معارك المياه ... من أجل مورد مشترك للإنسانية

كتاب مقلق يحفل بمعطيات وتحذيرات حول معضلة الماء

السبت 03 نونبر 2007 - 09:56

هذا كتاب قيّم ومُقْلِق في آن، ويحمل عنوان معارك المياه : من أجل مورد مشترك للإنسانية، وألفه الخبير التونسي محمد العربي بوقره (ترجمة : غازي برّو دار النشر : دار الفارابي سلسلة من أجل عولمة بديلة .

بيروت، الطبعة الأولى 2006، عدد الصفحات : 319)كتاب قيّم لأنه يُبْرِز قدرة العقل العربي على الانخراط الجاد في مشاكسة العقل السياسي ـ الاقتصادي الغربي الذي يزعم أنه المسؤول على تحديد مسارات التنمية والتحديث على الآخر (غير الأوروبي وغير الأميركي طبعا).

وكتاب مُقْلِق، لأنه يحفل بالعديد من الإحصائيات والأرقام والمعطيات الميدانية التي تندرج بدورها ضمن التحذيرات الخاصة بملف البيئة، كما نطلع عليها منذ سنين في العديد من صرخات مسؤولين وفاعلين جمعويين، ومروجي أطروحة العولمة البديلة، ولعل إعلان السياسي الأميركي البارز آل غور، على تبني أغلب ثنايا هذه الأطروحات، على الأقل، في ما يتعلق بالنقد الموجه لتعاطي العقل الغربي مع قضايا البيئة، يُبْرِز أهمية وميزة هذه الأطروحات.

ومحمد العربي بوقره للتذكير، هو مستشار منظمة الأليسكو ولمنظمة الصحة العالمية، وهو عضو لمجلس المستقبل التابع لهذه المنظمة، وهو محرك برنامج المياه لشبكة التحالف من أجل عالم مسؤول متعدد ومتضامن، وهو على الخصوص واضع دفتر الاقتراحات حول المياه المعروض في اجتماع مجلس مواطني العالم، المنعقد في مدينة ليل الفرنسية، في ديسمبر2001 .

افتتح المؤلف هذا العمل بالتأكيد على قوة على النظام الرمزي للماء، وعلى حقيقة أن دورة الماء تربطنا جميعا ببعضنا بعضا، كما أنها تربطنا بـأُمُّنا الطبيعة ـ حسب مأثور شهير لدى الهنود الحمر ـ ومن منطلق أن العلم لا يعرف بكل دقة هذا الجزيء الصغير ثلاثي الذرات، فإن الخلاصة الأولى التي يتوقف عندها بوقره، هي أن الماء يعطي الإنسان درسا في التواضع .

يحفل الكتاب بالأرقام المفارقة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ما جاء في تقرير للأمم المتحدة مؤرخ في 30 مارس 2003، حيث سُجِّل في الفترة الممتدة ما بين 1991 و2000، وقوع 2557 كارثة طبيعية، أدت إلى 665000 حادثة وفاة، وارتبطت 90 في المائة من تلك الكوارث بالمياه.

وفي عام 1999، قدّرت الخسائر الناجمة عن الكوارث الطبيعية بحوالي 70 مليار دولار، دون الأخذ بالحسبان، ما خفي من تكاليف، من قبيل التكاليف الاجتماعية غير المباشرة لهذه الكوارث، وخسارة أسباب المعيشة والأدوات الزراعية

وأخيرا، وليس آخرا، تتسبب المياه الملوثة في وفاة 6000 طفل يوميا كمعدل وسطي، ولاستيعاب ثِقْل هذا الرقم، لنتصور سقوط أو تحطم خمس عشرة طائرة بوينغ4 كل يوم، وأن نشرة الأخبار الرئيسية لا تورد كلمة واحدة بشأنها .

ولتبيان مدى تعقيد الحسابات السياسية اللصيقة بقضايا و»حروب المياه القادمة، يذكرنا بوقره أولا بأن الماء ثروة طبيعية دقيقة يمكن أن تسبب على المستوى المحلي والإقليمي، وكذلك على المستوى الدولي بمشاكل، أو بإمكانيات للتعاون، ويذكرنا ثانيا ـ حتى نلج باب التطبيقات الميدانية ـ أنه سبق لبريطانيا في العام 1898 أن هددت فرنسا بالحرب، لأنها حاولت أن تسيطر على منابع النيل، وقد حصلت بوتسوانا أخيرا على دبابات جديدة، لأن هناك خطرا أن يستثير السلام بين أنغولا وناميبيا ضغطا متزايدا على نهر الأوكفانغو

كما نلاحظ أن مصر والمجر، مثلا، تدينان بنسبة 95 في المائة في شأن مياههما إلى مصدر يقع خارج حدودهما السياسية، وتدين رومانيا بنسبة 82 في المائة، وهولندا بنسبة 89 في المائة، وألمانيا بنسبة 51 في المائة، وبلجيكا بنسبة 33في المائة
ولعل أبرز البدائل (غير اليوتوبية) التي يطرحها الكاتب بصراحة في هذا العمل الجاد، تكمن في حتمية وضع الكراهية والظلم واحتقار الآخرين جانبا، كي يكون المكان مُتاحا للتعاون والحوار والتضامن، وإلا، يضيف بوقره، سيكون من المُرَجَّح ألا يعود هناك ما يكفي من الماء لإخماد النيران التي تشعلها الحروب الداخلية وبين الأمم من أجل المياه
أما البديل العملي الآخر الذي يتوقف عنده الكاتب في أكثر من موقع، فيقوم على إعادة النظر بأنماط الحياة الاستهلاكية التي تُبَدِّد المياه والموارد، وتلوثها، وينبغي الإدراك أيضا أنه من المتعذر تعميم النمط الغربي على البشرية جمعاء دون التسبب بخلل بيئي وسياسي واقتصادي ـ اجتماعي، لا سيما أن الأزمة المناخية التي هبطت علينا في صيف 2003 جسدت بحق تحديا للوهم البروميثي بالقدرة الفائقة للإنسان على السيطرة على كل شيء .

من الواضح، يضيف بوقره، أن البشر عليهمأن يضعوا خياراتهم لمواجهة تحديات المياه لأن كميات المياه على الأرض متناهية، وهذا ما ينبغي عدم نسيانه، والتحدي أكبر للفقراء منه للأغنياء، لأن البعض يفتقر إلى مياه للشرب، بينما يشكو الآخرون، للمفارقة، من افتقارهم لما يكفي لري حدائقهم وتنظيف سياراتهم أو ملء أحواض السباحة، والإحالة صريحة هنا إجمالا على نمط المعيشة في الغرب (الأوروـ أميركي)

والأجدى لأتباع مالتوس ـ كما يضيف الكاتب في موقع آخر من هذا العمل القيم ـ أن يوجّهوا ضد الأغنياء أولا، مآخذهم على طريقتهم في استهلاك المياه.




تابعونا على فيسبوك