حمل لواء حداثة الشعر في العراق

سركون بولص دفين كاليفورنيا

الثلاثاء 30 أكتوبر 2007 - 10:35

يعد الفقيد سركون بولص من المثقفين العراقيين القلائل الذين ادانوا الاحتلال الأميركي للعراق على الرغم من أنه لم يتعاط السياسة بمعناها المتداول في حياته.

وحتى ولو تقاذفته المنافي الاختبارية منذ ان غادر العراق منتصف الستينات إلا أنه بقي مرتبطا بجذوره القوية الانتماء لبلاد ما بين النهرين العراق.
من بغداد حمل سركون بولص مشروعه الشعري حيث توقف في بيروت وتعرف على تجربة مجلة شعر اللبنانية وساهم في تحريرها .وكان في السادسة عشرة من عمره أرسل قصائده الـ 16الأولى إلى الشاعر يوسف الخال فاحتفت بها مجلة شعر التي كانت تصدر في بيروت، ابن السادسة عشرة الذي كان منذ الثانية عشرة يكتب على دفتره الخاص كتب في مجلة شعر انه اكتشاف مبكر لموهبة فذة لقادم من بلد ابوالطيب المتنبي، كما ترجم العديد من النصوص الشعرية من اللغة الانجليزية خصوصا لشعراء القارة الأمريكية
ثمّ منذ فترة تزيد علي عشرين عاما هاجر سركون بولص ليقيم في مدينة سان فرانسيسكو وخلال الأعوام التي قضاها هناك بقي سركون مخلصا للشعر ولترجمة الشعر ولعراقيته وأثناء تلك الاقامة الطويلة التي قرر أن ينهيها بالذهاب الى أوروبا خصوصا الي لندن وباريس وألمانيا حيث عمل على تطوير تقنياته الشعرية وصارت اللغة لديه أكثر حسية

فهو بالرغم من اقامته الطويلة في الولايات المتحدة لم يتخلص من لهجته البغدادية وبقي يحمل نفس ذلك القروي القادم من كركوك

لقد دأب على حضور المربد الشعري في بغداد لمرة او مرتين لتأكيد نظرته في ان خروجه لايشكل انفصاما عن انتمائه للعراق وهو الآشوري الحامل لكل تواريخ الصراع والأسى العراقي الذي تعرضت له الأقليات والتشكيلات الفسيفسائية العراقية عبر جنوح التاريخ في كل قرن، كما كتب رافضا الحرب على العراق منذ 1991 حتى الجنون الأخير للأحتلال الأمريكي 2003 موجها النقد المر لرجل الغرب الذي سيشرب النفط من العطش،منتقدا الأعلام الأميركية وهي ترفرف في شوارع سان فرانسيسكو وهي تلوح بقدوم الحرب القاتلة نحو العراق، فيما تلوح له طفلة الحرب الباكية، ذكرياته التي تؤكد انتماءه الآشوري العراقي القديم من سهل نينوي الموصل الى شجرة آدم عند القرنه الحانية علي اطراف البصرة، مدينة المدن.

مات سركون بولص في المنفى الألماني، اعتاد شعراء العراق الموت في المنافي، قبل أشهر ماتت نازك الملائكة في القاهرة، وبلند الحيدري في لندن والجواهري في دمشق، إنّها لعنة الغربة. كان اللامكان هاجسه، سواء حين سافر الى أوروبا، أو خلال السنوات التي أمضاها في سان فرانسيسكو قال ذات مرة حياتي أشبه بجغرافيا لا يمكن تفسيرها بمواقع وأمكنة عاش غريبا او مغرّبا، وكانت قصائده في الموت المقيم والحياة القلقة من ابدع ما قدمته الذائقة الشعرية العربية وأشدها وجعا وهويذكرنا بزميله الشاعر جان دمو الذي افترش سطوح بيروت قبل أن يقضي نحبه مدمناً في المنفى الأسترالي لم يعد إلى العراق الذي فكّكت أواصره الحرب، لم يعبر الفرات مجدداً لمقابلة الراحل جبرا إبراهيم جبرا الذي كان يصدر مجلة العاملون بالنفطلم يعد إلى كركوك التي طالما كتبها شعراً.

