كان يوم أول أمس الاثنين يوما استثنائيا بالبرلمان المغربي، إذ عرف أنشطة مكثفة انطلقت منذ الصباح، ولم تنته إلا في حدود الساعة السابعة مساء، للتعبير عن تنديد المؤسسة التشريعية بالزيارة، التي قام بها عاهل إسبانيا الملك خوان كارلوس لسبتة ومليلية، ومناهضة كافة
وتوجت هذه الأنشطة باتخاذ العديد من الخطوات، منها توجيه رسالة من رئيسي الغرفتين إلى سفير إسبانيا بالرباط، لويس بلاناس، تعبر عن "استياء"البرلمان المغربي إزاء زيارة العاهل الإسباني الملك خوان كارلوس إلى مدينتي سبتة ومليلية المغربيتين السليبتين
وعبر رئيسا الغرفتين في الرسالة، التي سلمها للسفير الإسباني بمقر السفارة بالرباط رئيس لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية بمجلس النواب، فؤاد عالي الهمة، الذي كان مرفوقا بعدد من رؤساء الفرق وممثلي الهيئات السياسية والنقابية بمجلسي النواب والمستشارين، عن "رفضهما واستيائهما العميق للخطوات العدائية، التي ارتأت الدولة الإسبانية الإقدام عليها من خلال زيارة العاهل الإسباني إلى المدينتين المغربيتين المحتلتين".
وسجلا »بتذمر شديد هذه المبادرة الاستفزازية، التي تنم عن عدم اكتراث العاهل والحكومة الإسبانيين بمشاعر الشعب المغربي وتجاهلهما للعلاقات المتميزة والتاريخية، التي تجمع البلدين الجارين، داعين المؤسسات الدستورية الإسبانية بالكف عن الإساءة للمغرب ومراجعة مواقفها، التي سينجم عنها حتما التأثير سلبا على العلاقات الثنائية وعلى المصالح المشتركة للبلدين«
كما شملت أنشطة مجلس المستشارين مبادرة أعضاء مكتب المجلس ورؤساء الفرق ورؤساء اللجان إلى عقد اجتماع طارئ أكدوا خلاله أن توقيت هذه الزيارة "غير بريء ويحمل دلالات استفزازية غير مسبوقة"، على اعتبار أنه يتزامن مع احتفالات الشعب المغربي بذكرى المسيرة الخضراء، معتبرين هذه الزيارة، التي تعد استهتارا بمشاعر الشعب المغربي، تشكل »رسالة غير صحية لمستقبل العلاقات المغربية الإسبانية العريقة".
كما وصفوا الزيارة بـ "المستفزة" وأنها تضرب في العمق الأعراف والتقاليد الدولية، وتخدش التقدير الكبير، الذي يكنه الشعب المغربي لإسبانيا"، مبرزين ضرورة اتخاذ موقف سياسي كفيل بالرد المباشر على هذه الزيارة المرفوضة من قبل كل مكونات الشعب المغربي.
كما أعربوا عن دعمهم المطلق للخطوات، التي بادر جلالة الملك محمد السادس إلى اتخاذها منذ الإعلان عن هذه الزيارة، وذلك باستدعاء سفير جلالته في العاصمة مدريد قصد التشاور ولمدة غير محددة، مشددين على دعمهم القوي للمواقف الشجاعة، التي عبرت عنها الحكومة المغربية، ومؤكدين أن مثل هذه الخطوات الإسبانية "لن تثني الشعب المغربي بقيادة جلالة الملك عن مواصلة كفاحه من أجل استكمال وحدته الترابية واسترجاع حقوقه التاريخية، التي لن تسقط أبدا بالتقادم"
ودعا المجلس إلى تفعيل اقتراح خلية مشتركة بهدف إيجاد حل سلمي لهذا الخلاف الاستعماري على قاعدة الحوار والتفاوض، مناشدا في هذا الصدد السلطات الإسبانية بكل مستوياتها إلى الدخول في حوار صريح وصادق بروح عملية وواقعية في أفق التوصل إلى صيغة تسوية تحفظ للجميع مصالحه وتؤسس لعلاقات حقيقية بين البلدين الجارين قوامها التعاون والاحترام المتبادل وحسن الجوار.
أما على مستوى مجلس النواب، فجرى تنظيم جلسة عمومية طارئة حضرها بعض أعضاء مجلس المستشارين للتعبير عن إجماع البرلمانيين، في تأكيد تمسك الشعب المغربي بوحدته الترابية كاملة، مدينين بشدة الزيارة الاستفزازية، التي قام بها العاهل الإسباني خوان كارلوس للمدينتين السليبتين سبتة ومليلية.
