ككل عام كان موعد الصحافيين في مقهى Drouant الباريسي، مع لجنة الغونكور للإعلان عن أرفع الجوائز الأدبية في فرنسا)غونكور 2007 توّجت كاتباً من الجيل الأدبي الجديد.
في فرنسا، هو جيل لوروا عن روايته أنشودة ألاباما (دار ميركور دو فرانس).بعد الأميركي جوناثان ليتل الذي حصل على الجائزة العام الماضي عن روايته المتسامحات (باعت منذ تتويجها 750 ألف نسخة(، ها هو لوروا يفوز بالجائزة المرموقة التي تنافست عليها خمس روايات، بدلاً من أربع كما درجت العادة، تدليلاً على غزارة الإنتاج الأدبي في فرنسا هذا العام أوليفييه آدم )من دون حماية(، وفيليب كلوديل )تقرير بروديك(، وكلارا دوبون ـ مونو (الشغف حسب جولييت( وميشال لابر )الكنبة الحمراء( وكانت رواية لوروا تتنافس على جائزة رونودو التي جاءت من نصيب دانيال بيناك عن أحزان مدرسيّة (غاليمار) ما ميّز هذه الدورة هو أنّ لجنة التحكيم اختارت أعمال ناشرين خارج دور النشر المكرّسة التي تحصل عادةً على الجائزة. ولوروا الذي يتناول في روايته المصير الفاجع للكاتبة زيلدا فيتزجيرالد زوجة الروائي الأميركي سكوت فيتزجيرالد، اختير بأغلبية أربعة أصوات من أصل ستّة.
لكن ماذا عن أنشودة ألاباما؟ التي شكّلت إحدى مفاجآت بداية الموسم الأدبي. فقد صدرت في شتنبر الماضي من دون ضجة ثم خاضت هذه الرواية القصيرة المنافسة لمعظم جوائز الخريف الأدبية الفرنسية الكبرى بينها غونكور ورينودو ومديسيس.
إنها سيرة ذاتية متخيّلة، تقمّص فيها الكاتب شخصيّة زيلدا ليسرد قصتها وعلاقتها العاصفة بزوجها وحربها الطويلة والخاسرة مع المرض. لقد شكّلت حياة هذا الثنائي أسطورةً حقيقية في زمن غابر، مجسدةً حقبةً كاملة بانكساراتها وانتصاراتها على خلفية أميركا العشرينيات )كثيراً ما افتُتن جيل لوروا بالماضي، بذلك الإرث العائلي والحمل الثقيل الذي يحمل جروحاً غائرة لا تندمل( لربّما كانت عودة لوروا الدائمة إلى الماضي محاولةً منه لفهم حياته بطريقة أفضل على حدّ تعبير النقّاد.
ولجيل لوروا (48 سنة) نحو عشر روايات وكتابات مختلفة. وبعد بدايته في عالم الصحافة غادر باريس في التسعينيات ليتفرغ كليا للكتابة. وصدرت أولى رواياته بعنوان حبيبي عام 1987 والاباما سونغ شكلت احدى مفاجآت بداية الموسم الأدبي.
وفي روايات لوروا الذي كتب دراسته الجامعيّة أواخر السبعينات عن شعر هنري ميشو، هناك سمة أخرى تتردد هي غياب الأب، يقابله حضور طاغ للأم (صحيح أنّه حضور ثقيل لكنّه محبّب( عندما صدرت ماتت أمي عام 1990، حيّا النقّاد هذا الروائي وأعيد إصدار العمل مرّات عدّة. لكن هذه الرواية التي صُنّفت بالـ مقلقة والمكتوبة على شكل يوميات، لم تكن سوى مرآة عكست مرحلة عاشها الكاتب وقد واكبت اللحظات الأخيرة في حياة والدته المحتضَرة )أما المثليّة الجنسية فسمة أخرى تزخر بها أعماله( هنا، يوظّف لوروا المثلية بأسلوب مغاير) يرصدها من منظور جمالي، لاجئاً إلى وصف دقيق لملامح أبطاله يداني الشهوانية والحسّية( عالم هذا الروائي تتنازعه أحاسيس متناقضة، يتنقّل بين الحنان والعنف والنقد الشرس للمنظومة الاجتماعية... لكنّ الطفولة عنده هي دوماً وأبداً مرتع للعنف والآلام القصوى والمكابدات الحميمة.
