لعبة القاضي غارثون المريبة

الجمعة 02 نونبر 2007 - 09:49

يثير قرار القاضي الإسباني بلتسار غارثون، القاضي بإجراء تحقيق حول"إبادة" مزعومة، على خلفية قضية الصحراء المغربية، أكثر من سؤال حول خلفيات هذا الفعل، بارتباط مع سؤال استقلالية القضاء الإسباني، ومدى براءة القرار من خلفيات السياسة.

لم يجد القاضي بلتسار، الذي اشتهر بخرجاته الإعلامية، توقيتا أفضل لسلوكه من يوم زيارة ولي العهد الإسباني، الأمير فيليبي دي بوربون، للمغرب، وكأن الأمر يتعلق بمجرد صدفة، إلا أن الوقائع تكشف نية مبيتة لدى القاضي الإسباني في التحامل على المغرب، تماما كما حصل من طرف زميله الفرنسي باتريك راماييل، بمناسبة زيارة الدولة الأخيرة للرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، للمغرب منذ بضعة أيام، في قضية المهدي بنبركة، قبل خرجة "التعذيب والإبادة" المزعومة في الصحراء المغربية .

فصباح يوم أول أمس الأربعاء، كما تؤكد مصادر موثوقة من شبه الجزيرة الإيبيرية، جمع بلتسارغارثون، قاضي المحكمة الوطنية في إسبانيا، مجموعة من الصحافيين، وأطلعهم على قراره بطلب إجراء تحقيق حول "جريمة إبادة وتعذيب مفترضة، في عمل معقد ومنظم ضد أشخاص صحراويين"، يمس 13 مسؤولا مغربيا، بينهم ثلاثة جينرالات.

الإساءة إلى العدالة

الأمر بعيد عن الصدفة، وبعيد أيضا عن النية الخالصة لوجه العدالة، ذلك أن القاضي غارثون حرص على أن ينبه الصحافيين، بعد أن وضع بين أيديهم قنبلته ضد المغرب، إلى ضرورة تأجيل تعميم الخبر إلى المساء، أي إلى الوقت بالضبط، الذي يكون فيه ولي العهد الإسباني وصل إلى المغرب، رفقة زوجته الأميرة دي أستورياس، مرفوقين بوزير خارجية إسبانيا، مغيل آنخيل موراتينوس.

بهذا المنطق البعيد عن مبدأ استقلالية القضاء والبحث عن العدالة، يكون غارثون اختار أفضل توقيت لتسليط الأضواء الإعلامية على »الوحش المغربي« في ملف حقوق الإنسان، وفي قضية الصحراء .

ولا يمكن بأي حال أن يكون بلتسار غارثون جاهلا بوجود منابر إعلامية في بلاده مختصة في الصيد في المياه العكرة، وهي تتهافت على كل ما يمكن أن تجعل منه قضية في إساءتها للمغرب، وللعلاقات المغربية الإسبانية، من زاوية تبنيها لأطروحة الانفصال، وحملها ترسانة من العقد تجاه المغاربة.

ثم إن الخرجة غير القضائية بتهمة من حجم الإبادة، وفي هذا الظرف بالذات، ترتبط بأكثر من خيط (غير أبيض) مع المفاوضات، التي قطعت العديد من الأشواط من أجل تسوية قضية الصحراء المغربية، على أساس مقترح الحكم الذاتي، المقدم من طرف المغرب، والمدعوم من الحكومة الإسبانية، ومن المجتمع الدولي، مثلما يوضح ذلك نص القرار، الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي أول أمس.

ويا للمفارقة : فمن سخرية القدر أنه في الوقت الذي يسيء فيه القاضي الإسباني إلى المغرب، تجد المملكة كل الإنصاف من المنتظم الدولي، الذي يدعم عدالة المبادرة المغربية.

لا نريد أن نشكك في استقلالية القضاء الإسباني، لكن في كل الأنظمة القضائية قد يوجد قضاة لا يحركهم دائما المبدأ النبيل للبحث عن العدالة، فينزلقون أحيانا في حسابات تسيء إليهم قبل أن تسيء إلى ضحاياهم .

نظرة الزاوية الأحادية

لقد كان بإمكان القاضي الإسباني بالتسارغارثون أن يفتح عينيه جيدا، إذا كان يتحرك بنزاهة وبصفاء الذمة والبحث النبيل عن الحقيقة، ليعرف كل الحقائق التي يريد، في الجانب المغربي، وفي الطرف الآخر، وسيعلم جيدا حجم الانتهاكات الجسيمة، التي مارستها وتمارسها عصابات الانفصاليين في مخيمات تندوف، والفظاعات، التي تجعل من جبهة بوليساريو منظمة إرهابية، ترتكب جرائم ضد الإنسانية، بالقدر نفسه، الذي يمكن أن يطلع فيه، في عين المكان، على الحقيقة كاملة حول سكان الصحراء، الذين يعيشون في الأقاليم الجنوبية، في إطار من الكرامة والحرية والديمقراطية، وليكتشف حجم التضليل، الذي تمارسه بوليساريو، ومن ارتضوا أن يبيعوا ضمائرهم وذممهم لتسويق بضاعتها التضليلية.

بإمكان القاضي غارثون أن يتعرف على ظروف عيش السكان بالأقاليم الجنوبية، وسيتبين له أن الصحراويين يعيشون في المغرب في إطار من الكرامة والطمأنينة، وفي مناخ يتسم بالحرية والديمقراطية، مقتنعين بالعيش تحت السيادة المغربية، والمشاركة في الحياة السياسية بالمملكة، في إطار يضمن الأمن والاستقرار، بعيدا عن النزاعات القبلية، في عالم مهدد بالصراعات من أجل السلطة وتنامي المجموعات الإرهابية.

