عجزة يعانون العزلة والإهمال ويمتهنون التسول بالدار البيضاء

الأربعاء 14 نونبر 2007 - 19:51
مسن يتسول بأحد شوارع  المدينة

تعاني فئة من المسنين بالدار البيضاء الإهمال والفقر والعزلة في بيوت لا تتوفر على الشروط الصحية، بسبب قلة المؤسسات التي تعنى بهم في غياب أبنائهم وذويهم.

وبعدهم عنهم، ليعتمدوا على مساعدات الجيران أو على أنفسهم عبر بيع بعض المواد البسيطة في الأسواق التجارية المحلية أو بامتهان التسول.

ويرى بعض المحللين الاجتماعيين أنه نظرا للتحولات الاجتماعية والاقتصادية أصبحت خلية الأسرة لا تضم سوى الأب وزوجته وأبناءهما، بينما يظل الأجداد في عزلة يشكلون أغلبية المهمشين خاصة بالمدن، لأن الظاهرة تغيب عن الحياة القروية التي مازالت تحافظ على التشكيلة القديمة للأسرة المغربية المكونة من الجد والجدة والأب والأم والأبناء

فالأجداد في المدن أصبحوا يعيشون حياة مستقلة، يعاني بعضهم العزلة، ويواجه الأمراض في صمت، ومن بينهم من يتمكن من تحدي تقلبات الحياة بالاعتماد على نفسه بإسداء بعض الخدمات الجانبية، أو الاعتماد على مساعدات الغير وخلال رصدها لحياة المسنين في بعض الأحياء الشعبية بالدار البيضاء، لاحظت »المغربية« أن جل أفراد هذه الفئة التي تعيش بعيدة عن أبنائها، تكتري بيوتا لا تتوفر على أهم المرافق الصحية، وتتخلى أحيانا عن استفادتها من الماء والكهرباء، إذ قالت زهرة، أرملة عمرها 73 سنة، تعيش في درب بوطويل بالمدينة القديمة، لـ المغربية توفي زوجي منذ 25 سنة، وبعد ذلك بسبع سنوات تزوجت ابنتي، واستقرت في بيتها بمراكش، وهاجر ابني إلى إيطاليا، وبقيت أنا في الحي الذي قضيت به أغلب حياتي.

وأشارت هذه الأرملة التي تعاني مرض المياه البيضاء المعروفة بـ جلالة والضغط الدموي، إلى أنها حاولت في البداية العيش مع ابنتها إلا أنها لم تتحمل انتقادات صهرها لها وقررت العودة إلى بيتها القديم، واعتمدت في البداية على المبلغ الذي كان يبعثه لها ابنها عبد الهادي من إيطاليا غير أن هذا الأخير انقطعت أخباره منذ 16 سنة، لتعيش على المساعدات التي يقدمها لها الجيران.

وأفادت زهرة في تصريحها أنها تحس بالحسرة على عمر ضحت به في سبيل أبنائها بعد وفاة زوجها لتعيش الوحدة وتواجه المرض دون مساعدتهما، موضحة أن ابنتها تمتهن التعليم مع زوجها بمنطقة أيت أورير، ويمكنها أن توفر لها ما تشتري به الدواء على الأقل، غير أنها لا تلومها على ذلك لأنها تعرف ظروفها مع الزوج المتسلط الذي يسلبها أجرتها نهاية كل شهر.

وقالت زهرة، التي تجلس بعد ظهر كل يوم قرب مسجد الحسن الثاني وتتقاسم هموم الحياة مع ربيعة، 78 سنة، وفاطنة71 سنة، ورقية 68 سنة، ولكبيرة 80 سنة، ويتذكرن الحياة في المدينة القديمة، والسوق الذي كان يمتلئ بـ الخيرات في درب المعيزي، حيث تعرض جميع أنواع الخضر والأسماك، ويمكن للنساء أن يوفرن أحسن الوجبات بمصروف يومي لا يتجاوز 30 درهما.

وترى هؤلاء النساء الأرامل أن البخل الذي أصاب بعض الجيران يرجع إلى غلاء المعيشة، وارتفاع بعض المواد الاستهلاكية، وضعف التشبث بالمبادئ الإسلامية التي توصي بالعناية بالجيران، إضافة إلى انقراض بعض القيم التي كان يعتمد عليها المجتمع المغربي، والمتمثلة في الاهتمام بالجار، إذ قالت فاطنة، أرملة، لـ المغربية كنت أعتمد على جارتي التي توفر لي حصة من كل طبق أكل تحضره لأبنائها غير أنه بعد رحيلها سنة 2005 أصبحت أطلب قطع الخبز والسكر وحبوب الشاي من جاراتي وهو ما أعتمد عليه في قوتي اليومي، ولا أرضى لنفسي التسول، رغم أني أعاني الجوع في بعض الأيام التي أفتقد فيها إلى وجبة العشاء .

وذكرت فاطنة أنها تواجه أحيانا بتجاهل الجيران لطلبها، بل وأحيانا تقصد بعض الشقق التي لا يفتح أصحابها الباب عندما يطلون من الثقب ويعرفون أنها الطارقة، وقالت أعود أحيانا من حيث أتيت وأنا أبكي على الحياة التي أصبحت أعيشها بعد وفاة ابني الوحيد، وأتمنى أن تلحقني المنية في أقرب الآجال ويكون ذلك نهاية لعذابي .

وأشارت إلى أنها بعد وفاة ابنها طردتها زوجته من الشقة التي كان يكتريها في درب الكبير بالعاصمة الاقتصادية ولحسن حظها كانت تحتفظ ببيتها القديم بأحد سطوح المدينة القديمة، إذ عادت إليه لتواصل رحلة عمرها وحدها.

