يأتي الإعلان عن الزيارة المرتقبة لعاهلي إسبانيا، الملك خوان كارلوس والملكة صوفيا، للمدينتين المغربيتين المحتلتين، سبتة ومليلية، يومي 5 و6 نونبر، في سياق معاكس للمستقبل، ومضاد تماما للمجرى الإيجابي لعلاقات المغرب وإسبانيا على مدى السنوات الثلاث الماضية على
بما يدعو إلى التساؤل حول المغزى من هذه الخطوة، التي من شأنها أن تضرب ما تأتى بناؤه من أجواء الثقة بين بلدين جارين، تربطهما معاهدة صداقة وحسن جوار، وتجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا، ويوحد بينهما تداخل المصالح، ويواجهان معا مخاطر الإرهاب، وكل هذا رغم الأزمات والعثرات العابرة، التي تمكنت دائما الإرادات الحسنة من جانب الطرفين في تطويقها وتخطيها.
تأتي الزيارة المرتقبة إلى المدينتين المحتلتين في شمال المغرب إذن عكس التيار، إذ أنها تشكل استفزازا للمشاعر الوطنية للشعب المغربي، وتذمرا مشروعا لدى جميع المغاربة، وخاصة من زاوية تزامن الزيارة المرتقبة مع الذكرى الثانية والثلاثين للمسيرة الخضراء، واسترجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية من الاحتلال الإسباني، بمقتضى الشرعية الدولية ومبدأ تصفية الاستعمار.
الزيارة المرتقبة تأتي أيضا لتضع صديق المغرب الكبير، العاهل الإسباني، في غير المجرى الطبيعي لسياسة حسن الجوار والتفاهم، وخرقا لتقليد ساد في إسبانيا منذ أزيد من ثلاثة عقود، إذ لم يسبق للعاهل الإسباني أن توجه في زيارة رسمية لسبتة أو لمليلية منذ عودة الملكية إلى إسبانيا، عام 1975، بعد نهاية ديكتاتورية الجنرال فرانكو
ومع استحضار حقيقة مرتبطة بالواقع الإسباني، فإن الطابع السياسي للزيارة يبرز أكثر جلاء، في هذا الوقت، الذي تطورت فيه العلاقات المغربية الإسبانية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، في عهد حكومة ثاباتيرو، في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية على السواء، والآن قد تصبح هذه العلاقات مهددة بالعودة إلى دائرة التوتر.
إن احتلال إسبانيا للمدينتين المغربيتين أمر واقع لايرتفع، ويرتبط احتلالهما بالحقبة الاستعمارية المبكرة لإسبانيا، بداية من القرن الخامس عشر، عندما جرى تقسيم المغرب إلى مناطق نفوذ استعماري برتغالي وإسباني، وهو احتلال ووجه بمقاومة دائمة من طرف المغاربة، وتحررت جل المدن والمناطق المحتلة، قبل أن تحتل إسبانيا في وقت لاحق الصحراء، وأجزاء أخرى من جنوب المغرب، ثم جاء احتلالها، بصيغة الحماية، لشمال المغرب في مطلع القرن الماضي.
ورغم الواقع الاستعماري، فإن المغرب تعامل دائما بأكبر قدر ممكن من الاعتدال والواقعية في قضية المدينتين المحتلتين، انطلاقا من حرصه على مبدأ تسوية الخلافات والنزاعات بالطرق السياسية والسلمية، ومراعاة لسياسة حسن الجوار مع الجارة الشمالية، وفي مقدمة هذه المنازعات، في العلاقات المغربية الإسبانية، قضية سبتة ومليلية والجزر المجاورة المغتصبة، التي لم يفتأ المغرب منذ استقلاله يطالب إسبانيا بإنهاء احتلالها، سالكا في ذلك، كما يقول جلالة الملك محمد السادس"سبيل التبصر والنهج السلمي الحضاري، الذي يجسده الاقتراح الحكيم لوالدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني أكرم الله مثواه بإنشاء خلية مشتركة مغربية إسبانية للتفكير والتأمل، لإيجاد حل لمشكل هذه المناطق المحتلة".
ويضيف جلالته"أما القضايا الخلافية الأخرى مما هو معتاد بين الجيران، فإن المغرب مستعد لتدارسها في إطار نظرة مستقبلية وحوار صريح بين البلدين، تحذوهما في ذلك إرادة بناءة وإيمان بضرورة إقامة مشاريع تنموية ثنائية، في وفاء صادق لميراثنا الحضاري المشترك، والتزام تام بمعاهدة الصداقة والتعاون وحسن الجوار التي تمليها علينا حتمية التاريخ والجغرافيا وقيم العصر ومتطلباته".
إن تثمين المغاربة للصفحة الجديدة التي فتحتها حكومة ثاباتيرو في ملف العلاقات بين الرباط ومدريد، لا تنسيهم العديد من الإجراءات الإسبانية، التي تأتي في ظاهرها وكأنها مجرد تدابير لمواجهة تدفق الهجرة السرية على الجزيرة الإيبيرية.