واعتبر أعضاء المجلس في البلاغ، الذي أصدروه بعد انتهاء أشغال الجلسة العمومية الطارئة، التي عقدوها مساء أول أمس الاثنين، أن هذه الزيارة "إضرارا بليغا بالشعور الوطني للمغاربة، من جهة وإساءة من جهة أخرى لمستوى العلاقات السياسية و الاقتصادية المتميزة بين البلدين".
وأكد مجلس النواب إدانته القوية لزيارة العاهل الإسباني الملك خوان كارلوس للمدينتين المغربيتين المحتلتين سبتة ومليلية، معتبرا أن هذه الزيارة تشكل »خطوة مناهضة للطموح المشروع للشعب المغربي المتطلع إلى تصفية الإرث الاستعماري وبناء شراكة مستقبلية بين المغرب و إسبانيا قوامها التعاون وحسن الجوار«، مشيدا بالمبادرة الملكية باستدعاء السفير المغربي بمدريد، وكذا كافة المبادرات الشعبية والحكومية المجمعة على إدانة ورفض هذه الزيارة.
ودعا المجلس إلى فتح"حوار إسباني مغربي جاد ومسؤول من أجل التوصل إلى الطي النهائي لصفحة الاستعمار الإسباني للأراضي المغربية والتوجه نحو المستقبل على أساس التعاون و الاحترام المتبادل بين البلدين الجارين والصديقين".
كما عبرت الفرق النيابية والهيئات السياسية خلال الجلسة، التي شهدت حضورا مكثفا، عن استنكارها الشديد للزيارة، التي يقوم بها العاهل الإسباني للمدينتين المغربيتين السليبتين سبتة ومليلية، مؤكدة على ضرورة تكثيف الجهود على جميع المستويات في سبيل استرجاع هاتين المدينتين واستكمال الوحدة الترابية للمملكة.
وأجمع رؤساء هذه الفرق والهيئات السياسية على أن هذه الزيارة تعد استفزازا خطيرا وغير مسبوق لمشاعر الشعب المغربي وتعبيرا عن عدم قدرة إسبانيا على التخلص من ماضيها الكولونيالي.
وبالنسبة للطيفة بناني سميرس رئيسة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية فهذه الزيارة مرفوضة تماما ليس فقط من طرف كل مكونات الشعب المغربي، بل وكل العالم الحر، مذكرة بأن المغرب يعمل دائما على أن تصل رسالة السلام والتعايش والانفتاح على الآخر، التي آمن بها على الدوام.
وأشارت سميرس أنه ليس هناك أي سبيل لتفهم الظروف الإسبانية داخلية كانت أو نفسية لأن هذه الخطوة تتعلق ليس بمستقل العلاقات مع إسبانيا، بل بمستقبل المنطقة ككل، معبرة عن استعداد المغرب للدخول في جميع أشكال الحوار وفتح كل الملفات.
أما مصطفى الرميد رئيس فريق العدالة والتنمية فاقترح القيام بعدة إجراءات تهم اعتبار يوم الخامس من شهر نونبر من كل سنة يوم سبتة ومليلية وباقي الجزر المحتلة وبتخصيص ساعة كاملة في جميع المؤسسات التعليمية للتذكير بمغربية الأراضي المحتلة وتأسيس إطار مدني من جميع مكونات المشهد السياسي من أجل العمل على تحرير الأراضي المحتلة وتأسيس مركز للتوثيق والبحث والمتابعة في كل ما له علاقة بالأراضي المغربية المحتلة وإنجاز مطبوعات بكل اللغات الحية تقدم كافة المعطيات، التي تؤكد مغربية الأراضي المحتلة.
كما طالب بمكافحة التهريب من المدينتين المحتلتين لما يخلفه من أضرار على الاقتصاد الوطني والتنمية بالمنطقة ولدوره الكبير في إدامة الاحتلال.
وبالنسبة لسعيد أمسكان رئيس الفريق الحركي فزيارة ملك إسبانيا لهاتين المدينتين تأتي في سياق معاكس للمستقبل ومضاد تماما للمجرى الإيجابي للعلاقات المغربية الإسبانية، ومن شأنها تقويض أجواء الثقة بين البلدين الجارين المرتبطين بمعاهدة الصداقة وحسن الجوار إلى جانب روابط التاريخ والجغرافيا.