كان يعلم أنّ الحرب دمّرت حميمية مدينته وتنوّعها، فكتب عن الهمجية التي نالت من أماكن أحبها وانتمى اليها ، هو المنحدر من مدينة كركوك الذي حاول مع أقرانه في ستينيات القرن الماضي تغيير خريطة الشعر العراقي بل العربي الحديث عبر إحداث ثورةٍ في أساليبه وتقنياته

ينتمي سركون بولص الذي يعد من جيل الستينيات الذي حاول مع أقرانه الشعراء أمثال جان دمو والأب يوسف سعيد وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي وجليل القيسي تغيير خارطة الشعر العراقي في احداث تيار أدبي متمكن بأساليبه وتقنياته ضمن مشروع يريد تجاوز ما أنتجه جيل الرواد الشعري في قصيدة التفعيله سركون بولص شكل حالة نادرة من الحياة الشعرية

ولا تجد حالة شعرية منذ الستينيات الا وعرفت سركون بولص بعمق حتى قبل ان يفكر في اصدار مجموعات شعرية، وكانت قصائده المبثوثة في مجلات الأدب والصفحات الثقافية تشير الى قامة ابداعية تترك اثرها ولا يشبهها احد كتب عنه الشاعر محمد بنيس يقول : حينما أفكر فيه أستحضر قصيدة قائمة الذات نحتها عبر سنوات طويلة من الصبر والاستزادة من المعرفة الشعرية، حتى أصبحت علامة عليه، وطريقة مخصوصة يستهدي بها جيل من الشعراء قصيدته التي كانت تفضل معجمها اليومي فيما هي تقترب من المتاهات ومن العذاب الأبدي

كذلك هي قصيدته منذ تعرفي عليه أول مرة، في الستينيات، من خلال مجلة شعر، شاعراً وكاتباً عما لم يكن معهوداً، أو في اللاحق مترجماً لشعراء أمريكيين لم تكن أسماؤهم متداولة بين الشعراء والنقاد العرب أنذاك، أحسست أن تجربة الحياة لديه أصفى وآلامها أعمق بذلك انحفرت في ذاكرتي صورة شاعر عربي بودليري، مختلف عن البودليريين المعروفين، واصل من بغداد إلى بيروت ثم بعد سنوات كانت لنا اللقاءات في القصيدة وفي فضاءات، تبدأ من المغرب ثم تمتد إلى بلاد في العالم

وكتب سعدي يوسف عن صديقه : لا أكاد أعرفُ ممّن مارسوا قصيدة النثر، شاعرا ألَمَّ بتعقيدات قصيدةِ النثر، ومسؤولياتها، مثلما ألَمَّ سركون بولص مدخلُه إليها مختلفٌ تماما
إنه ليس المدخل الفرنكوفوني إلى النص المُنْبَت، في فترة مظلمة م لم تتسع بيروت لسركون بولص رغم كونها ملاذاًحين كان يتاح إليه الرحيل أو السفر اختار أميركاقال عام 1969 أردت أن أعرف بحق من أنا وماذا أريد، أن أناقش كل شيء، أن ابتعد وأكتشف وأعود بجواب، هكذا وجدت نفسي في أميركا، وتلك قصة أخرى

ولد الشاعر الراحل بولص في مدينة الحبانية (50 كلم غرب بغداد) عام 1944 لعائلة مسيحية اشورية ثم انتقل عام 1956 الى مدينة كركوك (255 كلم شمال بغداد(وانضم هناك إلى جماعة كركوك الادبية التي كانت تضم نخبة من المثقفين والادباء العراقيين وهنا بدأ كتابة الشعر في العام 1961 نشر يوسف الخال قصائده في مجلة شعر وبعدها بخمس سنوات سيأتي إلى بيروت سيراً على الأقدام، عبر الصحراء وبلا جواز سفر
هنا قصد المكتبة الأميركية، طالباً أعمال آلن غينسبرغ وجاك كرواك وآخرين، وأعد ملفاً عنهم في شعر.

في المدينة التي كانت تعرف نهضة ثقافية، انكبّ على الترجمة، قبل أن يستأنف ترحاله
هذه المرّة ستكون وجهته الولايات المتحدة (1969)، وفي سان فرانسيسكو سيلتقي جماعة الـ بيتنيكس ويعقد صداقات معهم

مات الشاعر ولم ير كتابه الاخير عظمة أخرى لكلب القبيلة الذي يصدر قريبا لدى دار الجمل. تاركاً لنا عدداً من الدواوين الشعرية على غرار حامل الفانوس في ليل الذئاب و إذا كنت نائماً في مركب نوح والأول والتالي و الوصول إلى مدينة أين والحياة قرب الأكروبول ومختارات شعرية مترجمة تحت عنوان رقائم لروح الكون ومجموعة قصصية بعنوان غرفة مهجورة، وسيرته الذاتية شهود على الضفاف ومختارات قصصية نُشرت بالعربية والألمانية بعنوان غرفة مهجورة

وستقام مراسم دفن فقيد الشعر والأدب الراحل سركون بولص غدا الأربعاء 31 أكتوبر 2007، في كنيسة القديس ماركيوركيس في سيرس بولاية كاليفورنيا/ أميركا.




تابعونا على فيسبوك