في إطار الاحتفال بالذكرى 1200 لتأسيس مدينة فاس، أعطى صاحب الجلالة الملك محمد السادس تعليماته السامية لإحداث لجنة وطنية تحت رئاسة وزير الداخلية، وكذا جمعية "الذكرى 1200 لتأسيس مدينة فاس"تحت رئاسة سعد الكتاني، مندوبا ساميا، يساعده أحمد بنصديق، مديرا تنفيذيا
وذكر بلاغ صادر عن وزارة الداخلية، أن صاحب الجلالة أبى إلا أن يحيط الاحتفال الذي سيجري خلال سنة 2008، بهذا الحدث التاريخي الفريد والحامل لقيم كونية، برعايته السامية.
وأضاف المصدر ذاته، أنه ستناط باللجنة الوطنية مهمة تحديد الاستراتيجية الشمولية، والمصادقة على برامج مختلف التظاهرات التي ستنظم بهذه المناسبة، وستضم اللجنة على الخصوص وزراء المالية والثقافة والتربية الوطنية والتعليم العالي.
أما الجمعية فستكون مكلفة، لدى اللجنة الوطنية المذكورة، بتفعيل وترويج مختلف البرامج والتظاهرات وبالتواصل بشأن الحدث.
وتقوم فكرة تخليد الحدث على تنظيم سلسلة من التظاهرات الثقافية والأكاديمية والفنية وغيرها، طوال سنة 2008، بمختلف جهات المملكة, وخاصة بفاس وباقي المدن العتيقة الثلاثة(مراكش، ومكناس، والرباط)، بالإضافة إلى بلدان صديقة.
وستشكل هذه التظاهرات الخاصة، احتفالا بالنسبة لبلد يبني مستقبله بثقة، ويعزز انخراطه في العالم الحديث مع بقائه معتزا بنظامه الملكي، وبمؤسساته وبثقافته ذات المكونات المتعددة .
وبذلك يكون المغرب استلهم العبر من ماضيه الغني، الحافل بالأمجاد والدروس من حاضره الواعد، من أجل بناء مغرب الغد .
وأضاف البلاغ أن الاحتفال بهذا الحدث سيولي اهتماما خاصا للشباب لكي يكونوا فخورين بانتمائهم لأمة عريقة متجذرة في التاريخ، إنها مناسبة سانحة لإحياء الذاكرة لبناء الحداثة والانخراط في الكونية.
وستتوجه هذه الأنشطة لكل المغاربة، نساء ورجالا، خاصة للأجيال الصاعدة، بفئاتهم المتنوعة، بالمدينة كما في البادية، بالمدرسة وبالجامعة، بفضاءات الترفيه، وعبر وسائل الإعلام الوطنية والدولية، بهدف تحقيق انخراط الجميع، وتعبئة أكبر عدد من الطاقات في جو احتفالي وتربوي، منفتح وموحد .
كما أن المغاربة عبر العالم مدعوون للاحتفال بهذه اللحظة القوية، وتدعيم صورة مغرب في حركية دائمة .
وفي هذا الإطار، ستعقد اللجنة الوطنية اجتماعها الأول، يوم 19 نونبر2007، بمركز الندوات التابع لوزارة الداخلية، بحضور رؤساء الجهات ومجالس مدن فاس ومراكش ومكناس والرباط.
وهكذا ستتميز سنة 2008، بتخليد الذكرى 1200 لتأسيس مدينة فاس من قبل المولى إدريس الثاني في العام 808 (192 هجرية)، جاعلا منها أول عاصمة للمملكة المغربية.
وتمثل هذه اللحظة العظيمة في التاريخ الوطني بداية التآلف بين الأصل الأمازيغي العريق والإسهام العربي والإسلامي، وشكلت بذلك لحظة بروز شخصية مغرب قوي بوحدته وغني بتنوعه .
وظلت هذه الشخصية الفريدة والمركبة حاضرة عبر القرون، وتبلورت من خلال إساهمات مؤثرة في تاريخ المجموعات الجغرافية والثقافية التي تتشكل منها الهوية المغربية، ألا وهي العالم العربي ـ الإسلامي وإفريقيا والمتوسط.
يرجع تاريخ تأسيس مدينة فاس إلى نهاية القرن الثامن الميلادي إبان مجيء المولى إدريس الأول إلى المغرب سنة 789م، إذ بنيت النواة الأولى للمدينة على الضفة اليمنى لوادي فاس بحي الأندلسيين.