وأضاف أن رمزية الزمن، التي لا يمكن فصلها عن الدلالات السياسية لهذه الزيارة، أثارت تذمرا مشروعا لدى جميع المغاربة وخاصة تزامنها مع ذكرى المسيرة الخضراء واسترجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية في إطار الشرعية الدولية ومبدأ تصفية الاستعمار، مشيرا إلى أنه لا يمكنها إلا أن تؤدي إلى الانسياق إلى طرق التصعيد والخلافات وتسميم العلاقات سواء على الصعيد الثنائي أو على مستوى علاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي أو على مستوى مشروع الاتحاد المتوسطي.
أما عبد العزيز العلوي الحافظي، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، فيرى أن هذه الزيارة تظهر »عودة لسلوك استعماري وإحياء لغريزة توسعية واستخفافا بمشاعر شعبنا واستفزازا غير مسبوق" مضيفا أن الشعب المغربي"يحمل إسبانيا مسؤوليتها في ما يمكن أن يترتب عن هذا الاستفزاز من انعكاسات سلبية على العلاقات المغربية الإسبانية".
وأكد أن إسبانيا "لا يمكن أن تطالب بتصفية استعمار جبل طارق وتتمسك في الوقت نفسه باستعمار الأراضي المغربية«، مشيرا إلى أن إسبانيا فضلت في المقابل تعزيز"احتلالها لأراضينا واتخذت عدة إجراءات منها تسريع وتيرة أسبنة المدينتين السليبتين وأقرت قانون الأجانب وعرقلت امتلاك المغاربة للعقارات".
أما أحمد الزيدي، رئيس الفريق الاشتراكي، فيرى بدوره أن العواقب الوخيمة لهذه الزيارة تتجاوز الأبعاد السياسية والاقتصادية لتشمل الثقافية منها، على اعتبار أن "الإرث الثقافي المشترك والحوار والمبادلات الرمزية شكلت أحد الجسور الأساسية، التي من خلالها حافظ المغاربة والإسبان على الروابط، التي تجمعهم".
ومن جانبه، أكد نجيب الوزاني، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، أن برمجة الحكومة الإسبانية لهذه الزيارة للمدينتين السليبتين في هذه المرحلة بتزامن مع مناوشات واستفزازات القاضي الإسباني كارصون وحملة الاعتداءات على الجالية المغربية بضاحية مدريد يطرح عدة تساؤلات حول دواعي هذه الممارسات غير الودية وتوقيتها بالذات.
واعتبر الوزاني أن هذه الزيارة رد فعل من الحكومة الإسبانية على التقدم الحاصل على مستوى تدبير مسلسل تسوية ملف النزاع المفتعل حول الصحراء بعد تقديم المغرب لمبادرة الحكم الذاتي والتجاوب الدولي، الذي لقيته وعلى دينامية التطور والتنمية، التي يقودها جلالة الملك محمد السادس في الأقاليم الشمالية للمملكة، وكذا التطورات والمكتسبات، التي حققها المغرب في علاقاته الثنائية مع دول أوربية صديقة على المستوى السياسي والاقتصادي.
وعبر الشاوي بلعسال، رئيس فريق الاتحاد الدستوري، عن رفض المغرب لأن يصبح"موضوعا للاستغلال السياسي داخل إسبانيا، إذ كلما حلت المواعيد الانتخابية إلا ويكون الشأن المغربي حاضرا بقوة لدى الهيئات السياسية بما يخدم أغراضها الانتخابية".
ومن جانبه أكد محمد بنعطية عن فريق تحالف القوى التقدمية الديمقراطية أن هذه الزيارة برسائلها الصريحة والضمنية المتشبثة باستمرار وضع الاحتلال، والتي تكرس علاقات عدم التكافؤ لن تغير من حق المغرب تاريخيا وجغرافيا.
أما المختار راشدي، عن مجموعة تحالف اليسار الديمقراطي، فأعرب بدوره عن استنكاره الشديد لهذه الزيارة، التي وصفها بـ "الاستفزازية" والتي تجسد "الحنين إلى الماضي الاستعماري للدولة الإسبانية".
وأكد على ضرورة نفض الغبار على هذه المشكلة وتسليط الضوء عليها كقضية أساسية من قضايا تصفية الاستعمار.
وندد المصطفى أيت بن علي عن مجموعة الحزب العمالي بهده الزيارة، التي وصفها بـ "سابقة تاريخية" ترمز إلى تكريس الاحتلال واستفزاز الشعب المغربي والإساءة إلى العلاقات بين البلدين المحكوم عليها بالتعايش بحكم التاريخ والجغرافيا.
كما تميزت هذه الجلسة العمومية الطارئة، بتدخل الوزير الأول، باسم الحكومة، أكد فيه عباس الفاسي أن زيارة عاهل إسبانيا الملك خوان كارلوس إلى سبتة ومليلية المحتلتين "مرفوضة وغير لائقة".