وقالت إن »الحزن هو الرفيق المعتاد لمعظم المسنين مثلي خاصة في هذه المرحلة التي طغت فيها الأنانية وحب الذات عوض الإيثار وحب الغير والتكافل الاجتماعي الذي حث عليه ديننا«، مشيرة إلى أن جلوسها بين صلاة العصر والمغرب قرب هذا المسجد يروح عنها ضيق همومها إذ تقضي بعض الوقت في الدردشة مع نساء في سنها ويعشن نفس ظروفها، لتعود عند حلول الليل إلى غرفتها.

وذكرت فاطنة أنها بسبب انعدام مورد مادي تجلب الماء من عين عمومية وتضيء بيتها بالاعتماد على الشمع، لأنها تخلت عن الاستفادة من الماء والكهرباء، وتواجه أحيانا صعوبة في أداء الكراء الذي تبلغ قيمته 120 درهما.

وفي بعض الأسواق المحلية توجد فئة من المسنين يعرضون بعض المواد البسيطة للبيع، ليوفروا عبرها ما يسدون به رمقهم، إذ قال التهامي، 79 سنة، الذي يبيع أكياس الحمام لـ المغربية إنه يعتمد على مثل هذه البضاعة ليشتري من ربحها ما يحتاجه خاصة وأنه يعيش في منزل كبير لوحده ولا يتوفر على معاش كما أن أبناءه لا يزورونه إلا في بعض المناسبات. وذكر التهامي أن له أربعة أبناء وبنتين ولا يساعدونه، وأن كل واحد يلوم الآخر على التخلي على الأب، ويتبادلون اللوم بينهم حول إمكانية العيش ضمن أفراد أسرهم، غير أن هذا المسن حسم بين أبنائه بعدما أكد لهم على إصراره على الحياة في البيت الذي قضى به أعز أيامه، كما أخبرهم أنه لا يجبر أي أحد على مساعدته

وأوضح التهامي أن كل الأبناء يعيشون على القروض البنكية، ويعانون الاقتطاع من أجورهم بسبب اقتراضهم لشراء شقق في الأحياء الجديدة التي ظهرت في الحقب الأخيرة بالدار البيضاء، غير أنه أشار إلى غضبه عنهم، إذ تركوه يعاني هموم الحياة لوحده ويواجه غلاء المعيشة ببيع بعض المواد القليلة الربح.

وفي نفس السوق جلس الحمدي، مسن يبلغ 81 سنة من عمره، وعرض أمامه الدواء الذي يتناوله، إذ كان يطلب مساعدة المارة على شرائه، وقال لـ المغربية إنه يعاني داء الربو والسكري، ولا يتوفر على أي دخل يمكنه الاعتماد عليه لتوفير العلاج الضروري. وقال هذا المسن الذي كان يزاول سابقا مهنة التجارة، إنه صرف كل ما كان يملك على علاجه ولم يتبق لديه ما يواجه به متطلبات حياته، وأصبح التسول مورد عيشه الوحيد، مشيرا إلى أن زوجته توفيت منذ 11 سنة وأصبح يعيش العزلة، بعيدا عن أبنائه الذين بنوا حياتا خاصة بهم، وقطع وعدا على نفسه بعدم زيارتهم خاصة بعدما تنكر أحدهم له أمام أصدقائه

وتذكر بمرارة أنه ذهب في رمضان الماضي إلى بيت أحد أبنائه بحي سيدي معروف، ليجد عند هذا الأخير »ضيوفا في الصالون بثياب أنيقة، وعندما تقدمت للسلام عليهم قال لهم ابني إني جار مسكين يأتي عنده كل يوم في هذا الشهر ليفطر معهم، وطلب مني بعد ذلك أدخل إلى الحمام لأغتسل غير أني تسللت وخرجت عائدا إلى بيتي نادما على تلك الزيارة، ورغم أنه اعتذر لي ولامني على تلك الثياب المتسخة التي كنت أرتديها، لم أغفر له، وقررت أن لا أزوره أبدا«. ويعد التسول المهنة الوحيدة التي يوفر عبرها بعض المسنين في الأحياء الفقيرة والهامشية قوت يومهم، رغم وجود شريحة أخرى تحترف المهنة وهي تمتلك ما يمكنها من تلبية حاجياتها، إذ قالت غنو، أرملة 69 سنة، تعاني داء الرعاش، إنها لولا سخاء المحسنين لاماتت جوعا، ولرمي بها إلى الشارع، إذ بفضل تسولها تشتري ما تحتاجه وتؤدي عبره فواتير الماء والكهرباء وتؤدي واجب كراء الغرفة التي تعيش فيها بحي العيون بالدار البيضاء.

وذكرت غنو، التي قضت عمرها في هذا الحي بعد وفاة زوجها سنة 1975 أنها كانت تعمل مساعدة في الحمام طيابة وأنها أصبحت تعيش على مساعدة الجيران والمحسنين بعد مرضها

ويلاحظ من خلال هذه النماذج أن بعض المسنين يعيشون العزلة والوحدة في بيوت مستقلة بعيدا عن الأبناء، خاصة وأن هؤلاء أصبحوا يفكرون فقط في كيفية الحصول على لقمة عيشهم وتوفير حاجيات زوجاتهم وأبنائهم، ليواجه الوالدان أو الأجداد تقلبات الزمن بمفردهم، ومن بينهم من يقذف بهم في دار للعجزة التي تضم بين جدرانها كل من دخل خانة النسيان والإهمال.




تابعونا على فيسبوك