وفي سنة 808 م، أسس إدريس الثاني مدينة جديدة على الضفة اليسرى لوادي فاس بحي القيروانيين نسبة إلى أصل سكانه المتحدرين من القيروان بإفريقية.
وكانت عدوة الأندلسيين محاطة بالأسوار، تخترقها ستة أبواب ولها مسجد جامع
وفي المدينة القديمة المقابلة، قام إدريس الثاني كذلك، ببناء سور ومسجد، بالإضافة إلى قصر وسوق.
وعرفت فاس في هذا العهد انتعاشا اقتصاديا وعمرانيا منقطع النظير لوجودها في منطقة سهل سايس الخصبة، وتوفرها على موارد متعددة ومتنوعة ضرورية للبناء مثل مادتي الخشب والأحجار المتوفرة بغابات ومقالع الأطلس المتوسط القريب، بالإضافة إلى وفرة الملح والطين المستعمل في صناعة الخزف.
وتحظى فاس بموقع استراتيجي مهم، باعتبارها ملتقى للطرق التجارية بين الشرق والغرب، خاصة تلك التي كانت تربط سجلماسة بشمال المغرب.
كما شكل سكان المدينة خليطا من أمازيغ الأطلس المتوسط، والقيروانيين والأندلسيين واليهود، الذين ساهموا في تطورها العمراني والاقتصادي والثقافي .
في سنة 857 م، قامت فاطمة الفهرية بتشييد جامع القرويين بالضفة اليسرى لوادي فاس، الذي جرى توسيعه فيما بعد من طرف يوسف بن تاشفين المرابطي (1061- 1060م)، بعد استيلائه على المدينة سنة 1069م، كما عمل على توحيد الضفتين داخل سور واحد، وساهم في إنعاش الحياة الاقتصادية ببناء الفنادق والحمامات والمطاحن.
وبعد حصار دام تسعة أشهر، استولى الموحدون على المدينة سنة 1143م، وتحت حكم الدولة المرينية، عرفت مدينة فاس عصرها الذهبي، إذ قام أبو يوسف يعقوب (1286-1258م)، ببناء فاس الجديد سنة 1276م، إذ حصنها بسور، وخصها بمسجد كبير، وبأحياء سكنية وقصور وحدائق.
وخلال القرن السابع عشر، عرفت فاس بناء حي خاص باليهود، يعتبر أول ملاح بالمغرب
وبعد فترة طويلة من التدهور والتراجع بسبب القلاقل التي عرفتها البلاد، احتل السعديون المدينة سنة 1554م.
ورغم انتقال عاصمة الحكم إلى مراكش خص السعديون مدينة فاس ببعض المنجزات الضخمة، كتشييدهم أروقة جامع القرويين، وعدد من القصور، وترميم أسوار المدينة، وبناء برجين كبيرين في الجهتين الشمالية والجنوبية لمدينة فاس.
ونتيجة للاضطرابات التي عرفتها الدولة السعدية انقسمت فاس إلى مدينتين : فاس الجديد وفاس البالي.
وفي سنة 1667م، تمكن العلويون من الاستيلاء عليها.
وبصفة عامة عرفت هذه الحاضرة تحت حكم العلويين إنجاز عدة معالم، نذكر منها على الخصوص فندق النجارين، ومدرسة الشراطين، وقصبة الشراردة الواقعة خارج فاس الجديد وقصر البطحاء.
ظلت فاس القديمة مركزا للنشاط الاقتصادي بخلاف فاس الجديدة التي ظلت مركزا للحكم
ولموقع فاس ميزة ذات أهمية خاصة في المغرب، وهي غزارة مياهها، إذ تمتص الطبقات الكلسية في الأطلس المتوسط المياه، لتكون منطقة من المياه الجوفية تتفجر منها في سهل يسمى سهل سايس ينابيع كثيرة تتجمع وتتحد لتغذي نهر فاس، أو على الأصح أنهار فاس، يضاف إلى ذلك، الينابيع التي تتفجر من العدوات الشديدة الانحدار التي حفرها نهر فاس مسيلا له، وتمتد بمدينة فاس قنوات المياه مثل الشرايين لتصل إلى كل مسجد ومدرسة وبيت، ويتفجر فيها عيون نهر سبو وروافده.