لكنها في العمق تكشف أن الاحتلال الإسباني يعيش على هاجس عودة الثغرين المحتلين إلى المغرب وانهيار الحدود الوهمية ورحيل المستوطنين الإسبان وارتفاع نسبة السكان المغاربة.
وهذا الهاجس هو الذي جعل إسبانيا تشرع منذ نهاية سنة 1995 في إقامة حائط من الأسلاك الشائكة والكشافات الضوئية على طول الحدود الوهمية بين المدينتين السليبتين وبين المغرب، جرى تعزيزها بعد ذلك بإقامة جدار من جنود الاحتلال لتشديد المراقبة على طول المدار الحدودي الوهمي، إلى غير ذلك من التدابير الجديدة التي يعرفها المغاربة جيدا.
ودون إطالة في هذه القضية، نجمل القول لنشير إلى أنه قد يكون لمدريد مخطط كامن في النظر الى المدينتين كمركز استراتيجي لإسبانيا، ومنطقة دفاع عازلة ضد أي عدوان محتمل.
الجواب عن هذا الهاجس والتوجس بسيط جدا، ويتمثل في الحوار والتفاهم وتعميق التعاون على أساس المصالح المشتركة الاقتصادية والحضارية والثقافية، فذلك هو أهم درع واق لكلا البلدين، بل وللحوض المتوسطي برمته.
يقول الديبلوماسي الإسباني، ماكسيمو كاخال، وهو بالمناسبة ممثل رئيس الحكومة الإسبانية في تحالف الحضارات، في كتابه عن"سبتة ومليلية أوليفنسا وجبل طارق : أين تنتهي إسبانيا"، إنه كان على إسبانيا"القيام بإحداث تغيير جذري في جمودها بخصوص قضية سبتة ومليلية ومخلفاتها المتبقية بالشاطئ المغربي".
وقال إن "هذه الرواسب تمثل عارا دائما بالنسبة لاستكمال الوحدة الترابية للبلد الجار، دون أن يسع المجال بهذا الخصوص للتذرع بتبرير سكان مدينتي سبتة ومليلية، في تناقض مكشوف مع خطابنا حول المستعمرة البريطانية بالتراب الإسباني، وبتصادف مع تضرع سكان "أوليفنثيا"، إنه يتعين على مدريد الشروع في تفكير مشترك مع الرباط حول هذه القضية الدقيقة والحساسة، مع الأخذ مرة واحدة بالعرض، الذي كان قدمه الراحل الملك الحسن الثاني في وقته، ويجب على مدريد إنجاز هذا العمل بوضوح واختزال لنعرف جميعا بماذا سنتمسك وسنلتزم، إن المصير المستقبلي لسبتة ومليلية وصخور الحسيمة وفيليث والجزر الجعفرية ظلت تفرضه كذلك الجغرافيا، كما يحدث بالنسبة لجبل طارق، لكن يفرضه بصفة عامة أمر أخلاقي جديد يتطابق ومفهوم جديد للنظام العالمي، إن هذا التفكير يجب أن يشمل دون أي استثناء كل مميزات القضية ويصب في اتجاه حلول معقولة ومقبولة بالنسبة للبلدين لكن دون مساومة، من لدن الطرف الإسباني، في مغربيتها النهائية، أيا كانت طرقها وآجالها".
إن هذا المنحى الذي ذهب إليه حكيم الديبلوماسية الإسبانية، هو الأفق ذاته، الذي يتطلع إليه كثير من جيراننا الإسبان، فضلا عن أصدقائهم المغاربة، إن إسبانيا تتقاسم اليوم مع المغرب الرغبة والإرادة في بناء علاقات ثنائية متينة، مبنية على أسس من الثقة والتفاهم المشترك، لينخرطا معا في مجرى التاريخ، الذي يفترض أن يؤدي مساره المستقبلي والتطوري إلى استعادة سبتة ومليلية والجزر الملحقة بهما إلى السيادة المغربية، وأن يكون مصير جبل طارق مماثلا، مثل ما حدث، بأسلوب حضاري، بين بريطانيا والصين، في نموذج هونغ كونغ، وبين البرتغال والصين، في نموذج ماكاو.
وبين هذا وذاك، لقد اختار المغرب، ودون أن يتنازل عن حقه التاريخي في استرجاع المدينتين السليبتين، الرهان على المستقبل، من باب الثقة في عدالة قضيته، والحرص على صيانة المصالح المشتركة للبلدين، ويفترض في الطرف الإسباني أن يفهم هذا الخيار ويدرك أبعاده الحضارية، بدل السعي إلى استفزاز مشاعر 30 مليون مغربي بقضية مدينتين مغربيتين بقوة الجغرافيا والتاريخ.