من الصعب أن ينظر الى غراس اليوم وهو يحتفل بثمانينيته على انه كاتب متعدد الخواص ومتعدد الإبداعات وهو الروائي و القاص والشاعر وكاتب المقالة المتميز والرسام.
فحسب، بل إنه روائي له طابع سياسي ملتزم بقضايا الحرية والعدالة الإنسانية وصاحب مواقف سياسية نقدية جريئة فهو وا حد من التنويريين في معيار الوعي النقدي الغربي، واديب يوظف أدبه ومكانته في خدمة القضايا الإنسانية والدفاع عن قيم العدالة
بل وينظر اليه على أنه صاحب مواقف جريئة كداعية غربي نحو الحرية والتسامح والحوار بين الثقافات، وغونتر غراس اليوم واحد من هؤلاء القلّة من المبدعين ممن يمثلون الضمير الحي في بلدانهم على مدى سنوات بأعتباره صاحب المواقف الإنسانية المعلنة ضد العنصرية والحروب، وضد ما حدث ويحدث في أنحاء كثيرة من العالم وبشكل خاص في فلسطين وفي العراق المحتل تحت سطوة القرارات الأممية والقوات الأم ي ركية المحتلة
وحين يحتفل بميلاده الثمانين فإنه لايغادر منطقة الاستعادة تلك حيث تمتلىء ذاكرته بتفاصيل الأحداث والوجوه ...ئحة المدينة ... والذكريات يتذكر غراس كل ويلات الحروب، وهو يرى ان التذكر فعل صعب، وان رواية الماضي تشبه تقشير البصل، فعل مبك، ولكن لابد منه بأرادة الذاكرة او بطبيعة العادة التي لاتتوقف عن الدوران
لقد ولد غراس في السنوات الصعبة لويلات الحرب الكونية الأولي في 16 أكتوبر 1927 في مدينة دانتسيغ التي اقتطعت فيما بعد من ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية وضمت الى بولندا حيث صارت تسمي حينئذغدانسيك عندها اضطر غونترغراس عام 1944 الى المشاركة في الحرب العالمية الثانية كمساعد في سلاح الطيران الألماني كتعبير عن الألتزام والمواطنة وهو في صباه لكنه وقع بعد انتهاء الحرب عام 1946 في أسر القوات الأميركية حيث امضى بضعة اشهر في سجن تلك القوات حتى أطلق سراحه في العام نفسه فأنشغل باهتماماته الفنية أول الأ مر واذ اتيحت له فرصة الدراسة بعد تركيز علي اهتماماته الفنية الأولى درس غونتر غراس فن النحت في معهد التدريب المهني في مدينة دوسلدورف الألمانية لمدة سنتين ثم أتم دراسته الجامعية في مجمع الفنون في دوسلدورف وانتقل الى جامعة برلين (1946ـ 1956)، ليحصل على شهادة جامعية في فن الرسم والنحت الدقيق وعندها كانت تنمو روحية الرائى
مثلما تنمو ملكة القص وهو يمتليء بالتفاصيل اليومية حيث يعجز النحت عن قول الوقائع
بعد ذلك حملته قدماه الي مدينة برلين حيث أكمل دراسته العليا في جامعة برلين للفنون لغاية عام 1956
وانتقل الى باريس وهو يتأمل هناك منجزات الحركات الفنية عبر زيارات متكررة الى متحف اللوفر والي المعارض الفنية والتجمعات الثقافية ويقرأ بيانات الحداثة للسورياليين والدادائيين ويشهد حركات التغيير في العمارة والموسيقي والمسرح الحديث
