المسيرة الخضراء وسبتة ومليلية

روح التحرير المتجددة

الثلاثاء 06 نونبر 2007 - 21:16

تأتي ذكرى المسيرة الخضراء هذه السنة معززة بالاختراق الدبلوماسي والسياسي، الذي سجله المغرب بفضل مبادرته الحكيمة، المتمثلة في مقترح الحكم الذاتي لأقاليمه الصحراوية.

وما حظي به من دعم وتنويه دولي كمدخل لتسوية سياسية متوافق بشأنها، تنهي نزاعا مفتعلا دام طويلا، بعد أن وصلت كل المقاربات السابقة للتسوية إلى الباب المسدود.

ومن "الصدف" غير السارة أن تتزامن زيارة عاهل إسبانيا، الملك خوان كارلوس، للمدينتين المغربيتين المحتلتين، سبتة ومليلية، مع الذكرى الثانية والثلاثين للمسيرة الخضراء، التي استرجع بها المغرب أقاليمه الجنوبية من الاحتلال الإسباني.

فلا يمكن بأي حال أن يكون لعامل الصدفة دخل في هذا التوقيت، الذي يزامن بين حدثين متناقضين في بعدهما ومدلولهما السياسي : تحرير الصحراء كخطوة لاستكمال الوحدة الترابية للمغرب وصيانة سيادته الوطنية، مقابل التذكير بواقع الاحتلال في الطرف الآخر من خريطة المغرب، وأرض المغاربة.

في قضية الصحراء حدد المغرب منذ البداية خيارا سلميا لاسترجاع أقاليمه الجنوبية واستكمال وحدته الترابية، تجسد في المسيرة الخضراء، وفي الميدان واجه المغرب، داخل حدوده، بشجاعة وصلابة، حربا فرضت عليه في نزاع مفتعل، على خلفية جبهة داخلية قوية ومتماسكة، انطلاقا من الإيمان بعدالة القضية والحق المشروع في استكمال الوحدة الترابية وصيانة السيادة.

كما ترك المغرب دائما باب الحوار مفتوحا، وتجاوب مع المساعي الحميدة والوساطات العربية، أملا في اقتناع الخصوم وعودتهم إلى الصواب، بينما حددت أطروحة الانفصال هدفها في معاكسة المغرب والسعي إلى إضعافه، وهذا ما يفسر استمرار النزاع المفتعل في المنطقة، وما ترتب عنه من ممارسات كانت وراء تعطيل انطلاق المشروع المغاربي.

ووصلت الأطروحة نفسها إلى قدم الجدار والطريق المسدود بعد أن كسب المغرب المعركة عسكريا في الميدان، وانفضحت سياسيا أمام الرغبة المعلنة للمغرب في السلام من خلال حل سياسي ينهي النزاع المفتعل أصلا دون المس بوحدته الترابية وبسيادته على أقاليمه الصحراوية.

على هذه الخلفية السياسية والتاريخية، ومن منطلق التمسك بالحق والقانون، مع اعتماد أكبر قدر ممكن من المرونة، يحرص المغرب الآن، وهو يخوض مسيرة الوحدة والديموقراطية والتنمية والمصالحة، على منح الخصوم فرصة تاريخية لتصفية النزاع، من خلال الحل السياسي، المتمثل في مقترح الحكم الذاتي، بعيدا عن منطق الغالب والمغلوب، بما يفتح آفاقا جديدة للتعاون والتكامل الاقتصادي، ضمن سياسة حسن الجوار وتنمية المصالح المشتركة.

وإذ تأتي زيارة العاهل الإسباني لسبتة ومليلية في ذكرى تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب في جنوب البلاد، فهي تذكر المغاربة، حكومة وشعبا، وقوى سياسية وهيآت جمعوية، باستمرار جيبين معربيين تحت الاحتلال الإسباني في شمال البلاد، ضدا على منطق التاريخ والجغرافيا، وفي تناقض صارخ مع مبدأ تصفية الاستعمار المكرس في ميثاق الأمم المتحدة.

أما الحسابات المتحكمة في السعي إلى استفزاز المغرب والمغاربة، فلا يمكنها أن تخدم المصالح الإسبانية نفسها في علاقاتها مع المغرب وفي المنطقة المتوسطية، كونها تهدد أجواء الثقة بين بلدين جارين، تربطهما معاهدة صداقة وحسن جوار، وتجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا، ويوحد بينهما تداخل المصالح، ويواجهان معا مخاطر الإرهاب، وكل هذا رغم الأزمات والعثرات العابرة، التي تمكنت دائما النوايا الحسنة من جانب الطرفين في تطويقها وتخطيها.

إن تخليد ذكرى المسيرة الخضراء المجيدة، في أجواء الغضب الشعبي العارم، الذي يملأ نفوس المغاربة، رفضا لكل ما يمس مشاعرهم الوطنية، في الشمال أو الجنوب، يأتي لتبرز لكل من يهمه الأمر استمرار روح التحرير، لتبقى المسيرة متجددة، حتى تحرير آخر شبر من التراب الوطني.




تابعونا على فيسبوك