وككل سنة منحت في الوقت نفسه مع غونكور جائزة أدبية أخرى هي جائزة رينودو وكانت من نصيب دانييل بينا عن روايته شاغران ديكول (شجون الدراسة) الصادرة عن دار النشر غاليماروقد اختيرت بالرغم من أنها لم تكن بين الروايات الخمس التي رشحت للجائزة ويتلقى الكاتب، دانييل بيناو الذي لاقى نجاحا للمرة الأولى وهو في الثانية والستين من العمر إحدى كبرى جوائز الخريف عن كتابه الذي يروي فيه هذا الأستاذ السابق الذي كان يدرس اللغة الفرنسية سيرته الذاتية.
وسبق لبينا أن كتب دراسة حول التربية، اضافة الى العديد من الكتب للشباب، وكتب مصورة، أما جائزة رينودو لأفضل بحث، فمنحت لاوليفيه جيرمان توما عن عمله لو بيناريس/كيوتو.
ليس لغونكور قيمة مالية، لكنها الجائزة الأدبية الكبرى في فرنسا، وهي لا تجر على صاحبها الشهرة فحسب، بل الثراء أيضا، إذ ترتفع مبيعات الرواية الفائزة إلى رقم خيالي.
ويعد الإخوان ادمون وجول غونكور الفرنسيان وراء الجائزة، إذ ولد الأول في مدينة (نانسي) الفرنسية عام 1822، والثاني في العاصمة (باريس) عام 1830 إدمون غونكور المحامي، الذي لـم يمارس مهنة المحاماة سوى ساعات قليلة في مكتب أحد المحامين، لأن الله شاءه أن يسخّر قواه مع أخيه (جول( لخدمة الفكر والأدب، ولكن القدر كان لهما بالمرصاد، فتوفّى الأخ الأصغر (جول( وهو في الأربعين من عمره، فأقسم )ادمون(أن يحمل الرسالة وحده وطيف أخيه لا يفارق مخيّلته.
وكان للأخوين (غونكور) مدخول جيد من المال ساعدهما على مزاولة الكتابة، دون اللجوء إلى العمل.. وحتى يظهرا شكرهما للـه تعالى على نعمه، قرّرا، بعد وفاتهما، تأسيس مجمع أدبي يضمّ عشرة أدباء، يمنحون إيراداً سنوياً يوفّر عليهم عناء البحث عن عمل، ليخصصوا كل وقتهم للعمل المبدع، شرط أن لا يضمّ هذا المجمع سياسيين أو أعضاء من المجمع العلمي الفرنسي، على أن يخصص قسم من ثروتهما لمنح مكافآت في كافة مجالات التأليف والإبداع ومما جاء في يوميّات (ادمون غونكور) التي كتبها في نيسان 1884..بودي إيجاد مجمع يكفل العيش الكريم لعشرة أدباء، أجبرهم فقرهم على إضاعة مواهبهم الأدبية والعمل في مكاتب الوزارات والمهــن الصحفية التافهة... فلقد كان يعتقد أن العمل في مكاتب الوزارات، وفي المهن الصحفية المختلفة تافه للغاية، كونه يلجم الكاتب ويحد من إبداعه، ويخضعه للمناقشة الدائمة، وللمسايرة والدجل بغية كسب لقمة عيشه. ولكنه سرعان ما تخلّى عن هذه الوصيّة، ليكتب وصيّة أخرى يهب بها جميع أمواله وعقاراته ومقتنياته (لألفونس دوده وليون هانيك) شرط أن يؤسسا مجمعاً أدبياً اسمه مؤسسة غونكور