عهد مظلم مضى وانقضى

الأربعاء 07 نونبر 2007 - 12:15

في كل المحطات التاريخية الكبرى، يتجسد الالتحام القوي بين العرش والشعب، مثلما حدث في ثورة 20 غشت، التي كان جلالة المغفور له محمد الخامس يعبر، بمواقفه وسلوكه، عن عمق مشاعر الشعب المغربي، التواق إلى الانعتاق من ربقة الاحتلال، ومعانقة فجر الحرية والاستقلال.

أو مثلما حصل في المسيرة الخضراء، التي أبدعها ودعا إليها جلالة المغفور له الحسن الثاني، فلبى الشعب المغربي النداء بكل حماس وتلقائية، لأنه رأى في المسيرة أمله في تحرير أقاليمه الجنوبية، واستعادة جزء لا يتجزأ من ترابه الوطني، فكانت المبادرة الخلاقة لملكه أرقى تعبير عن تطلعاته وطموحاته إلى معانقة أهله الصحراويين، بعد عهود من الاستغلال والاحتلال.

ويأتي الموقف الملكي اليوم، ليؤكد تلك الخاصية المغربية، التي أدخلته التاريخ، والتي تضمن له الأمن والاستقرار، والوحدة والتقدم والازدهار، والتي تثير إعجاب العالم أجمع، وتتمثل هذه الخاصية في ذلك التماهي بين المغاربة وعرشهم، الضامن لسيادة البلاد، ورمز وحدتها، والمعبر الأمين عن نبضاتها وآمالها وتطلعاتها، ما جعل المراقبين يجزمون بأن المستقبل مؤمن لهذا الوطن، الذي يحظى بملكية شعبية وشعب وملكي.

وهذا ما يحصل اليوم بأبهى صوره، إذ أن جميع مكونات الشعب المغربي، وبمختلف حساسياته، لم تجد أقوى تعبير عن موقفه في مواجهة المس بمشاعره الوطنية في سبتة ومليلية المحتلتين، من قرار جلالة الملك، القاضي باستدعاء سفير جلالته في مدريد للتشاور لمدة غير محددة، في خطوة ملكية وشعبية تجسد بعمق قيم العزة والكرامة، المتأصلة في جذور جميع المغاربة، لتتوج أمس ببيان ملكي قوي اللهجة، أعرب فيه جلالته عن »إدانتنا القوية واستنكارنا الشديد لهذه الزيارة غير المسبوقة، مشددين على أن هذه الخطوة غير المجدية تسيء للمشاعر الوطنية المتجذرة والراسخة لدى جميع مكونات وشرائح الشعب المغربي واعتبر جلالته أن هذا العمل"يحن لعهد مظلم مضى وانقضى"، محملا "السلطات الإسبانية مسؤوليتها عن المجازفة بمستقبل وتطور العلاقات بين البلدين، وعن الإخلال الجسيم للحكومة الإسبانية بمنطوق وروح معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون".

ومضى جلالته يقول »وإذ نعبر عن حرص جلالتنا على كفالة وضمان كافة حقوقنا السيادية الثابتة والمشروعة، نعتبر ألا شيء يمكن أن يغير أو يمس بالوضع القانوني للمدينتين السليبتين والجزر التابعة لهما، الذي يعكس حقائق التاريخ، وبديهيات الانتماء الجغرافي، وعدالة مطالبتنا المستمرة باسترجاعها إلى الوطن الأم".

إن الخطوة الإسبانية، التي تعكس أوهاما ماضوية ما زالت تحن إلى عهود الاحتلال البائدة، تأتي على النقيض تماما من مجرى التاريخ وأفق المستقبل، الذي ظننا أن الحكومة الاشتراكية اختارت فتحه على آفاق رحبة تطوي، بصفة مصيرية، رعونة الحزب الشعبي، الذي ما زال يتحرك بـ "عقدة فرانكو"، فإذا بالاشتراكيين لا يجدون ما يزايدون به على الشعبيين سوى بقضية وطنية مقدسة، اختار المغرب معالجتها بأسلوبه الحضاري السلمي .

إن عودة مستعمرة هونغ كونغ، في يونيو 1997، ثم عودة مستعمرة ماكاو، بعد 442 عاما من الاستعمار البرتغالي، إلى الصين، عشية نهاية الألفية الثانية، تؤكد أن العالم ودّع القرن العشرين، بتحقيق أكبر قدر ممكن من الانعتاق والتحرر.

فيما يؤكد استمرار احتلال سبتة ومليلية وصمة عار على جبين الديمقراطية الإسبانية الفتية، التي ما زالت لم تتحرر بعد من عقليات عتيقة بالية، تضع نفسها خارج التاريخ والجغرافيا، وخارج العقل والمنطق، ما دامت مشدودة إلى »عهد مظلم مضى وانقضى«، كما قال جلالة الملك
إن الاحتلال لا يكتسب شرعيته بالتقادم، يقول البيان الملكي، وآجلا أو عاجلا، لا مندوحة من تصفية الاستعمار الإسباني، ومن حفظ حقوق المغرب التاريخية المشروعة في الثغرين المحتلين، غير القابلة للتصرف.

بيد أن خير البر عاجله، والحل في المتناول، كما يبسطه جلالته، مستلهما النهج المغربي الحضاري : أفضل أسلوب لتسوية تدبير هذا النزاع الترابي يقتضي الالتزام بفضائل حوار نزيه وصريح ومنفتح على المستقبل، حوار مسؤول يؤمن حقوقنا السيادية، ويراعي المصالح الإسبانية.

ولن يتأتى ذلك إلا باعتماد رؤية مستقبلية لإقامة علاقات بناءة بين المغرب وإسبانيا، والانخراط القوي والصادق في توطيدها في التزام بالاحترام المتبادل، والثقة الراسخة، كشرطين ضروريين لعمل مثمر وجاد، لتسخير كل الجهود، ومواجهة المخاطر المحذقة، والتحديات الحاسمة بضفتي مضيق جبل طارق، وكذا بهدف الاستغلال الأمثل لكل الطاقات الواعدة وفرص التعاون المثمر المتاحة.




تابعونا على فيسبوك