خلد الشعب المغربي، أيام 16 إلى 18 نونبر الجاري، الذكرى 52 لعودة بطل التحرير، جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه من المنفى إلى أرض الوطن.
وبهذه العودة، تؤكد المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، يكون جلالة المغفور له محمد الخامس أعلن انتهاء عهد الحجر والحماية، وبزوغ فجر الحرية والاستقلال، مجسدا الانتقال من معركة الجهاد الأصغر إلى معركة الجهاد الأكبر، وانتصار ثورة الملك والشعب المجيدة التي مثلت ملحمة عظيمة في مسيرة الكفاح الوطني الذي خاض غماره الشعب المغربي بقيادة العرش العلوي المجيد من أجل حرية الوطن وتحقيق الاستقلال والوحدة الترابية.
وقال بلاغ للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، أصدرته بالمناسبة، إن عودة الشرعية شكلت نصرا مبينا وحدثا تاريخيا حاسما، توج بالمجد مراحل الكفاح المرير، الذي تلاحقت أطواره وتعددت صوره وأشكاله، في مواجهة الوجود الاستعماري المفروض منذ سنة 1912، حيث خلد المغاربة أروع صور الوطنية الصادقة وبذلوا أغلى التضحيات في سبيل عزة الوطن وكرامته والدفاع عن مقدساته.
فمن المعارك والانتفاضات الشعبية بكافة ربوع المملكة لمواجهة الاحتلال، هناك معارك الهري وأنوال وبوغافر وغيرها، من المعارك التي لقن فيها المجاهدون قوات الاحتلال دروسا في الصمود والمقاومة والتضحية والاستماتة.
ومن أشكال الكفاح الوطني، يضيف البلاغ، ما قامت به الحركة الوطنية مع مطلع الثلاثينيات من نضال سياسي ارتكزت فيه بالأساس على نشر الوعي الوطني، وشحذ العزائم والهمم في صفوف الشباب، وداخل أوساط المجتمع المغربي بكل فئاته وطبقاته وشرائحه وأطيافه.
كما عملت على التعريف بالقضية المغربية في المحافل الدولية، مما كان له كبير الأثر على الوجود الاستعماري الذي كان يواجه النضال السياسي الوطني بإجراءات تعسفية، ومخططات مناوئة للفكر التحرري، الذي تبنته الحركة الوطنية بقيادة أب الأمة المغربية جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه.
ومن أبرز هذه المخططات الاستعمارية، محاولة التفريق بين أبناء الشعب المغربي الواحد، وتفكيك وحدتهم، وطمس هويتهم الدينية والوطنية، بإصدار ما سمي بـ »الظهير البربري« يوم 16 ماي 1930 .
لكن المخطط التقسيمي والتمييزي سرعان ما باء بالفشل، حيث أظهر رجال الحركة الوطنية للكيان الاستعماري تشبث المغاربة قاطبة بهويتهم، ووحدتهم، وتعلقهم بالعرش العلوي المجيد.
ومن تجليات وإفرازات النضال الوطني، إقدام رجال الحركة الوطنية على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال إلى سلطات الحماية يوم 11 يناير1944، بتنسيق تام مع أب الوطنية، وبطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس أكرم الله مثواه.
وما أعقب ذلك من ردود فعل استعمارية عنيفة، إذ جرى اعتقال بعض رموز ورجال الحركة الوطنية، والتنكيل بالمغاربة الذين أظهروا حماسا وطنيا منقطع النظير، عبروا من خلاله عن مساندتهم لمضمون الوثيقة التاريخية.
من أبرز المحطات التاريخية التي ميزت مسار الكفاح الوطني، الزيارة التاريخية التي قام بها أب الوطنية وبطل التحرير إلى طنجة يوم 9 أبريل1947، تأكيدا على تشبث المغرب، ملكا وشعبا، بحرية الوطن ووحدته الترابية، وتمسكه بمقوماته وهويته.
وكان لهذه الزيارة الميمونة، الأثر العميق على علاقة الإقامة العامة بالقصر الملكي، حيث اشتد الصراع, سيما وأن جلالة المغفور له محمد الخامس لم يخضع لضغوط سلطات الحماية، المتمثلة أساسا في مناهضة الحركة الوطنية والمد التحرري للوطن.
فكانت مواقفه الرافضة لكل مساومة سببا في تأزم الوضع، وشروع المستعمر في تدبير مؤامرة الفصل بين الملك وشعبه.
تصدى المغاربة لهذه المؤامرة التي تجلت خيوطها في غشت 1953، إذ وقف المغاربة بالمرصاد يومي 14 و15 غشت 1953 لمنع تنصيب صنيعة الاستعمار "ابن عرفة".
كما انطلقت انتفاضة 16 غشت 1953، بوجدة وبعدها بتافوغالت ومظاهرات وادي زم وخريبكة وخنيفرة في 19 و20 غشت 1955، وعمت مواقف الاستنكار والتنديد بالفعلة الشنيعة لقوات الاحتلال، كل ربوع الوطن.