وهو ما يجعل المدينة ذات موقع استراتيجي، إذ تستطيع المدينة أن تصمد أمام أي حصار
وتقع مدينة فاس في واد خصيب وكأنها واسطة العقد بين التلال المحيطة بها من كل الجهات.
ويوجد قرب المدينة الغابات التي تتوفر فيها أشجار البلوط والأرز، والتي يستخرج منها أخشاب عالية الجودة، وتحيط بها أراض كثيرة صالحة لكافة أنواع الزراعة، حيث تنمو الحبوب والكروم والزيتون وأنواع عديدة من أشجار الفاكهة، ولكثرة بساتين البرتقال والتين والرمان والزيتون بصورة خاصة، تبدو المدينة زمردية اللون محاطة بعقود من الحدائق والبساتين وبجبال خضراء داكنة متوجة بشجر الأرز والصبير وزهر عود السند.
ومن الارتفاعات العالية يبدو اللون الأخضر هو الغالب على كل الألوان بينما تتخلله نقاط بيضاء ما هي إلا الخراف والماعز والأبقار التي تنتشر في المراعي.
انتشرت بفاس العديد من المساجد، إلا أن أشهرها على الإطلاق هو جامع القرويين، الذي أسس في القرن الرابع الهجري ـ العاشر الميلادي، إذ كانت مساحته صغيرة ثم هدم وقام بتشييده علي بن يوسف المرابطي، وزاد في مساحته زيادة كبيرة، وقام بزخرفته صناع أندلسيون، وبنى مئذنته الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر على نفقته الخاصة، ومازال مسجد القرويين يحتفظ بمنبره المصنوع من الخشب المحفور والمطعم.
ويعد هذا المنبر ثاني المنابر المغربية، وزود هذا المسجد بثريا فخمة وحجرة للوضوء
أما صحن جامعة القرويين فمتحف فني خالد بهندسته المعمارية العربية المحضة، وفنون النحت، والتصوير على الخشب والفسيفساء، والنقش المعدني البارز بأروع الصور والأشكال، وصناعة الخزف في فاس، نوعا ما صناعة الفخار كالجرار والأباريق والمزهريات، وصناعة الخزف كالصحون والأطباق.
ومن أجمل الآثار الباقية جامع الأندلسيين، وهو من التحف الخالدة إذ تميز بسقف المصلى، وهو أثر فني خالد بجمال نقوشه وفسيفساء نوافذه الزجاجية التي تجتمع في رسومها ألوان شتى تأسر العيون، كما تميز بالنجفة النحاسية المدلاة من السقف، وجمال تخريمها الذي لا يمكن تقليده في هذا العصر لأنه يحتاج إلى زمن طويل.
وأعيد بناؤه في عهد محمد الناصر، وشيده تشييدا عظيما كما يوجد أيضا العديد من المساجد مثل مسجد الحمراء، ومسجد الرصيف وغيرها من المساجد المنتشرة في أنحاء المدينة وجميعها لا تقل روعة معمارها عن مسجد الأندلسيين.
يوجد في مدينة فاس واحد من أعرق وأقدم المؤسسات العلمية وهو جامع القرويين الذي أسسته فاطمة بنت محمد الفهري عام 245هـ - 859 م بعد تأسيس المدينة بمدة (51) عاما.
وبقي الجامع والجامعة العلمية الملحقة به مركزا للنشاط الفكري والثقافي والديني قرابة الألف سنة.
وبعد أن وسعه أبو يوسف يعقوب المريني صار الجامع يستوعب (22) ألف مصل.
كما صار يدخل إليه من (17) بابا منها بابان لدخول النساء، وكان هذا الجامع الفريد في بنائه وهندسته يضاء في عصوره الأولى بـ (509) مصابيح قائمة فوق قواعد قد يزيد وزنها على (700) كيلو جرام.
وتعتبر جامعة القرويين في العصر الحديث أقدم جامعة ثقافية في العالم حيث تخرج فيها معظم علماء الغرب وفيها تعلم جربرت دي لوفرينه الثاني الذي أصبح فيما بعد سلفستر الثاني.
وفيها تعلم (الصفر العربي) في علم الحساب وهو الذي نشر ذلك في أوروبا .
