النظام الدولي أحادي القطبية لايصلح لمعالجة ظاهرة عدم التسامح

الأربعاء 31 أكتوبر 2007 - 09:54

نظمت أخيرا منظمة الأمن والتعاون الأوروبي ندوة فكرية في العاصمة الرومانية بوخارست تحت عنوان مكافحة التمييز ودعم التفاهم والاحترام المتبادل، وحسب المراقبين.

فإن المؤتمر يأتي بعد أشهر عدة على انضمام رومانيا رسميا إلى الاتحاد الأوروبي، ليؤكد بداية عصر جديد تبدو فيه رومانيا إحدى نقاط الارتكاز الرئيسية للسياسة الأمريكية تجاه أوروبا، ويمكن القول إن هذا المؤتمر يشكل امتدادا لسلسلة مؤتمرات، عقدتها منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، قيل إنها تهدف لتأكيد معنى التسامح والعمل على مكافحة التمييز، عقد أولها في فيينا عام 2003 وتبعته مؤتمرات عدة أخرى عقدت عام 2004 في كل من برلين وباريس وبروكسيل، واختتمت بمؤتمر آخر في قرطبة عام 2005

ولأن مؤتمر قرطبة اقتصر على مناقشة لون واحد من ألوان عدم التمييز، وهو معاداة السامية، فقد كان الرأي أن يعالج مؤتمر بوخارست أنواع التمييز كافة

حضرت المؤتمر وفود من جميع الدول الأعضاء (حوالي 55 دولة)، وكذلك وفود من خمس دول متوسطية ترتبط بعلاقات تعاون مع منظمة التعاون والأمن في أوروبا، ودعي للمشاركة فيه ممثلون عن منظمات المجتمع المدني في الدول الأعضاء نظمت لهم فعاليات وورش عمل خاصة، كما دعي عدد من الخبراء أو الأكاديميين كمتحدثين رئيسيين في الجلسات العامة التي خصص كل منها لمناقشة لون من ألوان التمييز

وقد اعتبر الكاتب حسن نافعة، (من كتاب جريدة الحياة اللندنية) أن مكافحة صور وأشكال التمييز ضد البشر، أينما كانوا وأيا كانت جنسياتهم وعقائدهم، تعد أحد أهم وأنبل القضايا التي تستحق أن نبذل في سبيلها كل غال ورخيص، وفي ما يتعلق بالإشكالية موضوع الجلسة، والمتعلقة بقضية عدم التسامح والتمييز ضد المسلمين، فقد لخص نافعة أفكاره حولها في خمس ملاحظات طرحها على النحو التالي :

٭ الملاحظة الأولى : تدور حول عمومية وقدم ظاهرة عدم التسامح والتمييز، إذ شهدت المجتمعات والثقافات والحضارات كافة، وفي كل الحقب والعصور، صورا وأشكالا مختلفة من عدم التسامح والتمييز بين البشر، ما يجعل من الصعب على أي مؤرخ أو عالم اجتماع يحترم نفسه إثبات أي صلة تلازم أو ارتباط بين ظاهرة عدم التسامح والتمييز وبين أي ثقافة أو حضارة أو دين بذاته

الارتباط الوحيد الذي قد يكون واردا هنا هو مع نظم سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية بعينها ولكن ليس مع ثقافات أو حضارات أو أديان

وبالتالي فمن الخطأ والخطورة معاً استخدام أو الترويج لمصطلحات من قبيل الفاشية الإسلامية، أو الإرهاب الإسلامي لأنه لا علاقة للإسلام كدين بظواهر أو بنظم أو حتى بأيديولوجيات سياسية واجتماعية كريهة كالعنصرية والاستبداد والإرهاب والفساد وغيرها
وقد يجوز وصف نظم سياسية أواجتماعية أو اقتصادية بعينها بالعنصرية أو الاستبداد أو الإرهاب أو الفساد، لكن ليس من الجائز أبدا إطلاق أي من هذه الأوصاف على أديان أو حضارات أو ثقافات بعينها

٭ الملاحظة الثانية : تدور حول ضرورة التمييز بين الإسلام كدين وبين الأفكار أو الأيديولوجيات السياسية التي تدعي أن مرجعيتها مستمدة من الإسلام
ففي كل الأديان، وليس في الدين الإسلامي وحده، مدارس فقهية وفكرية شديدة التنوع والاختلاف، بعضها معتدل إلى درجة التسامح الكامل، وبعضها متشدد إلى درجة التعصب الأعمى

ولا تقتصر ظاهرة التطرف في الفكر السياسي ذي المرجعية الدينية على الدين الإسلامي وحده

فقد انبثقت عن الأديان كافة، بما فيها المسيحية واليهودية، حركات سياسية شديدة التطرف

