سؤال -المعنى والسياق بين الشافعي والشاطبي : رؤية مقاصدية، ورأى أن منهج السياق عند الشافعي ارتبط بجهده التأسيسي لعلم الأصول، ومباحثه التأصيلية لبيان القرآن والسنة، وأن هذا المنهج في الرسالة من المفاهيم الحاكمة لضبط عملية الاستنباط

ومن جهته، توقف الباحث المغربي حميد الوافي (أستاذ بكلية الآداب بمكناس) في بحثه عند الوظائف المنهجية للسياق من خلاله تركيزه على قضية المعنى بين اللفظ والقصد، وبيّن أن اعتبار السياق في المنهجية التشريعية أمر يجد شرعيته في قصد الشارع الإفهام، كما رأى أن عمل الأصوليين يتسع في باب التأويل ليعتمد السياق بأوسع مظاهره

واقع المسلمين بالغرب : من أجل اجتهاد متنور لسياق متغير، عنوان مساهمة منير القادري (مدير المركز الأورو متوسطي لدراسة الإسلام اليوم بباريس)، ومما جاء فيها أن واقع المسلمين بالغرب يتطلب اجتهادا خصبا وفعالا على مستوى الخطاب الديني والخطاب الفقهي

وجاءت المساهمة الأخيرة في الملف تحت عنوان : الواقع الافتراضي وأثره في إدراك الأحكام الفقهية، لهشام جعفر (رئيس تحرير الموقع العربي في شبكة إسلام أونلاين)، وبيّن فيها أن الفقه لم يراع بشكل كاف الفروق بين العالمين : الحقيقي والافتراضي، بل لم يتنبه للخصائص النفسية والحيل الافتراضية التي يلجأ إليها المتعاملون في الواقع الافتراضي، وأضاف بأنه يجب أن يحتاط للعبادات والعلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تنشأ في الواقع الافتراضي ما لا يحتاط للأموال، وأنه لابد من اعتبار الإرادة المختارة التي يصدر عنها السلوك في الحكم عليه جوازاً أو منعا

وقد تضمن العدد كذلك مجموعة من المساهمات موزعة على أبواب المجلة الثابتة
في زاوية متابعات قامت المجلة بتغطية شاملة للندوة العلمية الدولية التي نظمتها الرابطة المحمدية للعلماء في موضوع : أهمية اعتبار السياق في المجالات التشريعية وصلته بسلامة العمل بالأحكام

أفكار عن الفقه المستقبلي للباحث إلياس بلكا كان عنوان موضوع زاوية رؤية للنقاش
وقد ضمت زاوية دراسات شرعية طائفة من الدراسات جاءت على الشكل التالي : المنحى الحجاجي للخطاب القرآني وأثره في منهج الاستدلال الأصولي (الحسن بنعبو)، معالم الفكر الأصولي قبل الإمام الشافعي (بوشرى الشقوري)، آداب الإجراء العقابي في التشريع الجنائي الإسلامي (نجوى التجكاني)

وقد جرى اختيار مساهمة عبد الوهاب الفيلالي من خصائص خطاب التوجيه الخلقي في الأدب الصوفي المغربي ضمن زاوية جماليات المذهب المالكي في خصوصياته كان عنوان مساهمة إدريس حمادي ضمن زاوية مالكيات

وفي زاوية رؤى وتصورات نقرأ لحسان الباهي بحثا بعنوان : العلم بين الأخلاق والسياسة

كما جرى تخصيص موضوع زاوية ذخائر للحديث عن مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في التراث الإسلامي، وكانت بتوقيع عبد اللطيف الجيلاني

وأخيرا، ضمّت زاوية رسائل جامعية عرضا مركزا لأطروحة الباحث إدريس نغش حول : دراسة فلسفية وتحليل رياضي وتحقيق لكتاب التمحيص في شرح التلخيص لابن هيدور التادلي أحد أهم أعلام الرياضيات في القرن الرابع عشر الميلادي.




تابعونا على فيسبوك