يحملنا الفنان الصحافي عبدالعزيز مريد، في معرضه الفني الذي افتتح أمس الجمعة برواق نويكة بالأوداية ـ الرباط، إلى معانقة عالم الجدران القديمة والمتآكلة، التي تخفي في عمقها آثار الزمن والتاريخ الذي مضى.
في هذا المعرض الذي يتواصل إلى غاية السادس من دجنبر المقبل، يستعيد عبدالعزيز مريد، بعضا من ذكرياته من خلال همس الجدران الذي يوقض فيه الحنين ويفسح المجال لذاكرته لتستعيد نبضها وسلطتها، وأيضا رغبتها في الإبداع
قال مريد في حوار مع المغربية إن معرض همس الجدران ليس بالضرورة إحالة على جدران السجن الذي قضى فيه ما يقارب عشر سنوات بسبب أفكاره الثورية، ولكن هو إحالة على كل حائط له حمولاته التاريخية سواء داخل السجن أو خارجه
وأضاف مريد أنه سيواصل بحثه في مجال الرسم والصورة من خلال مشروع فني جديد يستلهم فيه رواية الخبز الحافي لمحمد شكري، موضحا أن اختياره لهذا الكاتب نابع من إحساسه بضرورة تعرية الواقع من أجل العمل على تغييره، وهو العمل نفسه الذي حققه شكري في كتاباته
وقال مريد أنا فنان وقح شيئا ما، لكن ليس بالمعنى الأخلاقي للكلمة وإنما بالمعنى الجمالي والفني، الذي يسائل الواقع بكثير من الجرأة الأخلاقية والسياسية…
٭ اعتمدت في معرضك همس الجدران على الاحتفاء بالألوان الساخنة، لماذا؟
- هو اختيار فني وجمالي محض، أردت أن أبتعد شيئا ما عن الألوان الكلاسيكية المعروفة مثل الأخضر والأحمر والأزرق، وأعتقد أن الموضوع الرئيسي للمعرض الذي هو همس الجدران تطلب مني البحث في الألوان المناسبة القادرة على التعبير بدقة عن هذا الهمس وعن هذه الجدران العتيقة
بالنسبة لي الفنان يجب أن لايبقى محدودا ومحصورا في تجربة معينة بل يجب أن ينفتح على تجارب متعددة سواء من ناحية الأشكال أو الألوان
٭ وماذا وراء هذا الهمس؟
ـ هي محاولة تصفية حساب مع ماضي السجن الذي عشته، وإن كان هذا المعرض ليس مرتبطا بالضرورة بتجربتي السجنية الماضية، لذلك يمكن أن أقول إن كل إنسان يمكن أن يجد نفسه وذاكرته في ما قد يوحي إليه حائط أو بيت قديم، يستعيد من خلاله ذاكرته ويحمله الحنين إلى سنوات ماضية، أنا هنا أتجاوب مع عالم الجدران القديمة سواء كانت داخل السجن أو خارجه، وأستعيد من خلالها حنينا مثقلا بذكريات وأحاسيس ومتخيل
أتذكر أن فضاء الزنزانة التي كنت بها كان هو الآخر مفتوحا على التأمل في جدرانها وفي سقفها المتآكل، الهش والوسخ
جدران كانت توحي إلي ببعض الصور، انطلاقا من تلك الأشكال المرسومة فيها بحكم التقادم، وكانت هذه الجدران تجذبني وكنت أجد فيها نفسي وفرجتي
لقد صاحبتني الرغبة في التعامل مع الجدران القديمة طويلا، ولم أتمكن من التعبيرعنها كتابة أو من خلال اللوحة، إلى أن انفجرت أخيرا وأعطت ولادة أول لوحة كانت هي البداية لأربعين لوحة أخرى حول هذا الهمس المنبعث من الجدران
وهذا الهمس هو كل ما توحي إلي به الجدران من أحاسيس وانفعالات
٭ اذن انت تحاول التحرر نوعا ما من ماضيك؟
ـ نعم، بالنسبة لي الرسم هو وسيلة للتحرر، وأعتقد أن هناك وسيلتين لمواجهة الواقع : إما الغضب والحقد والكراهية والإحتقان، وإما استغلال المعاناة من أجل الإبداع، وأنا اخترت الإبداع وسيلة لمواجهة واقعي والتغلب على مخلفات مرحلة معينة من حياتي هي مرحلة الإعتقال والسجن
والحقيقة أنني وجدت في الرسم سواء على اللوحة أو الشريط المصور ذاتي وانسانيتي، ومن خلال هذا الإبداع أحاول أن أنشر الجمال والحب من حولي بدل الحقد والكراهية