٭ الملاحظة الثالثة : تدور حول حداثة ظاهرة التمييز ضد المسلمين
فحتى وقت قريب كان التمييز ضد المسلمين يبدو جزءاً من ظاهرة عامة تتعلق بعدم التسامح والتمييز ضد الآخر عموما، غير أن الأمر اختلف كلية بعد أحداث 11 شتنبر عام 2001 حين تبين أن الذين وجهت إليهم تهمة تدبير وارتكاب هذه الجريمة البشعة هم جميعا من المسلمين، لكن بدلا من إدانة الأشخاص أو المنظمات المسؤولة عن الجريمة تعمدت أوساط سياسية وإعلامية معينة إدانة الأفكار والأيديولوجيات التي يعتنقونها، ونسبتها إلى دين بعينه هو الدين الإسلامي

وفي سياق كهذا كان من الطبيعي أن تنشأ وتزدهر ظاهرة الإسلاموفوبيا، أو الخوف من الإسلام وأن تتحول إلى صناعة رائجة لإنتاج وإعادة إنتاج التمييز ضد الإسلام والمسلمين
وأشار أحد التقارير الذي أصدرته منظمة هيومان رايتس ووتش إلى أن حوادث الاعتداء على المسلمين، بل وعلى من يشتبه أنهم من المسلمين، زادت بعد أحداث شتنبر بنسبة 1700 في المائة

كما كان من الطبيعي أيضا أن تعم ظاهرة الإسلاموفوبيا وتنتقل من الولايات المتحدة إلى أوروبا ومنها إلى بقية أنحاء العالم ليصبح التمييز ضد الإسلام والمسلمين واحدة من سمات العصر

٭ الملاحظة الرابعة : تدور حول خطورة وتعدد أبعاد ظاهرة الإسلاموفوبيا، فالبعض يميل إلى إدانتها لمجرد انتفاء مبرراتها القانونية والأخلاقية

غير أن الأمر يبدو أخطر من ذلك كثيرا إذ يعكس جهلا فاضحا بالإسلام والمسلمين وينطوي في الوقت ذاته على تهديد خطير للسلم والأمن الدوليين
فالمسلمون يشكلون خمس سكان العالم، ولاينتمون إلى دولة أو جنسية أو ثقافة أو حضارة معينة ولاحتى يتكلمون لغة واحدة
ولأن المسلمين يمكن أن يكونوا عربا أو هنودا أو صينيين أو أفارقة أو حتى أوروبيين وأميركيين، فإن التمييز ضدهم لمجرد أنهم ينتمون إلى دين واحد يشكل في حد ذاته إهانة للبشرية جمعاء ويوجه ضربة قاصمة لاحتمالات التعايش بين البشر

٭ الملاحظة الخامسة : تدور حول طبيعة القوى الدولية التي تقف وراء هذه الظاهرة وتحاول توظيفها لخدمة أجندتها السياسية والفكرية الخاصة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل
وفي تقدير المتدخل أنه لم يعد يخفى على أحد أن الإدارة الأمريكية الحالية وظّفت أحداث 11 شتنبر لبلورة استراتيجية »الحرب الكونية على الإرهاب«، التي لم تكن سوى وسيلة للهيمنة على العالم، من خلال السيطرة على منابع النفط، بدليل غزو العراق الذي لم تكن له أي علاقة بتنظيم »القاعدة« أو بأحداث شتنبر، وتبرير هذا الغزو بمعلومات تم تلفيقها عمدا
وتأسيسا على هذه الملاحظات الخمس استخلص نافعة في نهاية حديثه نتيجتين، الأولى : استحالة فهم ظاهرة الاسلاموفوبيا بمعزل عن تحولات النظام العالمي وتطورات الصراع العربي الإسرائيلي، خصوصا أن القوى التي تروج للاسلاموفوبيا هي القوى الدولية والإقليمية ذاتها الطامحة للهيمنة على النظام العالمي وعلى منطقة الشرق الأوسط
والثانية : استحالة معالجة ظاهرة الإسلاموفوبيا على نحو فعال إلا في إطار إصلاح لبنية ومؤسسات النظام الدولي الراهن
صحيح أن معالجة ظاهرة على قدر كبير من التعقيد مثل ظاهرة عدم التمييز وعدم التسامح عموما تتطلب استخدام مناهج متعددة ومتكاملة، خصوصا ما يتصل منها بالتعليم والإعلام، لكن هذه المناهج تظل محدودة الفعالية ما لم يتم توظيفها من جانب نظام دولي متعدد الأقطاب، فالنظام الدولي الأحادي القطبية الذي يتسم بالهيمنة لايصلح في تقديري لمعالجة ظاهرة عدم التسامح، خصوصا حين يتعلق الأمر بالمسلمين، لأنه هو ذاته أحد مصادر إنتاج الظاهرة وصاحب المصلحة الأكبر في استمرارها وتوظيفها

٭ استاذ باحث




تابعونا على فيسبوك