وذكر البلاغ بأن جلالة المغفور له محمد الخامس فضل النفي على أن يرضخ لإرادة الاحتلال, مصرحا بكل ما لديه من إيمان بالله وعدالة بالقضية المغربية بأنه الملك الشرعي للأمة، وأنه لن يخون الأمانة التي وضعها شعبه الوفي على عاتقه وطوقه بها، والمتمثلة في كونه سلطان الأمة الشرعي ورمز وحدتها وسيادتها الوطنية.
وأمام هذه المواقف الوطنية السامية التي أبرزها بطل التحرير بكل عزم وإقدام، وبكل شجاعة وإباء، أقدمت سلطات الاحتلال على تنفيذ جريمتها النكراء بنفيه ورفيقه في الكفاح فقيد العروبة والإسلام جلالة المغفور له الحسن الثاني رحمة الله عليه والأسرة الملكية الشريفة يوم 20 غشت 1953 إلى جزيرة كورسيكا ومنها إلى مدغشقر.
ما أن عم خبر نفي المغفور له محمد الخامس طيب الله تراه، في ربوع المملكة، وشاع في كل أرجائها، حتى انتفض الشعب المغربي انتفاضة عارمة، وتفجر غضبه في وجه الاحتلال الأجنبي، وبدأت بوادر العمل المسلح والمقاومة والفداء تنتظم، وتشكلت خلايا المقاومة الفدائية والتنظيمات السرية، وانطلقت العمليات البطولية لضرب غلاة الاستعمار ومصالحه وأهدافه .
وتجلى واضحا عزم المغاربة وإصرارهم على النضال المستميت من أجل عودة الشرعية وإعلان الاستقلال، فمن العمل البطولي للشهيد علال بن عبد الله يوم11 شتنبر1953، الذي استهدف صنيعة الاستعمار، إلى عمليات شهيرة للشهيد محمد الزرقطوني ورفاقه في خلايا المقاومة بالدار البيضاء، وعمليات مقاومين ومجاهدين بمختلف مدن وقرى المغرب، لتتصاعد وتيرة الجهاد وتتأجج جذوتها بالمظاهرات التلقائية، والانتفاضات الشعبية المتوالية، وتتكلل بانطلاق عمليات جيش التحرير بالأقاليم الشمالية للمملكة في بداية أكتوبر 1955 .
ولم تهدأ ثائرة المكافحين إلا بتحقيق أمل الأمة المغربية قاطبة في عودة بطل التحرير، ورمز المقاومة، جلالة المغفور له محمد الخامس، حاملا معه لواء الحرية والاستقلال، ومعلنا عن الانتقال من مرحلة الجهاد الأصغر التحرري إلى الجهاد الأكبر الاقتصادي والاجتماعي من أجل بناء المغرب الجديد الحر والمستقل.
سيرا على نهج والده المنعم، خاض الملك الموحد جلالة المغفور له الحسن الثاني رضوان الله عليه، معركة استكمال الوحدة الترابية.
فجرى في عهده استرجاع مدينة سيدي إفني سنة 1969، كما جرى استرجاع الأقاليم الجنوبية للمملكة سنة 1975، بفضل المسيرة الخضراء المظفرة التي تعتبر حدثا وطنيا عظيما، وارتفع العلم الوطني في سماء العيون يوم 28 فبراير 1976، وفي 14 غشت من سنة 1979، جرى تعزيز استكمال الوحدة الترابية للوطن باسترجاع إقليم وادي الذهب.
واليوم يعيش الشعب المغربي عهدا جديدا بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس الذي يسير بشعبه نحو مدارج التقدم والحداثة، مواصلا مسيرة الجهاد الأكبر، وتثبيت وصيانة الوحدة الترابية وتحصين الانتقال الديمقراطي والإسراع به قدما إلى الأمام، وترسيخ مبادئ المواطنة الإيجابية، وتحقيق نهضة شاملة على كافة الأصعدة وفي كل الميادين والمجالات، وبناء اقتصاد عصري منتج ومتضامن وتنافسي، وتعزيز مكانة المغرب كقطب جهوي، وفاعل دولي، وإذكاء إشعاعه الحضاري كبلد للسلام والتسامح والاعتدال والقيم الإنسانية المثلى.
وأكدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في بلاغها، أن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة والتحرير، وهي تخلد الذكرى 52 للعودة الملكية المظفرة من المنفى إلى أرض الوطن، ولعيد الاستقلال المجيد، من خلال برنامج وطني حافل بالمهرجانات الخطابية، واللقاءات التواصلية، والعروض التربوية، والتظاهرات والأنشطة الثقافية بمجموع ولايات وعمالات وأقاليم المملكة، بمشاركة فئات وشرائح المجتمع وفعالياته، لتشيد بملحمة العرش والشعب المتجددة، للاعتزاز بأمجادها وانتصاراتها، ولاستلهام معانيها وما تحمله من دروس وعبر، ومن قيم ومعاني لتنوير أذهان الناشئة والأجيال الصاعدة والقادمة، بإشعاعها، وبالمعاني السامية لملاحم الكفاح الوطني المجيد، المجسدة بأروع صور البطولة والشهامة والتضحية والفداء، دفاعا عن المقدسات الدينية والوطنية، ولترسيخ ثقافة المواطنة الإيجابية في نفوس الأجيال الحاضرة والصاعدة، لتعزيز انخراطها في ملاحم الجهاد الأكبر، لإعادة صروح المغرب الجديد تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.