أحاول أن أشرك الآخرين من حولي في هذه التجربة، وأن أنقل إليهم معاناة شخصية بطريقة فنية، وبالنسبة لي تجربة السجن كانت غنية جدا، وقد استفدت منها كثيرا على المستوى الإبداعي والآن أشارك الآخرين جمالية هذه الاستفادة
٭ هل هناك من علاقة بين التشكيل والشريط المصور، خصوصا وأنك أبدعت في ألبومي الحلاق، وإننا نجوع الفئران؟
لاعلاقة ولا تقارب، الأشرطة المصورة تعوض عندي الكتابة القصصية، فألبوم الحلاق مثلا عبارة عن رواية مصورة تحكي مرحلة كاملة من تاريخ المغرب هي مرحلة الستينات، أما اللوحة فلها خصوصياتها، إنها ليست مرتبطة بحكي أو قصة أو حدث، هي تعبير عن إحساس وومضات تخالج الإنسان في لحظات معينة
وكما قلت سابقا فأنا أحاول الإشتغال في اللوحة على مواضيع تشغلني في مرحلة معينة لكنها غير مرتبطة بأحداث، هي مرتبطة أكثر بأشياء إنسانية ووجودية
٭ ألا تفكر في الكتابة؟
ـ حاليا أشتغل على الخبز الحافي لمحمد شكري، هذا المشروع أوقفته الآن في انتظار الإنتهاء من المعرض التشكيلي
٭ ولماذا محمد شكري بالذات؟
ـ يمكن القول إنني فنان وقح شيئا ما، لكن ليس بالمعنى الأخلاقي للكلمة،وإنما بالمعنى الجمالي والفني، الذي يسائل الواقع بكثير من الجرأة الأخلاقية والسياسية
لقد وجدت في شكري شخصا وفنانا جريئا استطاع أن يصارحنا بواقعنا الفعلي، الجنس، الفقر، أطفال الشارع، أشياء كان من المفروض أن نعرفها وأن نتساءل حولها حتى نتجاوزها، ولا يمكن أن نحقق كل ذلك إلا من خلال الكشف عنها وفضحها وليس التكتم والتستر
مطلوب أن نناقش واقعنا لنعرف كيف هو، لأجل أن نجد له حلولا، وأنا ضد اللغة الخشبية والتكتم والتمويه، لذلك وجدت في تجربة شكري سواء في الخبز الحافي أو في زمن الأخطاء، فضحا حقيقيا للواقع اليومي، ومن هنا جاء اختياري للخبز الحافي للاشتغال عليها ضمن ألبومي المصور المقبل لأقدمها لأكبر عدد من القراء من خلال الرسم
هذه هي الوقاحة التي تكلمت عنها، إنها نوع من الجرأة السياسية والأخلاقية
٭ ألا تعتقد أن لهذه الوقاحة ضربة وثمنا معينا؟
ـ بطبيعة الحال يمكن للإنسان أن يعيش معزولا، أو أن يكون مصيره السجن وإن كان هذا المصير الأخير لم يعد بالوقع نفسه الذي كان من قبل، وأعتقد أن الفن الذي يريد أن يبقى مخلصا لما هو معهود ومتفق عليه، ليس فنانا وإنما حرفة، والفنان الحرفي إنسان محترم بطبيعة الحال لكنه ليس مبدعا، أما الفنان فهو الذي يخرج عن المألوف والمعهود وهو الذي يكسر الرتابة ويكسر الاتفاق المجتمعي
٭ إذن أنت تواصل ثورتك على الواقع؟
ـ فعلا انا دائما كنت ثوريا في أفكاري، لايمكن أن تفرض علي أشياء انطلاقا من كونها متفق عليها، المهم بالنسبة لي أن أكون مقتنعا بما حولي وبمن حولي ومدخل الحرية في رأيي هو الفن سواء في السينما أو القصة والرواية أو الموسيقى أو غيرها
٭ لماذا لاتفكر في الكتابة؟
أتمنى أن أصل هذا المستوى،لدي مشاريع في هذا الاتجاه،روايات سأحاول أن أجعلها ترى النور بعد سنة أو سنتين
٭ هل تأثرت باتجاه معين في ميدان التشكيل؟
ـ في البداية تأثرت بالانطباعية الفرنسية،كنت أتعامل مع لوحات انطباعيين نظرا لغنى ألوانهم وتعدد مواضيعهم، بعد ذلك تخلصت من هذه الإرهاصات، وأصبحت لي تجربتي الخاصة، وأصبحت أعمالي تعبيرا خالصا عن حياتي ووجودي الآن أرى نفسي كما أنا، أنطلق من حمولتي المعرفية والحياتية، ولم يعد للتقليد وجود عندي بل أخذ مكانه الإبداع والأكيد أنني أعتز بتجارب الآخرين
٭ كيف تنظر للساحة الفنية التشكيلية الآن؟
ـ أرى أن الفنون التشكيلية المغربية غنية بخلاف بعض الفنون الأخرى، فالتشكيل فن قائم بذاته ومتنوع وكل فنان له عالمه الخاص به, عالم رحب غني بالألوان والأشكال.