عاش غراس ثلاث سنوات في فرنسا ليعود مجددا إلى برلين ثم لينتقل الى الشمال حيث يعيش غراس بالقرب من مدينة لوبيك لقد كان أوسكار بطل مفتتح ثلاثية غدانسيغ، ذلك الطفل المعاق الذي يرفض النمو طوعا ليكون شاهدا على تاريخ لن ينس، هذا الطفل الذي أراد له غراس أن لا يكبر في إدراكه الحسي للأشياء فظلت مداركه مدارك ولد يافع غير مكتمل النضوج، بعدما شاهد من أحد الشقوق وهو داخل مبنى قديم يمارس فيه هواية القرع على الطبل، ثلة من الجنود يقتلون الناس المدنيين الأبرياء أوسكار، بطل رواية الطبل والصفيح ( 1959)التي لفتت الأنظار الى روائي فريد
وبهذه الرواية يكون غراس من أكثر الكتاب تعبيرا من بين من كتبوا عن ذكريات ومخلفات الحرب العالمية الثانية لينال بذلك شهرة عالمية كبيرة
وتدور أحداث هذه الرواية في معظمها في مسقط رأس الكاتب »مدينة دانتسيغ« المدينة التي تكون فيها الوجدان ونشأت الرؤى الأولى وقد ترجم هذا العمل الروائي إلى لغات عالمية كثيرة من بينها العربية والعديد من اللغات الشرقية وهذه الرواية تشكل جزءا من ثلاثيته المعروفة بـ ثلاثية داينتسيغ وتضم أيضا الروايتين القط والفأر (1963) و سنوات الكلاب (1963)وتميز غراس في ثلاثيته هذه بلغة مجازية مليئة بالصور والرمز
ومن رواياته الشهيرة الرواية ذات الرمزية الواضحة مئويتي (1999) ثم رواية مشية السرطان (2002) دخل غونتر غراس ميادين السياسة في بداية الستينات حيث تعرف إلى المستشار الألماني السابق فيللي براندت عندما كان رئيسا لبلدية برلين
وشارك بشكل فاعل بدعم الحملة الانتخابية للحزب الاشتراكي الديمقراطي في 1965، 1969 وعام 1972 ولم يتردد يوما في إعلان تعاطفه الكامل مع الاشتراكيين الديمقراطيين، لكنه لم يكن عضوا رسميا في الحزب إلا في عامي 1982 ـ 1983 فقط
عرف عنه مواقفه المعارضة جدا للحرب واحتلال العراق، الأمر الذي قربه إلى المستشار غيرهارد شرودر إذ جمعت بين الاثنين صداقة قوية أشار إليها الطرفان بفخر واعتزاز في كل موقف
ففي مقالات عدة له وجه انتقادات لاذعة للسياسة الأميركية في العالم متسائلا : هل هذه هي الولايات المتحدة التي نحتفظ لها نحن الألمان بذكرى عرفان الى البلد الذي مّول مشروع مارشال لإعادة بناء ألمانيا الغربية
ولايخفي غراس دوما رؤيته التي تقوم على أساس مقولته الشهيرة أننا لسنا الوحيدين الذين يلاحظون كيف بهتت صورة الولايات المتحدة عبر السنين حتى غدت حلماأو صورة مشتهاة، والآن قد تحولت الى صورة ميتة
ولم يخف غراس مناوأته للحرب على العراق وما حصل من خراب إثر احتلال الولايات المتحدة له
وما حصل للمدنيين الأبرياء من قتل وموت وتعذيب رهيب ... وعن رأيه بالأدب العربي قال غراس يوما : لقد تسنى لي أن اقرأ بعض النصوص الأدبية العربية المترجمة إلى الألمانية، فاكتشفت كم نحن في حاجة إلى المزيد : ليس لأنه أدب آخر فحسب، وإنما أيضا لانه ادب على كثير من الإبداع والتنوع والأهمية، ويعالج الموضوعات التي تشغلنا بعين أخرى
وحين حصل غراس في عام 1999 على جائزة نوبل للآداب عن دوره في إثراء الأدب العالمي وخصوصا في ثلاثيته الشهيرة ثلاثية داينتسيغ فأنه يرى الجوائز كذكرى أضمها إلى جانب (جائزة كارل فون اوسيتسكي وجائزة الأدب من اتحاد بافاريا للعلوم والفنون وشهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة برلين وغيرها) لأتابع ذكرياتي كما يقول