كما درس له في جامع القرويين أيضا ابن الشيخ الفيلسوف الرئيس موسى بن ميمون اليهودي القرطبي الذي كان من أعظم الأطباء في عصره والذي غادر الأندلس إلى المشرق وعين طبيبا لصلاح الدين الأيوبي ثم عين مدرسا بالقاهرة، وفضلا عن هذا الجامع، فإن فاس كانت تضم (785) مسجدا جميعها أو معظمها كانت مدارس بالضبط كمساجد البصرة والكوفة تدرس فيها علوم الدين وعلوم اللغة والتاريخ وغير ذلك من العلوم ولعل من أكبر مدارس فاس مدرسة السلطان أبو عنان المريني التي أسسها عام 756هـ - 1355 م وكان ألحق بها مسجدا للصلاة، يتميز بمنارة "مئذنة"لا مثيل لها في الجمال والأناقة.
وتميزت فاس بمدارسها التي بنيت حول جامع القرويين وانتشرت في أنحاء المدينة خصوصا في القرن الثامن الهجري ـ الرابع عشر الميلادي على يد العديد من الأمراء، وزينت هذه المدارس بذوق فني رفيع ومتنوع، وهي تشكل واحدة من أروع التشكيلات الزخرفية في مدينة فاس.
ويأتي في مقدمة هذه المدارس مدرسة فاس، والمدرسة المصباحية التي أسسها أبو الحسن سنة 743هـ - 1343 م، والمدرسة التي أسسها أبو عنان، وهي المدرسة الوحيدة المزودة بمنبر ومئذنة، وغيرها كثير من المدارس، أما أقدم مدارس فاس فهي مدرسة الصفارين التي أمر ببنائها أبو يوسف المريني عام 678هـ - 1280 م، وزودها بمكتبة ثرية، ونقلت فيما بعد إلى جامعة مسجد القرويين.
وتعتبر مدرسة العطارين أصغر مدرسة في زمانها، ولكنها كانت من حيث الهندسة المعمارية من أجملها وأبهاها، وكانت تقع عند طرف سوق العطارين، ومؤسسها هو السلطان أبو سيد .
وكانت هذه المدارس تدرس فيها العلوم الابتدائية بدءا من القرآن والكتابة والقراءة إلى مبادئ الحساب وغيرها، ثم يلتحقون بعدها بالجامعة، وكانت مدة الدراسة في جامعة القرويين تستغرق بين خمسة أعوام و15 عاما، وكان الطلاب يختارون بمحض إرادتهم أساتذتهم، كل أستاذ حسب اختصاصه في مادة أو أكثر، فيجلسون في حلقات حول الأستاذ الذي كان يستند بظهره إلى سارية من سواري المسجد.
وكان كل من السلطان أبي الحسن والسلطان أبي عنان يهتمان بتثقيف الناشئة والأساتذة ويرعيان شؤون المسلمين رعاية بالغة، وأعطيا كل اهتمامهما إلى تدريس القرآن الكريم والحديث وعلوم اللغة، واشتهر من فاس جماعة من أهل العلم حيث نسبوا إليها، منهم أبو عمرو عمران بن موسى الفاسي فقيه أهل القيروان في وقته، وأبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان الشهير بابن البناء وهو أشهر رياضي في عصره، وأبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ الشهير بابن باجة وكان ممن نبغوا في علوم كثيرة منها اللغة العربية والطب، وكان هاجر من الأندلس وتوفي بفاس.
ومن العلماء الذين أقاموا بفاس ودرسوا بجامعتها ابن خلدون المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع، ولسان الدين بن الخطيب، وابن عربي الحكيم وابن مرزوق.
يوجد بفاس معالم آثرية تدل على حضارتها عبر العصور الإسلامية، ومن أهم ما بقي من هذه الآثار السور وبواباته الثمانية، بأقواسها الرائعة، والنقوش والتخريم البارز فوقها، والتي ترجع إلى عهد المرينين.
وتجدد بعضها في العصور التالية، ولكنها ظلت محتفظة بطابعها و داخل الأسوار، تميزت المدينة بوجود عشرة آلاف بناية أصلية، وسبعين كيلو مترا من القنوات المتدفقة من مياه الوادي والعيون، وبها أربعة آلاف نافورة وسقاية.
وتميزت المدينة بقصورها التي شيدها المرينيون على التلال التي تطل على فاس من جهة الشمال، وكذلك المنازل القديمة المكونة من طابقين حولها أفنية ضيقة، لكنها تكسى بحشوات من الفسيفساء الخزفية، والأبواب المزخرفة بزخارف جصية محفورة، ويحاط بعض المنازل بالحدائق والبساتين.