تصادف الذكرى الـ 32 لانطلاق المسيرة الخضراء هذا العام صدور قرارين عن مجلس الأمن الأول بتاريخ 30 أبريل 2004 ويحمل رقم 1754 وينص على دعم المبادرة المغربية بإقامة حكم ذاتي في الصحراء ينهي الأزمة المفتعلة التي دامت أزيد من ثلاثة عقود.
كما تصادف ذكرى المسيرة هذه السنة صدور قرار آخر بأغلبية الأصوات عن اللجنة الرابعة التابعة لأمم المتحدة في أكتوبر الماضي يدعو إلى تبني قرار مجلس الأمن، وهي المرة الأولى التي تمنى فيها الجزائر بهزيمة داخل هذه اللجنة، التي اعتبرت في السنوات السابقة ميدانا رحبا للدبلوماسية الجزائرية.
ولم تمض أيام قليلة حتى صدر القرار الثاني عن مجلس الأمن يحمل رقم 1783 يدعو إلى تطبيق القرار السالف الذكر، واستئناف المفاوضات بين طرفي النزاع.
وهو القرار الذي صوت عليه أعضاء مجلس الأمن بإجماع بعد أن عارضته جنوب إفريقيا وعادت للتصوت عليه.
وهو القرار الذي اعتبره المغرب أمرا يعزز المسار التفاوضي الذي يهدف إلى إيجاد حل سياسي متفاوض في شأنه لملف الصحراء، الذي عمر طويلا.
كما شكلت سنة 2007 بالنسبة للمغرب محطة سجل خلالها اكتساحا دبلوماسيا لفائدة قضيته، حاصدا بذلك مزيدا من المواقف الإقليمية والدولية فبعد التأييد الأوروبي الذي أثنى على المبادرة المغربية واعتبرها فرصة لإنهاء نزاع الصحراء الذي طال أمده.
وعبرت 27 دولة من أوروبا عن موقفها المؤيد للمبادرة مجددة دعمها كما وقع121 نائبا بمجلس العموم البريطاني، ملتمسا لدعم المبادرة المغربية.
وسلكت دول في أميركا اللاتينية وفي إفريقيا بالإضافة إلى البلدان العربية الاتجاه نفسه، وساندت المقترح المغربي قبل وبعد صدور قراري مجلس الأمن.
ثم جاء دور الولايات المتحدة الأميركية التي قدم العديد من مسؤوليها ونحو 180 عضوا في مجلس الشيوخ الأميركي دعما لا لبس فيه لهذا المقترح، واعتبروه "جديا"، و"ذا مصداقية"، وطواقعيا"، و"قابلا للتحقق"، ويفتح طريقا واعدا لحل هذا النزاع، الذي طال أكثر من اللازم.
هذه القرارات والمواقف تعتبر أيضا دعما لمسلسل المفاوضات التي انطلقت بين المغرب وجبهة البولسياريو في شهري يونيو وغشت من السنة الجارية بمنهاست بالولايات المتحدة الأميركية، في أفق التوصل إلى حل ضمن المقترح المغربي الذي يوصف بإجماع القوى الدولية على أنه مقترح يتسم بالجدية والمصداقية والرامي إلى حل هذا النزاع بشكل نهائي .
وعلى هذا الأساس كان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أنجز تقريره المؤرخ في 13 أبريل الماضي الذي يصف فيه أيضا المساعي المغربية بالجدية والمصداقية والرامية إلى المضي قدما بالعملية صوب التسوية.
وللإشارة فإن مجلس الأمن في إطار قراره الأخير 1783 طلب من الأمين العام للأمم المتحدة أن يرفع إليه "بحلول31 يناير2008 تقريرا عن مدى تقدم هذه المفاوضات التي تجري تحت رعايته، ويعرب عن عزمه عقد اجتماع لاستلام هذا التقرير ومناقشته"
كما قرر تمديد ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 30 أبريل 2008 .
مقابل التقدم الذي أحرزه المغرب في قضية صحرائه خلال هذه السنة، بدت الجزائر أكثر انطوائية وعدوانية.
ففي الوقت الذي كان مجلس الأمن يتدارس الوضع مباشرة بعد إصداره القرار 1754، كانت الجزائر تنسج خطة تضليل إعلامي قوية، للتأثير على الرأي العام الدولي، وربما أيضا التأثير على ما كان يجري من نقاشات داخل المجلس.
وإلى حدود صدور القرار كانت الآلة الإعلامية والدبلوماسية الجزائرية لاتزال تروج لأخبار كاذبة عن نجاح البوليساريو وأصدقائها في إقناع أعضاء مجلس الأمن بعدم صلاحية المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، حتى لا تجري الإشارة إليها بإيجابية، أو بشكل يجعلها ذات أسبقية على مقترح البوليساريو الذي ولد في الوقت الميت مفاجئا العالم بمولده لا بمضامينه.
وتعكس مختلف التصريحات والمناورات الجزائرية منذ صدور القرار وإلى الآن، وقوع كل من جبهة البوليساريو والجزائر في ارتباك كبير، لأن ميزان القوى مال في الاتجاه الذي لا ترغبان فيه، خاصة مع دفاع قوي عن المبادرة المغربية من قبل فرنسا والولايات المتحدة، وإسبانيا التي حاولت الجزائر الضغط عليها برفع سعر الغاز بنسبة 10 في المائة أخيرا، حتى إن وزير الخارجية الإسبانية خرج في آخر تصريح له عن طوره وقال "إننا لسنا ملزمون بدعم البوليساريو ضد المغرب".
من جهة أخرى تميزت الجولة الأولى من المفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو بعزل الجزائر تدريجيا عن التأثير في مجريات الأحداث.
وهي خطة رصينة تنبه إليها مجلس الأمن وإن لم يكن أشار إليها في القرارين 1754 أو 1783 .
إلأ أنه ألح على أن تجري المفاوضات بين الطرفين تحت إشراف الأمين العام لأمم المتحدة
لكن ليس من السهولة بمكان توقع خفظ الضغط الجزائري على جبهة بوليساريو.
إذ تظهر التصريحات الجزائرية التي سبقت عقد الجولة الثانية من المفاوضات، مدى صعوبة التوصل إلى نتائج إيجابية مرجوة من المجموعة الدولية.
فالجزائر تعطي تأويلات لقرار مجلس الأمن وتحاول تفسيره من منطلق رغبتها في أن تؤدي المفاوضات إلى الاستفتاء ثم إلى الانفصال.
وهذا مجرد افتراء وحلم يرتبط بمشاريع سبق أن أثبتت فشلها.
وهذه التصريحات تتناقض وروح نص قرار 1754 الذي رفض أي شروط مسبقة للمفاوضات
ومن جهته يعتبر المغرب التصريحات الجزائرية بمثابة بوصلة يحاول من خلالها قصر المرادية توجيه المفاوضات حسب أهوائه.
وهي إشارات تعتبر غير مشجعة، بل ترهن مصير المفاوضات نحو طريق مقطوع
وفي انتظار الجولة الثالثة يفترض في مجلس الأمن أن يتحرك لضمان أكبر قدر من الاستقلالية للأجواء التي تجري فيها المفاوضات، ويتوقع بهذا الشأن أن توجه دعوة إلى الجزائر بالتخلي عن التدخل في مسار المباحثات بين طرفي النزاع، وترك جبهة بوليساريو لتقرير مصيرها، قبل أن تبت في تقرير مصير مئات القبائل الصحراوية التي أعلنت موقفها مسبقا من مبادرة الحكم الذاتي وأيدتها وتنتظر تطبيقها.