ولاعلاقة بالمطلق لهذه الظروف بما يعيشه المحتجزون في مخيمات تيندوف، المحاصرون من طرف عصابات مجردة من كل قيم أخلاقية، بهدف الإثراء غير المشروع، وتهريب المخدرات والأسلحة والأشخاص، وممارسة القرصنة في عرض الصحراء، التي يمكن أن تشكل أرضية خصبة للإرهاب والتطرف الديني.

لو كانت دوافع غارثون هي المثل والقيم السامية للعدالة الإنسانية هي التي تحركه، لكان بإمكانه أن يتحقق بنفسه مما يجري في المخيمات، ويصيخ السمع إلى شهادات الضحايا، الذين طالما جهروا بها في قلب مدريد، فضرب بها عرض الحائط، مفضلا ألا يسمع غير التضليلات.

لو استمع للضحايا الفعليين، لاكتشف أنه ليس هناك في مخيمات تندوف سوى السجون ومراكز الاعتقال، وأن أغلبية السكان يتطلعون إلى ذلك اليوم السعيد للعودة إلى وطنهم المغرب.

بإمكان غارثون أن يعرف كيف يعيش عشرات الآلاف من الصحراويين في ظروف غير إنسانية، في ظل سلطة مجموعة أعلنت نفسها »ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الصحراوي«، أي »البوليساريو«، التي تأسست على بنية شمولية، وقامت باحتجاز الآلاف من المواطنين، وقتل آلاف آخرين في معتقلات تندوف، بواسطة آلة القمع الانفصالي، بمباركة مصالح الأمن العسكري الجزائري.

فالنساء يجبرن على القيام بأشغال شاقة، كما يجري غسل أدمغة الأطفال منذ الصغر وشحنهم بقيم عدوانية، وهو ما يشكل خرقا واضحا لحقوق الطفل، كما حددتها الأمم المتحدة.

وبإمكان غارثون العودة إلى تقرير منظمة "فرانس ليبرتي"، التي ترأسها دانيال ميتران، والتي استنكرت بشدة الفظاعات التي ترتكبها (بوليساريو) ضد الأسرى المغاربة في تندوف المحتجزين منذ 1976 .

فهؤلاء الأسرى هم ضحايا الأعمال الشاقة والتعذيب والمحاكمات الصورية والمجازر والإهانات والإرهاب والمساس الخطير بسلامتهم الجسدية والعقلية والقمع وما إلى ذلك.

ولا تقل هذه الفظاعات في شيء عن تلك التي ارتكبها سلوبودان ميلوزوفيتش وغيره من الدمويين والعنصريين المسؤولين عن جرائم ضد الإنسانية.

غارثون الأخرص تجاه جرائم بوليساريو

في سنة 2000، صدم العالم أجمع بشهادة طبيب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حول المعاملة اللاإنسانية والمهينة التي تنزل بالأسرى المغاربة من قبل جلاديهم.

وقال"لم يكن باستطاعتي حتى اختيار أي أسير لأفحصه، لأنهم كانوا جميعا نافذي الصبر في أن أكشف عنهم كانوا جميعا مرضى جسديا ونفسيا".

وفضلا عن مآسي الأسرى المغاربة، التي يمكن للقاضي غارثون أن يعرف تفاصيلها المرعبة بعد عودتهم إلى بلادهم، سيجد أن البوليساريو تحتجز كرهائن مغاربة يطلق عليهم "لاجئون".

فهؤلاء السكان اقتيدوا بالقوة إلى مخيمات تندوف من أجل استعمالهم من طرف حركة التحرير المزيفة ورقة للمساومة.

فقد جرى نقلهم ضدا على إرادتهم، بما أنه لا يوجد أي سبب يدفعهم للهروب من منازلهم
فلم تكن هناك لا كارثة طبيعية أو بيئية ولا حرب ولا مجاعة.

وتشدد بوليساريو الحراسة على المخيمات لمنع السكان المغاربة المحتجزين في تندوف من الالتحاق بالوطن الأم وتعارض كل إحصاء للمحتجزين والتحقيق في هويتهم لأن سكانا آخرين قدموا على وجه الخصوص من النيجر ومالي وموريتانيا والصحراء الجزائرية هربا من الجفاف للاستقرار هناك.

إن فظاعات مرتزقة بوليساريو لا تستثني حتى الأطفال المغاربة للأقاليم الجنوبية، الذين جرى نقلهم إلى كوبا وأبعدوا عن بلدهم المغرب بغية تعبئتهم مذهبيا وتوجيه سلوكهم وإرغامهم على نكران أهاليهم وعائلاتهم وأقاربهم.

كما تستغل بوليساريو النساء وتخضعهم للعديد من أشكال العبودية في خرق تام لإعلان الأمم المتحدة حول حقوق الطفل والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدة الرابعة لجنيف التي تمنع من بين أمور أخرى احتجاز الرهائن والتعذيب والعبودية.

لقد آن الأوان لكي يضع المجتمع الدولي والمنظمات المعنية حدا لمعاناة المحتجزين المغاربة في تندوف، وإحالة المذنبين، جلادين ومحتالين، على العدالة.

أما قرار القاضي الإسباني بلتسار غارثون، فسيبقى مجرد عبث، ولعب مفضوح في الوقت الضائع.




تابعونا على فيسبوك